المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرَّهَبُ الاجتماعي وقضايا الدعوة!


فريد الأنصاري
06-18-2009, 01:47 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الرَّهَبُ الاجتماعي وقضايا الدعوة!


لقد قرأت سؤال أخينا سعد منذ الساعات الأولى من كتابته إياه.. لكنني أحببت أن آخذ مهلة أكبر للتفكير من جهة، وقلت: أنتظر ماذا تجود به قرائح الإخوة من الحكمة، من جهة ثانية. ولقد كتب الإخوة نصائح غالية بارك الله فيهم، أنا واحد ممن هو في حاجة إليها!

ولقد أحببت بعد ذلك أن أعقب بشيء في الموضوع؛ نظراً لأهميته، ونظراً لما هو واقع في أوساط كثير من الشباب، من عموم الابتلاء به! حتى صار هذا الإشكال – في قلوب الكثير من الناس - من أكبر المثبطات النفسية، ومن أخطر الموانع المرضية، الحاجزة لكثير من الطاقات المتميزة، والمواهب الناشئة، عن ممارسة العمل الدعوي، والاقتحام الاجتماعي! ومن هنا يكون الموضوع بالنسبة لي قضية دعوية كبرى تستحق التوقف الطويل!

كما أحببت أن أسهم فيه أيضا؛ بسبب ما صار للدجل الكلامي المسمى بالبرمجة العصبية اللغوية، من رواج في عقول الفاشلين والجاهلين!

وأهنئ أخانا سعداً على موقفه الواعي من هذا الدجل الكلامي البائر!

- أولا: أحب نقد مصطلح "الرِّهاب الاجتماعي" على المستوى اللغوي. ذلك أن عبارة "رِهَاب" غير صحيحة في هذا الاستعمال الجاري عند بعض الأطباء النفسانيين. وإنما هو الرَّهَبُ – بفتح الهاء، وبسكونها أيضا، لغتان – وهو الرَّهْبَاءُ أيضاً، والرَّهَبُوتُ، مثل رَحَمُوت. فالصواب هو أن نقول: الرَّهَبُ الاجتماعي، أو ما تختار من المصادر الصحيحة المذكورة مثل: الرَّهَبُوت الاجتماعي. وأما الرِّهَابُ: فإنما هو صيغة جمع لِرِقَاقِ النصال من السهام أو السيوف، مفردها: رَهْبٌ. وإذا فرضنا أنه قياس على مصدر المشاركة: "فِعَال" – وهو غير مسموع – مثل "قتال"، و"جهاد"؛ فإنه لا يسلم لغةً وعقلاً؛ لأن المشاركة تقتضي اشتراك طرفين في فعل واحد. أما الرَّهَبُ الاجتماعي فإنما هو وهم أصلاً! والمريض فيه ضحية فقط وليس بفاعل، وهو لا يُرْهِبُ أحداً ولا يحاول ذلك، كالمقاتل، والمناضل، والْمُشَارِبِ والْمُصَاحِبِ والْمُرَافِقِ، ونحوها، بل هو فريسة رَهَبِهِ الوهمي! فتصور المشاركة فيه ضرب من المحال!
(تنظر المادة اللغوية: "رهب"، في المصادر التالية: جمهرة اللغة، والمحيط في اللغة، والصحاح، ولسان العرب، والقاموس المحيط).

- ثانيا: إن غالبَ عُقَدِ الرَّهَبِ الاجتماعي ناشئة من سوء الظروف التربوية، التي نشأ فيها الإنسان طفلاً، كأن يكون قد خضع في طفولته لقمع شديد، وتحطيم لشخصيته من لدن أبويه، أو إخوته الكبار، أو غير ذلك، وعانى من كثرة التوبيخ ما أفقده الثقة في نفسه! وكذا إذا ابتلاه الله بمعلم تعيس، أو أستاذ سيء الحظ، يعامل تلاميذه بالتهديد، والترهيب، والتوبيخ الشديد، والسخرية القاتلة من الإجابات! ومعلوم أن السخرية بالتلميذ – حتى ولو أخطأ - من أخطر المدمرات لشخصيته! ولا يمارسها إلا معلم ظالم شقي، أو أستاذ أعمى الله بصيرته!

- ثالثا: إن هذا الذي ذكرته في سؤالك - أخي سعداً حسب عباراتك - ليس مرضا ولا رَهَباً! بل هو صفة إيجابية صحية كريمة! وبيان ذلك هو كما يلي:

إن مشكلتك - إن صح تسميتها مشكلة – ترجع إلى أمرين اثنين، وذلك حسب ما استنبطته من السؤال كما صغتَه أنت. وهما:
- الأولى: إنك شاب حيي، يغلبك الحياء. ورغم أنني ما رأيتك إلا مرة واحدة، فقد اكتشفت نور الحياء يتدفق من على جبينك! وهو مما يحمد في الإنسان. والحياء إذا غلب على صاحبه ربما جعله يستغلق بين يدي الناس. وقد كان عثمان - رضي الله عنه – يرتج عليه في خطبته - عند خلافته - بسبب حيائه الشديد. وهو الرجل الذي كانت تستحي منه الملائكة، كما ثبت في الحديث. وهو أمر يرجع أساسا إلى البيئة التي تربى فيها الإنسان، والمنبت الأسري المحافظ الذي نشأ فيه. ولك أن تتأمل هذا الحديث النبوي العجيب: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: (مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، يَقُولُ: إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِي حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ قَدْ أَضَرَّ بِكَ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – دَعْهُ! فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ!)(متفق عليه) وليس هو بنقص في الإيمان كما قد يُتوهم!
- الأمر الثاني: راجع إلى ما أشرت إليه من تكليفك – في إطار المهنة – بالتسويق، واستجلاب الزبناء.. نعم هذه مشكلة! لكن ليست مشكلة من حيث إنك شخص فاشل عاجز، كلا كلا! فما أنت بفاشل ولا أنت بعاجز، بل أنت مهندس! وما كان ينبغي لفاشل أو مضطرب أن يتخرج مهندسا!

إن المشكلة يا أخي هي في فساد المهمة التي كلفت بها! نعم إنني أنا شخصيا لو كلفت نقل الجبال لكان أهون علي من تكليفي بها! والسبب في ذلك أن "فن التسويق" المعتمد اليوم في البلاد العربية، أو هذا (الماركوتينج) وما يتفرع عنه، أو يدور في فلكه من وظائف إقناع الزبناء واستقطابهم، كله يقوم على منطق غربي ليبيرالي لا أخلاقي!

هذه هي المشكلة! وما هي في شخصية سعد ولا في إيمانه، بل أنا أجزم أن فشله في القيام بها هي من قوة إيمانه!

إن فن التسويق الغربي يقوم على فلسفة موت الأخلاق، وقتل النفس، ووطأ الكرامة! وممارسة شتى أنواع الخداع والحيل؛ لإيقاع الزبون في شَرَكِ الاستهلاك! نعم أنا أعلم أن إخواننا لا يمارسون ذلك بحمد الله، ولكن المشكلة أنهم بسبب عدم إذلال أنفسهم بين يدي الزبناء يفشلون في اكتسابهم! لقد اقتربت من بعض المشتغلين بمثل هذه الوظائف في مجالات شتى.. جاءني مرة شاب أنيق حرص على تنسيق ألوان ملابسه حتى صار كأنه لوحة فنية! واستأذن علي في مكتبي ثم سلم وجلس، وأخرج كتابا دليليا (كاطلوج)، وجعل يعرض علي بعض الكتب الضخمة في علوم شتى، منها ما هو دائرة معارف أسرية، ومنها ما كان في التفسير، كانت الصور ملتقطة للمجلدات بعناية فائقة! وتحدث المسكين بين يدي بلغة خطابية بئيسة.. كنت أرى العرق يتصبب من على جبينه، حتى بدأ يضبب عليه نظارته الأنيقة.. فأشفقت عليه جدا! لقد كان يعرض كتاب التفسير بنحو ثلاثة آلاف درهم! ونحن نشتريه في السوق بنحو خمسمائة درهم قد تزيد قليلا! ليست هذه هي المشكلة. وإنما المشكلة هي أنه جعل يقدم لي إقناعاته الوهمية بأهمية الكتاب، وهو لا يدري بأنني أدرى منه بذلك الكتاب! والكتاب قيم فعلا. لكن المشكلة أنه لم يذكر ضمن توهيماته التسويقية ولا عنصراً واحدا من عناصر قيمة الكتاب! لأنه ببساطة لم يقرأ الكتاب!

ولقد اقتربت جدا من بعض الإخوة المسؤولين عن وكالات بنكية عفا الله عنا وعنهم! ورأيت النفاق المقيت الذي يعاملون به الزبناء الأثرياء! وكان أحدهم يصرح لي به تصريحاً! وكنت أرى أحد المسؤولين يخرج إلى الزبناء المحتملين لإقناعهم بترحيل أموالهم إلى وكالته البنكية! إن المشكلة – بغض النظر عن الموقف الشرعي من ذلك كله – هو الطريقة التي يمارسها هؤلاء من التذلل والتحبب المقيت، وعرض الخدمات، وتعظيم قدر الزبون بشتى ألوان المديح، ومفاخر الألقاب! إنه نوع من التسول بما للكلمة من معنى! نعم التسول! وكفى بذلك مذلة لصاحبه!
ومرة قُدِّرَ لي أن أسمع امرأة شابة تقوم بهذه المهمة الدنيئة! وإنني والله لا أستطيع أن أصف أحوالها ولا أقوالها! وإنما أقول في شأنها كلمة واحدة: إنا لله وإنا إليه راجعون!
إن هذه الثقافة التجارية الغربية، هي ثقافة مستمدة من المنطق التجاري اليهودي! وهو منطق يجعل الأخلاق كلها في سلة واحدة، ثم يبيعها لأول زبون عابر بدولار واحد!
وأنا أعلم يقينا أن إخواننا لا يقعون في هذا أبدا ولا فيما يشبهه، ولكنهم إذ يكلفون بهذه المهام يتحملون ما لا يطيقون فعلا! فلا يمارسون منه إلا ما يرضي ضمائرهم فيعانون!
إن المسوِّق المسلم إذا سوَّق بضاعته، أو منتوج شركته؛ فإنما يسوقه بصدق وعزة وكرامة! وهو يعرض سلعته من خلال عقيدة الرزق في الإسلام! هذه العقيدة المطرودة – مع الأسف - من السوق العصرية طرداً! والمؤمن إذ يعرض منتوجه ليس هناك من يقف وراءه في الشركة، ينتظر نتيجة جولته عند الزبناء؛ ليحكم عليه بالنجاح أو الفشل! لأن الشركة الإسلامية إنما تسوق بضائعها تحت خيمة الأرزاق، تعامل موظفيها بمنطق أن الأرزاق من قدر الله! ومن خالف ذلك فقد حمل نفسه ما لا تطيق! وهذا هو مربط الفرس، ومدار الإشكال!

وهنا أقدم للإخوة حديثا نبويا حكيما في هذا المجال وغيره، هو حديث عظيم تشد إلى مثله الرحال! عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال: (لاَ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ! قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ: يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلاَءِ لِمَا لاَ يُطِيقُ!)(1) (1) رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. وصححه الألباني في تحقيق سننيهما، وفي الصحيحة، وصحيح الجامع.
إن التسويق في الإسلام علم له أصوله وقواعده، وله ضوابطه المتينة الشريفة الكريمة، قواعد وضوابط يُعبد بها الله، وتتزكى بها النفس المؤمنة وهي في سوقها مع زبائنها! وأصول ذلك كله مبثوثة في الكتاب والسنة، وقد دون الفقهاء من ذلك الشيء الكثير في قسم المعاملات من كتب الفقه. وبيان هذا يحتاج إلى بحث طويل!

لكن المشكلة أن السوق العالمية اليوم خاضعة لمنطق التسويق الغربي! وهو منطق على نقيض المنطق الإسامي تماما!


لطفاً.. تابع الإجابة في المشاركة التالية..

..............................

فريد الأنصاري
06-18-2009, 01:48 PM
(تتمة الإجابة حول "الرهب الاجتماعي"):

وأخيراً..

بقي لنا شيء واحد هو تعلم علاج جميع مشكلاتنا النفسية والاجتماعية بترياق الثقة بالله!

وهو أمر محمود مطلوب على كل حال. يحتاجه القوي والضعيف، والسليم والعليل! وكل من لم يتلق حقيقة أن: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ هلك!

وعلى قدر المهمة المنوطة بالعبد تكون حاجته إلى هذا الزاد الإيماني العظيم: الثقة بالله! ولا أعظم في الأرض من مهمة الدعوة إلى الله، وبلاغ رسالاته إلى الناس كل الناس! وإنك لتنتظر أن تُرَدَّ على وجهك بشر الكلام، وأن تشتم وتوصف بأردأ العبارات! ولكن لا أنا ولا أنت نكون أفضل من سيدنا رسول الله عليه أزكى الصلاة والتسليم! وقد قيل فيه ما قيل، وناله ما ناله من الأذى في الله، فاحتسب وصبر!

وما من عبد كان دائم الاستمداد من الله، فإنه ينجح في مهمته بإذن الله، سواء كانت مهمة دعوية أو دنيوية، كل ذلك سواء.. لكن بشرط مراعاة الضوابط الشرعية في القول والعمل!

وإن قصة موسى في القرآن لهي من أعظم القصص القرآني، في بيان هذا المعنى من التربية على القوة، والفتوة، والثقة العالية بالله! بلا غطرسة ولا كبرياء، ولا ظلم ولا اعتداء، ولا تمجيد للنفس وأناها، كما يفعله بعض الجهلة بالله اليوم! بل بعبودية خالصة كاملة، متذللة لله، خاضعة لسلطانه العظيم جل جلاله وعلاه!

ولقد سجل القرآن المجيد أربعة مواقف من الخوف والتردد، واجهها موسى عليه السلام في دعوته، فتعلم فيها من الله عقيدة الثقة بالله، ولم يزل كذلك يتدرج في مدرسة الله؛ حتى أُعلن نجاحه على درجة "أولي العزم من الرسل!"
وانتصبت من الآيات قاعدة قرآنية عظيمة: هي أن أكبر طريقة للانتصار على العمل الْمَخُوفِ هو المبادرة إلى اقتحام ذلك العمل الْمَخُوفِ نفسه! والاصطدام بواقعه بقوة! وليكن ما يكون! ستعرق! وستغرق! وسترتعد! وترتجف! وستحمر وتضطرب! ولكن ذلك الموقف سينتهي قطعا، كما ينتهي كل شيء، وإنك ستكون قد ثقبت ثغرة في جدار الخوف؛ لأنك قد وصلت إلى النتائج – كيفما كانت - على كل حال!

إن معنى أن تستمد الثقة بالله من الله، هو أن تعيش حياتك على عقيدة أنك تحمل رسالات الله! هكذا نعم، فلتشعر أنك رجل صاحب رسالة! رسالة عظيمة عظيمة! وأنك تعيش حياتك على عين الله، وفي معيته العليا سبحانه! في دينك، ودعوتك، وعملك، وتجارتك، وصناعتك، وسائر حياتك! وإنك إذن ستجد يقينا أن الله لن يخذلك! لن يخذلك أبداً! وستعيش هذه الحقيقة العظيمة في حياتك كلها! فمن استغنى بالله كفاه! ولنا أن نتدبر هذه الآية/العلامة مليا! قال جل جلاله: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾[الزمر: 36].

أما مدرسة موسى عليه السلام، فقد سجلت تدرجه عبر فصولها في أربعة امتحانات من الخوف، كان زاده الوحيد فيها هو تجديد الثقة بالله! وبيانها هو كما يلي:

- الامتحان الأول: الخوف من العصا لما انقلبت – بإذن الله - حية بين يديه لأول مرة، فولى منها هارباً! قال سبحانه: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ! يَا مُوسَى لاَ تَخَفْ! إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ!﴾[النمل:10] فلنتأمل هذا الدواء الرباني العظيم: (إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ!) فكذلك كل من عاش لرسالة إيمانية نبيلة من دعاة الخير، في كل زمان.

- الامتحان الثاني: الخوف من الطغاة، ومما يمكن أن يرفع ضده من التهم بالحق أو بالباطل! ونبش الملفات القديمة! ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ. ﴾[القصص: 33] وسيأتي علاجه من القرآن في الامتحان الثالث.

- الامتحان الثالث: الخوف من التلعثم والاضطراب، والفشل في المهمة، وما يترتب عن ذلك من التكذيب! قال تعالى حكاية عن موسى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾[القصص: 34] وأوضح منه قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ. وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ. وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ : 12-14]. فكان الترياق الشافي ما وصفه الله تعالى في سورة طه: ﴿قَالاَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى. قَالَ لاَ تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 45-46]. نعم هكذا: ﴿لاَ تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ وهو تجلٍّ من تجليات الثقة العالية بالله.. وسترى لذلك نتيجة قرآنية عظيمة باهرة، في ختام هذه الورقة إن شاء الله.

- الامتحان الرابع: الخوف من دجل السحرة، واجتماعهم ضده – بعد دخوله في المواجهة عمليا - تماما كما يتألب رجال السياسة والإعلام الفاجر اليوم ضد الحق! قال تعالى حكاية عن موسى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى. فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى. قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى! وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى!﴾[ طه: 66/69].

تلك كانت امتحانات أربعة كان الزاد الرئيس فيها لموسى وهارون قول الله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 46] نعم، ذلك هو مصدر الثقة العالية بالله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 46]!
ولذلك تكللت مساعي موسى بالنجاح الباهر! النجاح النفسي قبل النجاح العسكري! فقد جمع فرعون كيده وقرر إبادة بني إسرائيل جميعا، والقضاء على كل من آمن بموسى عليه السلام فأوحى الله إلى نبيه الأمر بالخروج من أرض مصر، وهناك في الطريق لاحق جيش الطاغية فرعون قافلةَ المؤمنين لسحقها! حتى إذا أشرف الطاغية بجيشه على المؤمنين، يئس المستضعفون الهاربون من النجاة! لكن موسى وحده أيقن – هذه المرة- بالانتصار، يقين معاينة ومشاهدة! ولم يسجل القرآن عليه أنه شعر بشيء من الخوف، ولا مقدار ذرة! مع أنه خاف قبل ذلك مما هو دون هذا بكثير! قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ! قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ! فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾[الشعراء: 61/63]! نعم هكذا قول العبد الواثق بربه: (كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ!).. (كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ!).. (كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ!)..

تلك هي أصول الثقة بالله، وتلك مدرستها، تحتاج إلى دربة ومكابدة، نعم، لكن المتخرج منها لا يعرف الفشل أبداً! ولقد تزلزل موسى - وهو من هو قوة وجلدا! – تزلزل مرات ومرات! لكنه في الأخير أعلنها قوية مدوية! في أحرج موقف وأشده على المؤمنين! (كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ!)..

ولقد علم إخواننا أن علاجات القرآن لا تؤخذ معرفةً صوريةً، ولكنها تؤخذ مكابدةً ومجاهدةً! فمن عَرِقَ وجَهِدَ من ثقلها، وأَنَّ من جمراتها؛ نال ثمراتها – إن شاء الله – قوةً وفتوةً، في دينه وإيمانه وجميع معاشه!

تلك حقيقة قرآنية كبرى، من عاشها وذاقها، وغذى قلبه بوارداتها؛ هان عليه كل شيء، كل شيء! فالله أكبر، ولله الحمد!


ـــــــــــانتهى.

الدكالي محمد
06-19-2009, 09:03 AM
الله أكبر ماأجمله من تعبير لكن مالعلاقة بين هذه الآية الكريمة ( كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) وقول الله تعالى ( لاتحزن إن الله معنا ) سورة التوبة ، التي نزلت تصف الحادثة التي حدثت لنبي آخر ، في مواجهة مع الباطل ، والباطل دائما يتجلى في قوته وجبروته ، هذه الحادثة كانت هذه المرة مع خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم ، سيدنا وحبيبنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقريش تقص آثره تريده حيا أو ميتا ، لقد وصلت تلك الجموع الغفيرة إلى باب غار ثور ، وليس هناك فاصل بينها وبين النبي الطريد من قبل أهل الأرض ، المحمي من قبل أهل السماء إلا بضعة أمتار أو أشبار ، وسيدنا أبو بكر رضي الله عنه يقول يارسول الله لو نظر أحدهم إلىقدميه لرآنا ، فيقول الله الرسول الكريم في ثقة تامة ، ثقة الواثق بنصر الله ، ماظنك باثنين الله ثالثهما ، ونزلت الآية الكريمة لتعبر عما دار في خلد الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لانحزن إن الله معنا ، فأنزل الله سكينته عليه ، وأيده بجنود لم تروها ) ذاك هو إيمان الأنبياء ( كلا إن معي ربي سيهدين ) و
( لا تحزن إن الله معنا ) نفس الأسلوب نفس الثقة والطمانينة في نصر الله تعالى لعباده الصالحين ، مع الفارق الزمني بين العهدين ، ( ولن تجد لسنة الله تبديلا )

فريد الأنصاري
06-19-2009, 12:50 PM
أحسنت شيخنا الدكالي إنها لمقارنة موفقة من رجل قرآني مكين!
وإنما الفرق أن نبينا محمدا - صلى الله عليه وسلم - وهو سيد الأنبياء، قد انطلق منذ انطلق في رسالته من على هذا المقام العظيم ابتداءً، راسخا فيه على أتم ما يكون الرسوخ! متمكنا منه أشد التمكن! أما موسى - عليه السلام - فقد وصله انتهاءً، بعد امتحانات وتجارب عديدة، كما رأيت! ولذلك كانت قصته أقرب إلى تعليم الضعفاء مثلي!
سلامي الحار إلى أشبال القرآن!

محبة القرآن والعربية
08-20-2009, 01:39 AM
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين ، وسلامٌ على عبادِهِ الذين اصطفى ..


ما شاء الله ! جزاكم الله خيرًا شيخنا المِفضال د \ فريد الأنصاري

حقيقةً هذه المشكلة من أعظم المشاكل التي تواجه المُسلِم تجاه دعوته ، لاسيَّما إن كان ممن يُرتجى منهم دورٌ كبير في الدعوةِ إلى الله تعالى وفي المجاهدة بالقُرآن العظيم .


ولا أخفي عليكم أنني شخصيًا أعاني من هذا الأمر معاناةً شديدة ، ولا أجد لنفسي في ذلك عذرًا أمام الله تعالى ، لاسيما مع انتشار المنكرات انتشاراًعظيمًا في كل الشوارع والأرجاء ، إلا أن يشاء ربي شيئًا ، ولاسيما أيضًا أن أغلب المنكرات المنتشرة تتعلق بالفتاة المُسلِمة التي أصبحت - أسفًا - من أكبر عوامل هدم الأمة الآن ، بما انتشر بين النساء من أزياء وعادات وأخلاقيات هي من أشد عوامل الفتنة على شباب الإسلام وأجياله المُستقبلية بتربيتها على هذه المنكرات .


وسبحان الله وقفتم في مقالكم الكريم على نقطةٍ فعلاً من أشد النقاط التي كنت أرجع بسببها كثيرًا ، وهي :


وانتصبت من الآيات قاعدة قرآنية عظيمة: هي أن أكبر طريقة للانتصار على العمل الْمَخُوفِ هو المبادرة إلى اقتحام ذلك العمل الْمَخُوفِ نفسه! والاصطدام بواقعه بقوة! وليكن ما يكون! ستعرق! وستغرق! وسترتعد! وترتجف! وستحمر وتضطرب! ولكن ذلك الموقف سينتهي قطعا، كما ينتهي كل شيء، وإنك ستكون قد ثقبت ثغرة في جدار الخوف؛ لأنك قد وصلت إلى النتائج – كيفما كانت - على كل حال!


سبحان الله
في كثيرٍ من الأحيان أكون مستعدة تمامًا لما سأفعله لكن خوفي أن يكون على غير الوجه المطلوب كان يجعلني أرجع عنه.
يعني بفضل الله عندما أجهز مطويات معي مثلاً قبل نزولي تعالج مختلف المنكرات التي انتشرت بين النساء بحيث أهدي كل أخت وقعت في منكرٍ من هذه المنكرات ما يناسبها ، وتكون المطوية في يدي والأخت تجلس بجانبي ، بينما أنا في حيرةٍ من أمري واضطراب يعتريني، يملؤني الخوف أن أخفق في هذه المهمة أو أتعامل بأسلوب قد يكون غير مطلوبٍ فيكون في ذلك صدٌ لها !

ولعل من الوسائل العملية التي استفدتها من هذه المعاناة ، في معالجة هذا القصور ، وإزالة هذا الرهب شيئًا فشيئًا - بإذن الله تعالى - هو تحديد زإلزام النفس أمام الله تعالى بدعوة ولو شخص واحد فقط ندعوه إلى الله تعالى في كل احتكاكٍ لنا بالناس ، ثم بالاستقامة على هذا القدر نوسع الدائرة شيئًا فشيئًا ، فيصبح اثنان ، ثم ثلاثة ، وهكذا ..

عسى الله تعالى أن يتقبل منا وأن يفتحَ قلوبنا ، وأن يستعملنا بفضلِهِ سبحانه ولا يستبدلنا

آمين آمين

والحمدُ للهِ ربِّ العالمين .