المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرسالة التاسعة للشيخ فريد الأنصاري: الفطرية: منهاج في الدين والدعوة


المدير العام
01-25-2010, 08:51 AM
الفطرية: منهاج في الدين والدعوة


الفِطْرَةُ – كما ستتبين بأدلتها – هي: ذلك السر الكامن في قلب الروح، إنها الجوهر المكنون للخلق الإنساني، والسر المصون للوجود البشري، فهي أم اللطائف، ومرجع الأسرار في المعنى الوجودي لحقيقة "الإنسان". بكمالها يكمل مفهوم الإنسان، وبنقصها ينقص معناه، وبانخرامها الكلي يخرج عن طبعه وحده إلى دَرَكِ المعنى البَهَمِيِّ لجنس الحيوان!

فأي مس لها وأي خدش يؤدي حتما إلى اضطراب – على قدر ذلك المس وذلك الخدش - في المعنى الوجودي للإنسان، وإلى تخبط نفساني واجتماعي؛ بما يفيض منها على وجوده الروحاني والجسماني من معاني الحياة! ذلك أنَّ لِجُرُوحِ الفطرة درجاتٍ، تماما كما لجروح الجسد، فخدش الجلد ليس كشق اللحم، ولا هذا ككسر العظم، ولا هو كبقر البطن أو طعن الصدر! فعلى قدر التغيير لطبيعتها يكون حجم الفساد في الأرض! إذ هي من أخص خصائص الصنع الإلهي، والتكوين الرباني للخَلْق البشري.

ولذلك كانت الفِطْرَةُ – بما هي "اسم هيأة" كما يقول النحاة - هي الصورة النفسانية الأولى التي خلق الله عليها الإنسان، بما سوَّاها عليه من توازن وكمال. أي قبل تدخل اليد البشرية العابثة فيها بالخرم والخدش.

ومن هنا كان تدخل الإنسان فيها بالتغيير والتبديل مغامرة خاسرة قطعا؛ لأنه تدخل فيما لا علم له به من أمر خلقه وماهية وجوده! ولذلك كان ممنوعا من مد يده الطائشة إلى صندوقها قصد محاولة العبث بسرها! إذ فساد شيء من حقيقتها لا يمكن تلافيه بأي إصلاح جهول من عنده، أو أي استدراك بليد من علمه! بل لا بد فيه من تدخل ثان لخالقها العظيم، الذي لا تعجزه الإعادة كما لم يعجزه البدء! ( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)(يس:79). فهو وحده - سبحانه - العليم بأسرارها، الخبير بطبيعة تركيبها. (ألاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ؟)(الملك: 14).

ذلك هو مقتضى البيان النبوي العميق من قوله صلى الله عليه وسلم : (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتِجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟)(متفق عليه، من رواية أبي هريرة مرفوعا. ) وفي رواية مسلم زيادة مهمة، نصها: (كَمَا تَنْتِجُونَ الْإِبِلَ فَهَلْ تَجِدُونَ فِيهَا جَدْعَاءَ حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا!) فتدبر! ما أعجبَ هذا الكلام النبوي العميق!

فلا يكون التدخل في هذا المعنى اللطيف الممنوع إذن، إلا هوى وضلالاً! ولذلك جعل الله الدين أساس الصيانة لهذا السر العجيب في معنى الوجود الإنساني. وهو مقتضَى هذا النص القرآني العظيم: ((بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَن اَضَلَّ اللهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ. فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا. لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ. ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ. وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ. مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ. وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ.))(الروم:29-31).

ففطرة الله التي فطر الناس عليها، هي صورة الروح المؤمنة، المجبولة على صفاء الإخلاص لله، بما هو رب العالمين، الخالق وحده لكل شيء، المستحق وحده للعبادة من دون كل شيء. من هنا يبدأ تصور معنى الفطرة فيتفرع بعد ذلك إلى كل أعمال الدين، سواء في ذلك ما كان من الروحانيات أو من الجسمانيات. لأن الدين هو المؤهل وحده على تحديد معنى الفطرة، وهو المؤهل وحده على صيانتها ورعايتها.

وأما مصطلح "الفِطْرِيَّةِ" فهو مصدر صناعي مأخوذ من الفطرة؛ للدلالة على معنى "المنهاج الفطري" في التزام الدين والدعوة.

وأما حَدُّهَا فهو:

إِقَامَةُ الوَجْهِ للِدِّينِ حَنِيفاً، خَالِصاً للهِ؛ وذلك بِمُكَابَدَةِ القُرْآنِ ومُجَاهَدَةِ النَّفْسِ بِهِ تَلَقِّيّاً وبَلاَغاً؛ قَصْدَ إِخْرَاجِهَا مِنْ تَشَوُّهَاتِ الْهَوَى إلَى هُدَى الدِّينِ الْقَيِّمِ؛ ومِنْ ظُلُمَاتِ الضَّلاَلِ إلَى نُورِ الْعِلْمِ بِاللهِ.

فبناء على هذا التعريف؛ تكون "الفِطْرِيَّةُ" بمثابة عملية إصلاحية وجدانية، تقوم أساسا على تصحيح ما فسد من فطرة الإنسان، المجبول أصلا على إخلاص التوحيد، وإصلاح ما أصابها من تشوهات تصورية وسلوكية، في شتى امتداداتها العمرانية.

ذلك مقتضى الآيات - عِبَارةً وإشارةً وسياقاً – مما أوردناه من سورة الروم، في مفهوم "فطرة الله".
ومن ثم فالفطريةُ دائرة من حيث المنهج على تلقي رسالات القرآن، من خلال تلقي آياته كلمةً كلمةً، ومكابدة حقائقه الإيمانية مَنْـزِلَةً مَنْـزِلَةً، إذ لا تَخَلُّقَ للنفس إلا بمعاناة! ولا تخلص لها من أهوائها إلا بمجاهدة! فالقرآن هو خطاب الفطرة، من حيث هي راجعة إلى "إقامة الوجه للدين"، (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا). وقد كان ذلك - منذ كان - بتلقي آيات القرآن، وما تجدد قط في التاريخ إلا بتجديد التلقي لها، بناءً وتربيةً وتثبيتاً، على مُكْثٍ من الزمان.

ذلك هو المنهج الدعوي الأصيل الذي يصرح به القرآن: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً)(الفرقان: 32). (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنـزِيلاً)(الإسراء: 106). وتلك هي الحكمة الأولى من تنجيم القرآن على مدى ثلاث وعشرين سنة!

ومن هنا كان مدار التربية الفِطْرِيَّةِ ومحورها الأساس، إنما هو كتاب الله جل علاه، إذْ هو كتاب الفطرة الذي عليه استقامت يوم قامت، وعليه يجب أن تستقيم كلما انحرف بها المسار. ولا يكون ذلك إلا بأن تستأنف تلقي حقائقه الإيمانية مرة أخرى، وتتغذَّى من روحه العظيم، تخلقا وتحققا، ثم تشتغل ببلاغ ما تلقته بالمنهج نفسه – أعني تخلقا وتحققا - أي بتلقين ذلك للآخرين عبر مجالس القرآن، التي هي المحاضن التربوية للفطرية، وأحد أهم مسالكها الإصلاحية.

إن حجم التشوهات الحاصلة في إنسان هذا العصر البئيس، وما عليه من انحرافات تمتد من العقائد والتصورات والمفاهيم، إلى الممارسات والتصرفات والأخلاق، وسائر ضروب الأذواق؛ لتنبئ عن عمق التشوه الذي أصابه في فطرته التي فطره الله عليها، بما هو إنسان!

إن خطورة التشوهات المعاصرة أنها قد عمت بها البلوى؛ بصورة توهم الأجيال أنها هي الوضع الطبيعي للإنسان! وأن الشذوذ والانحراف إنما هو في عكسها!

إن طبيعة المرض اليوم في الحياة الإسلامية العامة والخاصة، أعمق من أن تعالجه يد بشرية قاصرة، لا خبرة لها ولا اختصاص! إن اختلال سر الفطرة في الإنسان اليوم في حاجة ماسة إلى تدخل الرحمة الإلهية، بما تملك من معاني الربوبية وشؤونها العظمى، المحيطة بأسرار الملك والملكوت! فلا يستطيع إصلاح الفطرة البشرية اليوم، وإعادة تسويتها على أصل خلقتها، إلا الذي فطرها أول مرة! الرب العليم بطبيعة تكوينها، وخصائص تركيبها؛ بما خلق فيها من لطائف وأسرار! فهو وحده الخالق، وهو وحده من يملك حق الصيانة والرعاية. (اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)(الزمر: 62).

ومن هنا كان خطاب الوحي – بما هو خطاب الفطرة حقا - هو وحده المؤهل لإصلاح العطب الحاصل في محركات العمل الإسلامي المعاصر، والقادر على ترشيد السير وتصويب الاتجاه، وضبط بوصلة المقاصد والغايات، وإعادة ترتيب سلم الأولويات. كما أنه هو وحده المؤهَّل لإعادة تسوية ملامح الصورة الفطرية في النفس الإنسانية على العموم.

إن اشتغال العمل الإصلاحي بإعادة بناء العمران الروحي للفطرة الإنسانية، مؤد بالضرورة إلى إعادة تجديد العمران الاجتماعي والمادي للحياة الإنسانية برمتها! سياسةً واقتصاداً واجتماعاً. إذ ذلك هو المنهاج القرآني الذي سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم طيلة مدة بعثته الشاملة، بما استقرت عليه من كل وظائف النبوةِ، تلاوةً وتزكيةً وتعليماً.

فإذا صح للعمل الإسلامي هذا وجب أن يضبط الوسيلة الأساس، ألا وهي اعتماد خطاب الوحي لا غير، القرآن الكريم وبياناته النبوية. فالقرآن بما هو كلام رب العالمين، المنـزل لهذه الوظيفة أساسا، هو المؤهل وحده لإعادة بناء هذا النوع من الهدم والردم، الحاصل في الحياة البشرية اليوم، كما وصفنا وشخصنا. ولك أن تتدبر قوله تعالى في بيان طبيعة القرآن: (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً)(الفرقان:6). وقال في خصوص وظيفته: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً.)(الفرقان: 32-33).

فإذا صح الأمران معا – الهدف والوسيلة تشخيصا وعلاجا – ثم شرع أبناء الدعوة الإسلامية فعلا في تطبيق "المنهاج القرآني الفطري"، كانوا هم أول من يخضع لعملياته الجراحية، من حيث يشعرون أولا يشعرون؛ لأن الوحي لا يصل إلى الناس إلا بعد أن تشتعل بحرارته قلوبُ الدعاة إليه، وتلتهب هي ذاتها بحقائقه، وتتوهج بخطابه! فلا نور ولا اشتعال إلا باحتراق! ولك أن تتدبر معاناة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ومكابدته للقرآن العظيم كيف كانت! وليس عبثا أن يُرْسِلَ – صلى الله عليه وسلم - هذا الشعورَ العميقَ نفَساً لاهباً بين يدي أصحابه الكرام، قائلا لهم: (شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا!)(رواه الترمذي والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع. )

فشعور الداعية بأنه هو عينه قد صار موضوعا للإصلاح، لا آلة له فحسب، وبأن نفسه ذاتها قد صارت حديقة لمقص القرآن، يشتغل فيها بالتهذيب والتشذيب، وتربة لمائه الصافي الرقراق تتلقاه بشغف وشوق، ومصباحا لزيته الوهاج تحترق به مواجيدها توهجا واشتعالاً، كل ذلك علامة على أنه قد دخل في أول خطوات العمل الإسلامي السليم، وانخرط في مسلك السير الفعلي إلى الله، عبدا لله أولا، ثم داعيا إليه بصدقٍ، جل علاه. ذلك هو الحق إن شاء الله، وإلاًّ (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ؟)(يونس:32).

فقضية الفطرة إذن، هي قضية الدين في هذا العصر، وهي قضية الإنسان. ومن هنا كانت الفِطْرِيَّةُ مشروعا دعويا قائما على هذا المعنى، يحمل رسالته التربوية هدفاً ووسيلةً.


محبكم فريد الأنصاري

سعد
01-29-2010, 09:57 AM
السلام عليكم و رحمة الله،

هنالك بعض النقاط المتفرقة التي أشارت إليها كلمة الشيخ رحمه الله و التي تستحق التأمل..

أولا، فإنه لا يستطيع أحد أن يزعم أنه قد أحاط بتركيبته النفسية الداخلية. بل الواقع يشهد أن الإنسان كلما ازداد توغلا في خبايا نفسه إلا و ازدادت أبواب المجهول أمامه. و هذا يرجع إلى أن العقل الذي يُحَلِّلٌ به هو أيضا جزء من النفس، و لا يمكن للجزء أن يحيط علما بالكل. و لذلك احتاج الإنسان إلى تدخل خارجي ـ من عليم خبير ـ يرشده إلى مكامن القوة و الضعف في نفسه. و هذه وظيفة الوحي : "قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات و الأرض" (الفرقان).

ثانيا : فقد خلق الله سبحانه و تعالى الإنسانَ على نحو عجيب معجز. حيث جمع فيه الخصائص الحيوية الرئيسية للكائنات الأخرى، حتى كأنه نموذج مصغر للكون كله.
من أجل ذلك كان كل نصر يحرزه الإنسان على نفسه، هو في الحقيقة تمهيد لنصر مماثل في العالم المحيط. و بقدر تخلق الإنسان بالوحي في خاصة نفسه، بقدر ما يكون مؤهلا لأن يبث حقائق الوحي في العالمين.

و أخيرا : فإن "الفطرية" هي عودة بالإنسان إلى أصله و إلى الهدف الذي خلق من أجله. فالفطرية عبودية قبل أن تكون فكرا، و هي سبيلُ نجاة للفرد قبل أن تكون مشروعا جماعيا. فلا تجعل المصطلحات حجابا بينك و بين الحقائق. فكل من أخذ الدين ببساطة و عمق فهو على الفطرية. و قد تجد من يحدثك عن الفطرية صباح مساء و هي منه براء.

و الله تعالى أعلم.

أمين
01-29-2010, 03:31 PM
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته


ربما هذه الرسالة تمثل خلاصة مشروع الشيخ فريد الأنصاري رحمه الله

وخلاصة سنوات عديــــدة من البحث عن الطريق والمجاهدة والمكابدة

وها هي النتيجة تصلنا بين أيدينا بضغطة على الزر فقط!!


فلتقرأ السطور، ولتدرك المعاني، فالقضية مصيرية جدااا !!


خالق الكون كله، الله سبحانه وتعالى، العليم بكل شيء والمدبر لكل شيء

يخاطبنا في كتابه سبحانه، ويرينا طريق النجاة وطريق التمكين

(بالتعبير القرآني : الصراط المستقيم)

ويعطينا كل المناهج والسنن لكي نعيش أحسن حياة يعيشها الإنسان،

بسعادة ونعيم ما بعده نعيم، ونظفر بجنة الدنيا والآخرة


وفي ظل ذلك


نرى مخلوقا ضعيـــفا من مخلوقاته يصر على أن يحكم عقله وهواه في كل شيء

حتى " في طريقه لطاعة الله "، فيسطر مناهجه بعقله، ويعيش حياته يتخبط هنا وهناك

بين ما تملي عليه نفسه، وهو يظن أنه بذلك يتقرب من الله تعالى!!!

فيقضي السنوات تلو السنوات وهو لا زال في مكانه، وفي الأخير تجده -إن قام بوقفة-

يقول: لماذا ذلك؟؟ ولماذا لا أحس بتغيير في نفسي وفي الآخرين ؟؟

وتجده في كثير من الأحيان يحكم عقله حتى في الإجابة على هذا السؤال

...


حقيقة حينما ينظر الإنسان لهذه الحقيقة يحس بالاستغراب من هذا المخلوق الضعيف

ويقول سبحان الله يا له من مخلوق جاهل!!


لكن هي الحقيقة التي نعيشها أنا وأنت!! ولا زلنا نصر عليها كي لا نجاهد أنفسنا

وكي لا نحترق (فيظهر النور فينا)!! نحب أن نركن إلى الدنيا وإلى أنفسنا وإلى الشيطان

واهمين بأننا سنرتاح، ونحن في الحقيقة نشقي أنفسنا سنوات وسنوات من دون جدوى


لا سبيل للتغلب على هذا الإشكال الذي نعاني منه إلا بالحل نفسه :

الرجوع لله، والتمسك بكتابه والعظ عليه بالنواجد في كل وقت وحين

فذلك طريق النجاة وذلك الصراط المستقيم وبه نعز أو نذل


فلنصبر كما صبر شيخنا، ولنلازم كتاب الله كي لا نضل أبدا

وكي نسلك به الطريق المختصر نحو الفردوس


فاللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه

واجعلنا من أهل القرآن، المتخلقين بأخلاقه


والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

فارس
01-29-2010, 08:21 PM
إن الوضع البئيس و الأزمة العامة التي تعيشها أمتنا على جميع المستويات ؛ الإجتماعية منها و الإقتصادية و الفكرية و الروحية ، تحتاج منا إلى قراءة فاحصة لتشخيص أمراضنا. و هنا تفرّق الناس فرقا شتى في محاولة يائسة إلى تضميض الواقع بمضمضات لا تعدو أن تكون مُسكّنات لآلامنا لا تنفذ إلى عمق الإشكال ، و السبب جلي كالشمس في رابعة النهار و هو أننا أصبحنا نتسول على موائد الغير في تَبَيّن مشاكلنا فنستورد بذلك تفسيرات مضللة لواقعنا لدسّ السبب الرئيس وراء الإنحطاط المفزع الذي آلت إليه أمتنا . و من هنا يأتي هذا منهاج " الفطرية" ، و لا مشاحة في الإصطلاح، و أنا أتفق مع ما قاله بعض الإخوة أن الأهم من هذا كله هو مضمون المنهاج لا اللباس المصطلحي الذي يغطيه، فبعض أحبتنا يقفون عند المصطلحات فيضربون صفحا عن المضمون، و البعض يهتف بتلك المصطلحات دون أن يتّسم بمعالمها.
قلت : إن الآلة إذا تعطّلت وجب الرجوع بها إلى صانعها ، فالفطرة البشرية بصفتها جوهر الإنسان في خلقته ، قد يعلوها غبار الشهوات و الشبهات ، خصوصا في زمان عجّت فيه ريح سموم من الأفكار المسفّة المضللة و الأخلاق المنحطّة ، ما تذر من فطرة أتت عليها إلا سوّدت صفائحها بمداد التسفل و الإلتصاق بتراب الأرض.
لا بد إذن من عرض صفحات قلوبنا على كلام الله بصفته كلام الخبير بمكامن الفطرة البشرية ، لأنه يخاطب الفطرة ، فما الكفر إلا تغطية و تغشية لهذه الفطرة كما تدل عليه الدلالة اللغوية ، و لذلك حدثنا كلام الله أن هذه الفطرة قد تخترق كل تلك الحجب أحيانا لتنطق بما برمجها الله عليه عند الشدائد :" فإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين".
فكلام الله نور كشاف لحقائق النفس يفضح أسرارها و ينبئها بمعايبها ، فما بقي للمرء إلا سبيلان : إما التدسية، و هي أن يغطي النفس بتلك الذنوب و يتحاشى كل نقد للذات ، و إما التزكية و هي محاولة لتطهير النفس من تلك الذنوب . و أضرب لذلك مثالا ، هب أن بين يديك طاولة عليها وسخ ، فما الوسيلة إلى التخلص من ذلك الوسخ يا ترى ؟ هناك طريق التدسية و هو أن تغطي الطاولة بغطاء يستر عورتها فتظهر للناس في أحلى صورها ، لكنها صورة مغشوشة ، لأنها ببساطة صورة الغطاء لا المغطّى، و تلكم علاقة الظاهر بالباطن . أما طريق التزكية فمعناها أن تعمد إلى مطهرات لتنقي الطاولة من أصل وسخها ، و إن عمدت إلى غطاء جميل فليكن كذلك ، لكن ليس على حساب أصل الوسخ نفسه. نسأل الله أن يطهر قلوبنا و يرحم ضعفنا و ينفعنا و يرفعنا بالقرآن العظيم. آمين

أمين
01-30-2010, 09:41 AM
نفع الله بك أخي فارس .. مداخلة قيمة حقا

رزقني الله وإياك الإخلاص في القول والعمل

فارس
01-30-2010, 01:50 PM
إن الفطرة التي بين جنبينا باعتبارها جوهرا للروح تُعتبر "أمانة" , سلّمنا الله إياها نقية صافية ، هب أن أحدا سلمك سيارة، فإنه من مقتضيات الأمانة :
ـ أنها ليست تمليكا
ـ أنت مأمور بإرجاعها
ـ لكن بإرجاعها سالمة ، فإن أرجعتها ناقصة ، فقد ضيعت الأمانة بقدر ما خرمت منها.
لكن الله جل و علا لسبق علمه بأن هذه الفطرة ستحتكّ بدولاب الحياة ، كما يطرأ للصخور من عوامل الحت ، لذلك أرسل إلينا مطهرات يومية لصيانة هذه الفطرة ، و لإصلاحها و عنايتها.
وما أجمل ذلك الموقف الذي ذكره الله تعالى من شأن تلك الفطرة السوية حينما تأتي الملائكة لتستلم الأمانة نقية كأطيب ريح : " فروح و ريحان و جنة نعيم". فالفطرة علاوة على أنها تنظف فإنها تعطّر بأجمل عطر إنه " عطر القرآن"، و تلك منزلة لسنا من أهلها. هب أنك تلبس لباسا رثا باليا ، فما الأولى إذن أن تنظف ثيابك أولا أم أن تعطرها ؟!
فأول مقام هو استعمال القرآن كمنظف لهذه الفطرة ، فحين تصفو النفس هناك يتحول القرآن إلى عطر جميل لهذه الفطرة ، جعلنا الله و إياكم من أهل القرآن الذين هم أهلك و خاصتك. آمين

أيوب
02-05-2010, 10:52 PM
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
جزاكم الله خيرا أيها الإخوة الفضلاء على هذه المداخلات القيمة التي أجدتم فيها و أفدتم ، نسأل الله أن يرزقنا جميعا الإخلاص التام له وحده ، والاستمرار في هذا العمل ، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها و إن قل.
الفطرة ، الشكل الذي خلق الله عليه الإنسان لأول مرة ، و لن يستطيع الإنسان تغييره مهما حاول ، و إنما يقوم الإنسان كأقصى ما يمكنه القيام به ، بتغليفها لا غير ، وبتغليف قلبه عن إبصارها لا غير ، و ذلك بكثرة الذنوب و بالغفلة عن الله ، هذا في أوساط المسلمين ، أما في غيرهم فيكون ذلك بالكفر الصراح و تحدي الخالق و العياذ بالله ، وما كل ذلك إلا أغلفة تحجب نور الحق ولا تطفؤه ، " يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم ، والله متم نوره ولو كره الكافرون " ، فهم يريدون ، ولكن لا يستطيعون ، لأن إرادة الله سبقت ، ولأن حكم الله سبق ، " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها ، لا تبديل لخلق الله ، ذلك الدين القيم ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون " ، فلا تبديل لخلق الله ، مهما حاول الإنسان ، و هذا هو الدين القيم بالفطرة السوية ، و لكن هذه الفطرة تتغلف ، فكيف السبيل إلى تنظيفها ؟ القرآن الكريم ، و عندما نرجع إلى القرآن ، ما هو الحل الذي يقترحه علينا ؟ مباشرة بعد هذه الآية المباركة ، يرشدنا إلى الحل ، و هو الإنابة و التقوى ، والإنابة هي الرجوع إلى الله السريع " و خر راكعا و أناب " بسرعة ، لا يحتمل الابتعاد عن باب الله ولو للحظة ، فيخر المرء منيبا بعد كل ذنب لربه، تماما كما في الآية : " منيبين إليه و اتقوه ، و أقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين ، من الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعا ، كل حزب بما لديهم فرحون " ،
فالمراحل العملية إذن لتنظيف ثوب الفطرة ، تجمعها هذه الآية من كتاب الله :
1 - الإنابة و الرجوع السريع إلى الله .
2 - التقوى ما أمكن ، بالابتعاد عن الذنوب ما أمكن ، و إن وقع الإنسان في الذنب فليعد عبر بوابة الإنابة و التوبة.
3 - إقامة الصلاة و الحفاظ عليها ، لأنها بمثابة الوادي في باب أحدنا الذي ينظف ثوب فطرته خمس مرات في اليوم على الأقل.
4 - التوحيد و الإخلاص لله ، والوحدة و اجتناب الفرقة بما يشمل ذلك من حسن الخلق و الاتحاد و الحب في الله : " ولا تكونوا من المشركين ، من الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعا ، كل حزب بما لديهم فرحون "
هذا كان هكذا بعجالة ، ولكن الأمر لا يزال محتاجا للدرس و التنقيب في هذه الآية ، و هذه مفتوح لكل واحد منا لمن أراد أن ينظف ثوب فطرته فعلا و بعناية، فهذا هو الحل المقترح من القرآن الكريم ، ولكن ، هل من عامل بهذا الحل، هذا هو السؤال المؤرق ، الذي يحرجنا مع أنفسنا ، و قبل ذلك مع ربنا ، فلنترجم أحبتي في الله هذا التنظير إلى عمل ، و إلى تقوى عسانا نكون من المتخلقين بأخلاق القرآن الكريم.
نسأل الله أن ينفعنا و أن يبصرنا بأنواره و أنوار القرآن الكريم ، و أن يرزقنا الإخلاص و السداد في القول و العمل، والسلام عليكم ورحمة الله و بركاته.