المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قوانين القرآن الكريم/الحلقة 29 والأخيرة/ قانون تفريج الكروب


عبد المجيد
02-03-2012, 05:09 PM
قوانين القرآن الكريم لخبير الجمال الدعوي الدكتور محمد راتب النابلسي
الحلقة 29 والأخيرة/ قانون تفريج الكروب
كروب المؤمن محطات تنقيته وتقويته وترقيته
... القانون اليوم قانون تفريج الكروب، وما أكثرها في العالم الإسلامي... ورد في كتاب عن خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم النص التالي "إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي."
.. المركبة، السيارة لماذا صنعت؟ صنعت من أجل أن تسير، ولماذا وضع فيها المكبح؟ والمكبح في أصل وظيفته يتناقض مع السير، ويوقف الحركة، هذا المكبح مع أنه يتناقض مع علة صنع السيارة، لكنه ضروري جدا لسلامة الركاب، وكذلك المصائب، نحن في دار ابتلاء، نحن في دار امتحان، نحن في دار فينا نوازع نحو الأرض، واتجاهات نحو السماء، فحينما يغفل الإنسان، قد يقع في خطأ، والخطأ ينبغي أن يعالج من قبل رب العالمين، وكلمة رب العالمين تعني التربية، فالله عز وجل يقول "ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون" السجدة/21 إذن طبيعة الحياة الدنيا فيها ابتلاء. الإمام الشافعي سئل: ندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين؟ تبسم وقال "لن تمكن حتى تبتلى" الله عز وجل يؤكد في بعض الآيات الكريمة أن هناك مصائب تصيب المؤمنين قال تعالى "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة" البقرة/154-155 هذه مصائب المؤمنين، مصائب دفع إلى باب الله، ومصائب رفع في مقامات المؤمن، هذه المصائب كلها خير، وقد عبر القرآن عنها فقال "وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة" لقمان/20 الباطنة هي المصائب التي تصيب المؤمنين كي تسوقهم إلى باب الله، وتحملهم على التوبة، وترقى بهم إلى أعلى مقامات، لكن مصائب الطرف الآخر، مصائب العصاة والمجرمين والفجار مصائب قصم، وإن كان في هذا الإنسان بقية خير مصائب ردع، أما مصائب الأنبياء مصائب كشف، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول "اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عونا لنا فيما تحب، وما زويت عنا مما نحب فاجعله فراغا لنا فيما تحب" هذه النصوص تؤكد حقيقة دقيقة، هي أن الدنيا مفعمة بالمصائب، بالأحزان، هكذا جعلها الله بهذه الطبيعة كي نسعى للآخرة، الله عز وجل يربينا في الدنيا، ويكرمنا في الآخرة.
... هناك نقطة دقيقة في الموضوع، أن الحظوظ، الحظوظ، ما الحظ؟ الوسامة حظ، الذكاء حظ، القوة حظ، العمر المديد حظ، أن هذه الحظوظ وزعها الله في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف يوزعها في الآخرة توزيع جزاء. قال تعالى "انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا" الإسراء/21 فالمؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام "عجبت لأمر المؤمن إن أمره كله خير إن أصابته سراء شكر فكان ذلك له خير، وإن أصابته ضراء صبر فكان ذلك له خير، وليس ذلك لغير المؤمن".
أين هو قانون تفريج الكروب؟ الدنيا دار ابتلاء وفيها مصائب، يصيب الله بهذه المصائب عباده المؤمنين، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول "أشد الناس بلاء الأنبياء وأنا أشدهم بلاء ثم الأمثل فالأمثل" شيء طبيعي جدا أن هناك مصائب في الدنيا، لأن الله رب العالمين يأخذ بيدنا إلى بابه، ويسوقنا إلى جنته، وقد قال عليه الصلاة والسلام "عجب ربكم من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل"
تقوى الرب تفريج للكرب
ولكن هذا المؤمن إذا وقع في إشكال، وقع في ألم، في حزن، في مصيبة، ماذا يفعل كي ينجو منها؟ هنا محور هذا اللقاء الطيب قانون تفريج الكروب... الله عز وجل يقول "ومن يتق الله يجعل له مخرجا" الطلاق/2 يعني الإنسان أحيانا يرى أن الأبواب قد غلقت كلها.. فيبحث عن مخرج نجاة، لذلك الآية تقول "ومن يتق الله يجعل له مخرجا" الطلاق/2 ولحكمة بالغة بالغة تغلق الأبواب أمام المؤمن أحيانا، ويفتح له باب السماء، هذا الباب فيه سعادته، وفيه سلامته، وفيه رقيه، لذلك قال تعالى "ومن يتق الله يجعل له مخرجا" الطلاق/2 وأنا أعتقد أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين".. لأن هذه المصائب يسوقها الله عز وجدل لحكمة بالغة، إذا دخلت إلى مسجد ورأيت فيه آلافا مؤلفة، اعلم علم اليقين أن معظم هؤلاء ساقهم الله إلى بابه بتدبير حكيم وتربية راقية، فكانت النتيجة أنهم اصطلحوا مع ربهم، وسلموا وسعدوا في الدنيا والآخرة، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام "عش ما شئت فإنك ميت، واحبب ما شئت فإنك مفارق، واعمل ما شئت فإنك مجزي به".
قانون تفريج الكروب في هذه الآية الدقيقة الجامعة المانعة.. هذه الآية "ومن يتق الله يجعل له مخرجا" الطلاق/2 لها سياق، لو نزعتها من سياقها أصبحت قانونا. في سياق آيات الطلاق يقول الله عز وجل "ومن يتق الله يجعل له مخرجا" الطلاق/2 أي من يتق الله بتطليق زوجته طلاقا سنيا صحيحا وفق توجيهات القرآن الكريم يجعل الله له مخرجا إلى إرجاعها، هذا المعنى السياقي، ولكن عظمة هذا القرآن أن كل آية إذا نزعت من سياقها كانت قانونا. مثلا من يتق الله في كسب ماله، يكسب المال الحلال، يجعل الله له مخرجا من إتلاف المال... من يتق الله في اختيار زوجته وفق منهج الله "عليكم بذات الدين" يجعل الله لم مخرجا من الشقاء الزوجي، من يتق الله في تربية أولاده تربية إسلامية صحيحة يجعل الله له مخرجا من عقوقهم، من يتق الله بالإيمان والتوحيد يجعل الله له مخرجا من الشرك. هذه الآية صدقوا.. زوال الكون أهون على الله من ألا تحقق نتائج هذه الآية، حينما تضيق
كن عن همومك معرضا *** وكل الأمور إلى القضا
وابشر بخير عاجل *** تنسى به ما قد مضى
فلرب أمر مسخط *** لك في عواقبه رضا
ولربما ضاق المضي- *** ق وربما اتسع الفضا
الله يفعل ما يشا *** ء فلا تكونن معرضا
الله عودك الجمي- *** -ل فقس على ما قد مضى
... "ومن يتق الله يجعل له مخرجا" الطلاق/2 .
العبادة مع الصبر تفريج العسر وسبيل النصر
قال تعالى "وقد مكروا مكرهم" الطرف الآخر "وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال" إبراهيم/46 إلهنا وربنا وخالقنا في قرآنه وفي كلامه، يبين أن مكر الطرف الآخر يزيل الجبال من مواقعها، ومع ذلك يطمئننا ويقول "وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا" آل عمران/120 إذن ما ساق الله لنا مصيبة إلا لمصلحتنا، إلا ليقربنا منه، إلا ليجمع كلمتنا، الله عز وجل لا يسمح لطاغية على الإطلاق أن يكون طاغية إلا ويوظف طغيانه لخدمة دينه والمؤمنين، بلا شعور وبلا إرادة، وبلا أجر وبلا ثواب، إذن كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
... الله عز وجل يعدنا قال "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني" النور/55 إذن نحن حينما نعبد الله عز وجل نستحق كل هذه الوعود التي يعد زوال الكون أهون على الله عز وجل من ألا تحقق، لذلك فلنستبشر ولنثق بربنا، وبهذا الدين العظيم "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين" آل عمران/139.
... الدنيا زائلة تغر وتضر وتمر، والآخرة باقية، فطوبى لمن ربح الآخرة، وذاق بعض المتاعب في الدنيا، فقد ورد في بعض الآثار القدسية "وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقما في جسده، أو إقتارا في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده حتى أبلغ منه مثل الدر، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه" فلذلك الإنسان حينما يربح الآخرة، ويربح جنة الله عز وجل يكون قد فاز فوزا عظيما "ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما" الأحزاب/71... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.