فريد الأنصاري
06-18-2009, 01:47 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الرَّهَبُ الاجتماعي وقضايا الدعوة!
لقد قرأت سؤال أخينا سعد منذ الساعات الأولى من كتابته إياه.. لكنني أحببت أن آخذ مهلة أكبر للتفكير من جهة، وقلت: أنتظر ماذا تجود به قرائح الإخوة من الحكمة، من جهة ثانية. ولقد كتب الإخوة نصائح غالية بارك الله فيهم، أنا واحد ممن هو في حاجة إليها!
ولقد أحببت بعد ذلك أن أعقب بشيء في الموضوع؛ نظراً لأهميته، ونظراً لما هو واقع في أوساط كثير من الشباب، من عموم الابتلاء به! حتى صار هذا الإشكال – في قلوب الكثير من الناس - من أكبر المثبطات النفسية، ومن أخطر الموانع المرضية، الحاجزة لكثير من الطاقات المتميزة، والمواهب الناشئة، عن ممارسة العمل الدعوي، والاقتحام الاجتماعي! ومن هنا يكون الموضوع بالنسبة لي قضية دعوية كبرى تستحق التوقف الطويل!
كما أحببت أن أسهم فيه أيضا؛ بسبب ما صار للدجل الكلامي المسمى بالبرمجة العصبية اللغوية، من رواج في عقول الفاشلين والجاهلين!
وأهنئ أخانا سعداً على موقفه الواعي من هذا الدجل الكلامي البائر!
- أولا: أحب نقد مصطلح "الرِّهاب الاجتماعي" على المستوى اللغوي. ذلك أن عبارة "رِهَاب" غير صحيحة في هذا الاستعمال الجاري عند بعض الأطباء النفسانيين. وإنما هو الرَّهَبُ – بفتح الهاء، وبسكونها أيضا، لغتان – وهو الرَّهْبَاءُ أيضاً، والرَّهَبُوتُ، مثل رَحَمُوت. فالصواب هو أن نقول: الرَّهَبُ الاجتماعي، أو ما تختار من المصادر الصحيحة المذكورة مثل: الرَّهَبُوت الاجتماعي. وأما الرِّهَابُ: فإنما هو صيغة جمع لِرِقَاقِ النصال من السهام أو السيوف، مفردها: رَهْبٌ. وإذا فرضنا أنه قياس على مصدر المشاركة: "فِعَال" – وهو غير مسموع – مثل "قتال"، و"جهاد"؛ فإنه لا يسلم لغةً وعقلاً؛ لأن المشاركة تقتضي اشتراك طرفين في فعل واحد. أما الرَّهَبُ الاجتماعي فإنما هو وهم أصلاً! والمريض فيه ضحية فقط وليس بفاعل، وهو لا يُرْهِبُ أحداً ولا يحاول ذلك، كالمقاتل، والمناضل، والْمُشَارِبِ والْمُصَاحِبِ والْمُرَافِقِ، ونحوها، بل هو فريسة رَهَبِهِ الوهمي! فتصور المشاركة فيه ضرب من المحال!
(تنظر المادة اللغوية: "رهب"، في المصادر التالية: جمهرة اللغة، والمحيط في اللغة، والصحاح، ولسان العرب، والقاموس المحيط).
- ثانيا: إن غالبَ عُقَدِ الرَّهَبِ الاجتماعي ناشئة من سوء الظروف التربوية، التي نشأ فيها الإنسان طفلاً، كأن يكون قد خضع في طفولته لقمع شديد، وتحطيم لشخصيته من لدن أبويه، أو إخوته الكبار، أو غير ذلك، وعانى من كثرة التوبيخ ما أفقده الثقة في نفسه! وكذا إذا ابتلاه الله بمعلم تعيس، أو أستاذ سيء الحظ، يعامل تلاميذه بالتهديد، والترهيب، والتوبيخ الشديد، والسخرية القاتلة من الإجابات! ومعلوم أن السخرية بالتلميذ – حتى ولو أخطأ - من أخطر المدمرات لشخصيته! ولا يمارسها إلا معلم ظالم شقي، أو أستاذ أعمى الله بصيرته!
- ثالثا: إن هذا الذي ذكرته في سؤالك - أخي سعداً حسب عباراتك - ليس مرضا ولا رَهَباً! بل هو صفة إيجابية صحية كريمة! وبيان ذلك هو كما يلي:
إن مشكلتك - إن صح تسميتها مشكلة – ترجع إلى أمرين اثنين، وذلك حسب ما استنبطته من السؤال كما صغتَه أنت. وهما:
- الأولى: إنك شاب حيي، يغلبك الحياء. ورغم أنني ما رأيتك إلا مرة واحدة، فقد اكتشفت نور الحياء يتدفق من على جبينك! وهو مما يحمد في الإنسان. والحياء إذا غلب على صاحبه ربما جعله يستغلق بين يدي الناس. وقد كان عثمان - رضي الله عنه – يرتج عليه في خطبته - عند خلافته - بسبب حيائه الشديد. وهو الرجل الذي كانت تستحي منه الملائكة، كما ثبت في الحديث. وهو أمر يرجع أساسا إلى البيئة التي تربى فيها الإنسان، والمنبت الأسري المحافظ الذي نشأ فيه. ولك أن تتأمل هذا الحديث النبوي العجيب: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: (مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، يَقُولُ: إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِي حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ قَدْ أَضَرَّ بِكَ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – دَعْهُ! فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ!)(متفق عليه) وليس هو بنقص في الإيمان كما قد يُتوهم!
- الأمر الثاني: راجع إلى ما أشرت إليه من تكليفك – في إطار المهنة – بالتسويق، واستجلاب الزبناء.. نعم هذه مشكلة! لكن ليست مشكلة من حيث إنك شخص فاشل عاجز، كلا كلا! فما أنت بفاشل ولا أنت بعاجز، بل أنت مهندس! وما كان ينبغي لفاشل أو مضطرب أن يتخرج مهندسا!
إن المشكلة يا أخي هي في فساد المهمة التي كلفت بها! نعم إنني أنا شخصيا لو كلفت نقل الجبال لكان أهون علي من تكليفي بها! والسبب في ذلك أن "فن التسويق" المعتمد اليوم في البلاد العربية، أو هذا (الماركوتينج) وما يتفرع عنه، أو يدور في فلكه من وظائف إقناع الزبناء واستقطابهم، كله يقوم على منطق غربي ليبيرالي لا أخلاقي!
هذه هي المشكلة! وما هي في شخصية سعد ولا في إيمانه، بل أنا أجزم أن فشله في القيام بها هي من قوة إيمانه!
إن فن التسويق الغربي يقوم على فلسفة موت الأخلاق، وقتل النفس، ووطأ الكرامة! وممارسة شتى أنواع الخداع والحيل؛ لإيقاع الزبون في شَرَكِ الاستهلاك! نعم أنا أعلم أن إخواننا لا يمارسون ذلك بحمد الله، ولكن المشكلة أنهم بسبب عدم إذلال أنفسهم بين يدي الزبناء يفشلون في اكتسابهم! لقد اقتربت من بعض المشتغلين بمثل هذه الوظائف في مجالات شتى.. جاءني مرة شاب أنيق حرص على تنسيق ألوان ملابسه حتى صار كأنه لوحة فنية! واستأذن علي في مكتبي ثم سلم وجلس، وأخرج كتابا دليليا (كاطلوج)، وجعل يعرض علي بعض الكتب الضخمة في علوم شتى، منها ما هو دائرة معارف أسرية، ومنها ما كان في التفسير، كانت الصور ملتقطة للمجلدات بعناية فائقة! وتحدث المسكين بين يدي بلغة خطابية بئيسة.. كنت أرى العرق يتصبب من على جبينه، حتى بدأ يضبب عليه نظارته الأنيقة.. فأشفقت عليه جدا! لقد كان يعرض كتاب التفسير بنحو ثلاثة آلاف درهم! ونحن نشتريه في السوق بنحو خمسمائة درهم قد تزيد قليلا! ليست هذه هي المشكلة. وإنما المشكلة هي أنه جعل يقدم لي إقناعاته الوهمية بأهمية الكتاب، وهو لا يدري بأنني أدرى منه بذلك الكتاب! والكتاب قيم فعلا. لكن المشكلة أنه لم يذكر ضمن توهيماته التسويقية ولا عنصراً واحدا من عناصر قيمة الكتاب! لأنه ببساطة لم يقرأ الكتاب!
ولقد اقتربت جدا من بعض الإخوة المسؤولين عن وكالات بنكية عفا الله عنا وعنهم! ورأيت النفاق المقيت الذي يعاملون به الزبناء الأثرياء! وكان أحدهم يصرح لي به تصريحاً! وكنت أرى أحد المسؤولين يخرج إلى الزبناء المحتملين لإقناعهم بترحيل أموالهم إلى وكالته البنكية! إن المشكلة – بغض النظر عن الموقف الشرعي من ذلك كله – هو الطريقة التي يمارسها هؤلاء من التذلل والتحبب المقيت، وعرض الخدمات، وتعظيم قدر الزبون بشتى ألوان المديح، ومفاخر الألقاب! إنه نوع من التسول بما للكلمة من معنى! نعم التسول! وكفى بذلك مذلة لصاحبه!
ومرة قُدِّرَ لي أن أسمع امرأة شابة تقوم بهذه المهمة الدنيئة! وإنني والله لا أستطيع أن أصف أحوالها ولا أقوالها! وإنما أقول في شأنها كلمة واحدة: إنا لله وإنا إليه راجعون!
إن هذه الثقافة التجارية الغربية، هي ثقافة مستمدة من المنطق التجاري اليهودي! وهو منطق يجعل الأخلاق كلها في سلة واحدة، ثم يبيعها لأول زبون عابر بدولار واحد!
وأنا أعلم يقينا أن إخواننا لا يقعون في هذا أبدا ولا فيما يشبهه، ولكنهم إذ يكلفون بهذه المهام يتحملون ما لا يطيقون فعلا! فلا يمارسون منه إلا ما يرضي ضمائرهم فيعانون!
إن المسوِّق المسلم إذا سوَّق بضاعته، أو منتوج شركته؛ فإنما يسوقه بصدق وعزة وكرامة! وهو يعرض سلعته من خلال عقيدة الرزق في الإسلام! هذه العقيدة المطرودة – مع الأسف - من السوق العصرية طرداً! والمؤمن إذ يعرض منتوجه ليس هناك من يقف وراءه في الشركة، ينتظر نتيجة جولته عند الزبناء؛ ليحكم عليه بالنجاح أو الفشل! لأن الشركة الإسلامية إنما تسوق بضائعها تحت خيمة الأرزاق، تعامل موظفيها بمنطق أن الأرزاق من قدر الله! ومن خالف ذلك فقد حمل نفسه ما لا تطيق! وهذا هو مربط الفرس، ومدار الإشكال!
وهنا أقدم للإخوة حديثا نبويا حكيما في هذا المجال وغيره، هو حديث عظيم تشد إلى مثله الرحال! عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال: (لاَ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ! قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ: يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلاَءِ لِمَا لاَ يُطِيقُ!)(1) (1) رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. وصححه الألباني في تحقيق سننيهما، وفي الصحيحة، وصحيح الجامع.
إن التسويق في الإسلام علم له أصوله وقواعده، وله ضوابطه المتينة الشريفة الكريمة، قواعد وضوابط يُعبد بها الله، وتتزكى بها النفس المؤمنة وهي في سوقها مع زبائنها! وأصول ذلك كله مبثوثة في الكتاب والسنة، وقد دون الفقهاء من ذلك الشيء الكثير في قسم المعاملات من كتب الفقه. وبيان هذا يحتاج إلى بحث طويل!
لكن المشكلة أن السوق العالمية اليوم خاضعة لمنطق التسويق الغربي! وهو منطق على نقيض المنطق الإسامي تماما!
لطفاً.. تابع الإجابة في المشاركة التالية..
..............................
الرَّهَبُ الاجتماعي وقضايا الدعوة!
لقد قرأت سؤال أخينا سعد منذ الساعات الأولى من كتابته إياه.. لكنني أحببت أن آخذ مهلة أكبر للتفكير من جهة، وقلت: أنتظر ماذا تجود به قرائح الإخوة من الحكمة، من جهة ثانية. ولقد كتب الإخوة نصائح غالية بارك الله فيهم، أنا واحد ممن هو في حاجة إليها!
ولقد أحببت بعد ذلك أن أعقب بشيء في الموضوع؛ نظراً لأهميته، ونظراً لما هو واقع في أوساط كثير من الشباب، من عموم الابتلاء به! حتى صار هذا الإشكال – في قلوب الكثير من الناس - من أكبر المثبطات النفسية، ومن أخطر الموانع المرضية، الحاجزة لكثير من الطاقات المتميزة، والمواهب الناشئة، عن ممارسة العمل الدعوي، والاقتحام الاجتماعي! ومن هنا يكون الموضوع بالنسبة لي قضية دعوية كبرى تستحق التوقف الطويل!
كما أحببت أن أسهم فيه أيضا؛ بسبب ما صار للدجل الكلامي المسمى بالبرمجة العصبية اللغوية، من رواج في عقول الفاشلين والجاهلين!
وأهنئ أخانا سعداً على موقفه الواعي من هذا الدجل الكلامي البائر!
- أولا: أحب نقد مصطلح "الرِّهاب الاجتماعي" على المستوى اللغوي. ذلك أن عبارة "رِهَاب" غير صحيحة في هذا الاستعمال الجاري عند بعض الأطباء النفسانيين. وإنما هو الرَّهَبُ – بفتح الهاء، وبسكونها أيضا، لغتان – وهو الرَّهْبَاءُ أيضاً، والرَّهَبُوتُ، مثل رَحَمُوت. فالصواب هو أن نقول: الرَّهَبُ الاجتماعي، أو ما تختار من المصادر الصحيحة المذكورة مثل: الرَّهَبُوت الاجتماعي. وأما الرِّهَابُ: فإنما هو صيغة جمع لِرِقَاقِ النصال من السهام أو السيوف، مفردها: رَهْبٌ. وإذا فرضنا أنه قياس على مصدر المشاركة: "فِعَال" – وهو غير مسموع – مثل "قتال"، و"جهاد"؛ فإنه لا يسلم لغةً وعقلاً؛ لأن المشاركة تقتضي اشتراك طرفين في فعل واحد. أما الرَّهَبُ الاجتماعي فإنما هو وهم أصلاً! والمريض فيه ضحية فقط وليس بفاعل، وهو لا يُرْهِبُ أحداً ولا يحاول ذلك، كالمقاتل، والمناضل، والْمُشَارِبِ والْمُصَاحِبِ والْمُرَافِقِ، ونحوها، بل هو فريسة رَهَبِهِ الوهمي! فتصور المشاركة فيه ضرب من المحال!
(تنظر المادة اللغوية: "رهب"، في المصادر التالية: جمهرة اللغة، والمحيط في اللغة، والصحاح، ولسان العرب، والقاموس المحيط).
- ثانيا: إن غالبَ عُقَدِ الرَّهَبِ الاجتماعي ناشئة من سوء الظروف التربوية، التي نشأ فيها الإنسان طفلاً، كأن يكون قد خضع في طفولته لقمع شديد، وتحطيم لشخصيته من لدن أبويه، أو إخوته الكبار، أو غير ذلك، وعانى من كثرة التوبيخ ما أفقده الثقة في نفسه! وكذا إذا ابتلاه الله بمعلم تعيس، أو أستاذ سيء الحظ، يعامل تلاميذه بالتهديد، والترهيب، والتوبيخ الشديد، والسخرية القاتلة من الإجابات! ومعلوم أن السخرية بالتلميذ – حتى ولو أخطأ - من أخطر المدمرات لشخصيته! ولا يمارسها إلا معلم ظالم شقي، أو أستاذ أعمى الله بصيرته!
- ثالثا: إن هذا الذي ذكرته في سؤالك - أخي سعداً حسب عباراتك - ليس مرضا ولا رَهَباً! بل هو صفة إيجابية صحية كريمة! وبيان ذلك هو كما يلي:
إن مشكلتك - إن صح تسميتها مشكلة – ترجع إلى أمرين اثنين، وذلك حسب ما استنبطته من السؤال كما صغتَه أنت. وهما:
- الأولى: إنك شاب حيي، يغلبك الحياء. ورغم أنني ما رأيتك إلا مرة واحدة، فقد اكتشفت نور الحياء يتدفق من على جبينك! وهو مما يحمد في الإنسان. والحياء إذا غلب على صاحبه ربما جعله يستغلق بين يدي الناس. وقد كان عثمان - رضي الله عنه – يرتج عليه في خطبته - عند خلافته - بسبب حيائه الشديد. وهو الرجل الذي كانت تستحي منه الملائكة، كما ثبت في الحديث. وهو أمر يرجع أساسا إلى البيئة التي تربى فيها الإنسان، والمنبت الأسري المحافظ الذي نشأ فيه. ولك أن تتأمل هذا الحديث النبوي العجيب: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: (مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، يَقُولُ: إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِي حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ قَدْ أَضَرَّ بِكَ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – دَعْهُ! فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ!)(متفق عليه) وليس هو بنقص في الإيمان كما قد يُتوهم!
- الأمر الثاني: راجع إلى ما أشرت إليه من تكليفك – في إطار المهنة – بالتسويق، واستجلاب الزبناء.. نعم هذه مشكلة! لكن ليست مشكلة من حيث إنك شخص فاشل عاجز، كلا كلا! فما أنت بفاشل ولا أنت بعاجز، بل أنت مهندس! وما كان ينبغي لفاشل أو مضطرب أن يتخرج مهندسا!
إن المشكلة يا أخي هي في فساد المهمة التي كلفت بها! نعم إنني أنا شخصيا لو كلفت نقل الجبال لكان أهون علي من تكليفي بها! والسبب في ذلك أن "فن التسويق" المعتمد اليوم في البلاد العربية، أو هذا (الماركوتينج) وما يتفرع عنه، أو يدور في فلكه من وظائف إقناع الزبناء واستقطابهم، كله يقوم على منطق غربي ليبيرالي لا أخلاقي!
هذه هي المشكلة! وما هي في شخصية سعد ولا في إيمانه، بل أنا أجزم أن فشله في القيام بها هي من قوة إيمانه!
إن فن التسويق الغربي يقوم على فلسفة موت الأخلاق، وقتل النفس، ووطأ الكرامة! وممارسة شتى أنواع الخداع والحيل؛ لإيقاع الزبون في شَرَكِ الاستهلاك! نعم أنا أعلم أن إخواننا لا يمارسون ذلك بحمد الله، ولكن المشكلة أنهم بسبب عدم إذلال أنفسهم بين يدي الزبناء يفشلون في اكتسابهم! لقد اقتربت من بعض المشتغلين بمثل هذه الوظائف في مجالات شتى.. جاءني مرة شاب أنيق حرص على تنسيق ألوان ملابسه حتى صار كأنه لوحة فنية! واستأذن علي في مكتبي ثم سلم وجلس، وأخرج كتابا دليليا (كاطلوج)، وجعل يعرض علي بعض الكتب الضخمة في علوم شتى، منها ما هو دائرة معارف أسرية، ومنها ما كان في التفسير، كانت الصور ملتقطة للمجلدات بعناية فائقة! وتحدث المسكين بين يدي بلغة خطابية بئيسة.. كنت أرى العرق يتصبب من على جبينه، حتى بدأ يضبب عليه نظارته الأنيقة.. فأشفقت عليه جدا! لقد كان يعرض كتاب التفسير بنحو ثلاثة آلاف درهم! ونحن نشتريه في السوق بنحو خمسمائة درهم قد تزيد قليلا! ليست هذه هي المشكلة. وإنما المشكلة هي أنه جعل يقدم لي إقناعاته الوهمية بأهمية الكتاب، وهو لا يدري بأنني أدرى منه بذلك الكتاب! والكتاب قيم فعلا. لكن المشكلة أنه لم يذكر ضمن توهيماته التسويقية ولا عنصراً واحدا من عناصر قيمة الكتاب! لأنه ببساطة لم يقرأ الكتاب!
ولقد اقتربت جدا من بعض الإخوة المسؤولين عن وكالات بنكية عفا الله عنا وعنهم! ورأيت النفاق المقيت الذي يعاملون به الزبناء الأثرياء! وكان أحدهم يصرح لي به تصريحاً! وكنت أرى أحد المسؤولين يخرج إلى الزبناء المحتملين لإقناعهم بترحيل أموالهم إلى وكالته البنكية! إن المشكلة – بغض النظر عن الموقف الشرعي من ذلك كله – هو الطريقة التي يمارسها هؤلاء من التذلل والتحبب المقيت، وعرض الخدمات، وتعظيم قدر الزبون بشتى ألوان المديح، ومفاخر الألقاب! إنه نوع من التسول بما للكلمة من معنى! نعم التسول! وكفى بذلك مذلة لصاحبه!
ومرة قُدِّرَ لي أن أسمع امرأة شابة تقوم بهذه المهمة الدنيئة! وإنني والله لا أستطيع أن أصف أحوالها ولا أقوالها! وإنما أقول في شأنها كلمة واحدة: إنا لله وإنا إليه راجعون!
إن هذه الثقافة التجارية الغربية، هي ثقافة مستمدة من المنطق التجاري اليهودي! وهو منطق يجعل الأخلاق كلها في سلة واحدة، ثم يبيعها لأول زبون عابر بدولار واحد!
وأنا أعلم يقينا أن إخواننا لا يقعون في هذا أبدا ولا فيما يشبهه، ولكنهم إذ يكلفون بهذه المهام يتحملون ما لا يطيقون فعلا! فلا يمارسون منه إلا ما يرضي ضمائرهم فيعانون!
إن المسوِّق المسلم إذا سوَّق بضاعته، أو منتوج شركته؛ فإنما يسوقه بصدق وعزة وكرامة! وهو يعرض سلعته من خلال عقيدة الرزق في الإسلام! هذه العقيدة المطرودة – مع الأسف - من السوق العصرية طرداً! والمؤمن إذ يعرض منتوجه ليس هناك من يقف وراءه في الشركة، ينتظر نتيجة جولته عند الزبناء؛ ليحكم عليه بالنجاح أو الفشل! لأن الشركة الإسلامية إنما تسوق بضائعها تحت خيمة الأرزاق، تعامل موظفيها بمنطق أن الأرزاق من قدر الله! ومن خالف ذلك فقد حمل نفسه ما لا تطيق! وهذا هو مربط الفرس، ومدار الإشكال!
وهنا أقدم للإخوة حديثا نبويا حكيما في هذا المجال وغيره، هو حديث عظيم تشد إلى مثله الرحال! عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال: (لاَ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ! قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ: يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلاَءِ لِمَا لاَ يُطِيقُ!)(1) (1) رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. وصححه الألباني في تحقيق سننيهما، وفي الصحيحة، وصحيح الجامع.
إن التسويق في الإسلام علم له أصوله وقواعده، وله ضوابطه المتينة الشريفة الكريمة، قواعد وضوابط يُعبد بها الله، وتتزكى بها النفس المؤمنة وهي في سوقها مع زبائنها! وأصول ذلك كله مبثوثة في الكتاب والسنة، وقد دون الفقهاء من ذلك الشيء الكثير في قسم المعاملات من كتب الفقه. وبيان هذا يحتاج إلى بحث طويل!
لكن المشكلة أن السوق العالمية اليوم خاضعة لمنطق التسويق الغربي! وهو منطق على نقيض المنطق الإسامي تماما!
لطفاً.. تابع الإجابة في المشاركة التالية..
..............................