المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عن الاستاد فريد رحمه الله


ابو علي
04-12-2010, 03:40 PM
http://www.chihab.net/images/topics/tardjamat.jpg (http://www.chihab.net/modules.php?name=News&new_topic=12)
إلى روح عاشق القرآن
الدكتور فريد الأنصاري - رحمه الله-
د. يحي رمضان
حين يبكي الرجالُ الرجالَ يدرك العاقلون فداحة المصيبة، ويشعر المبصرون بحجم الخسارة، ويوقن المحبون بثقل المسؤولية وهول الفراغ الذي تركه الفقيد.
عم المكانَ رهبةٌ موحشة، وسكنت الأرواح و الأجساد إلا من زفرات وتنهيدات تغالب عبرات حرّى تفضح هوى مكتوما. وخيم على الكون حينها صمت رهيب لا تقطعه إلا دعوات خاشعة لرجل كان كل ما فيه يدعوك للخشوع هو الآن مسجى يغادر عالما كان يريده أحلى ، ويودع كونا كان يرجوه أكثر صلاة وأبهى.


رجل لكنه لا ككل الرجال، بل هو أمة في رجل، تنفس بأنفاسها وحمل همها وهو لا يزال فتى، واكتوى بعذاباتها وتجرع آلامها مع كل إطلالة صباح وغروب شمس حتى اشتعل الرأس شيبا قبل الأوان.
و في سبيل خدمتها سلك كل الدروب ونحا كل المسالك وسخّر كل المواهب والقدرات فكان – رحمة ربي عليه- السياسي المناضل، والإعلامي الساخر، وكان الأديب الشاعر، والمبدع الروائي، والخطيب البليغ، وكان الأستاذ المعلم، والباحث الأصولي المدقق، وكان تتويجا لكل ذلك العالم الرباني والشيخَ المربي. أ هو رجل ككل الرجال؟ !
و لأنه رجل ليس ككل الرجال فقد كان طموحه لا حد له، وكانت سماه فوق كل سماء، وكان أفقُه أبعد من كل أفق. لقد كان الصفاءَ الذي لا يقبل بغير البياض بديلا وكان هواه متمنعا جفولا، ولذلك لم تعجبه ساحة، ولا أراحه منزل، فتنقل بين المساكن ولم يجد له بعد طول الطواف، وكثرة العناء ونفاذ الزاد غير القرآن مسكنا وسكَنا. فطلّق في سبيله أو يكاد كل ما عداه، ولزم مائدته يرتشف من رحيق ما هوى فرأى من عجائب ربه ما رأى، منها ما دوَّن ومنها ما أخفى ومنها ما روى.
وإذا كان الأنصاري فريد قد اتخذ الفن (شعرا ورواية) أول بدء المسير مركبا نحو ما يريد فقد أصبح الفن بعد ولهه بالقرآن صدى مترنما شفافا على تموجات أنوار آيات الفرقان ولسانا صادحا بمباهج لذّات لغته المعجزة. فدار كل شيء في الأنصاري حول القرآن.
لقد كانت سن الأربعين علامة فارقة في حياة الرجل زاد فيها إحساسه بالموت ومن ثم الخوف مما بعدها على نفس منوال الصالحين من السلف والتابعين'' لقد أيقظ هذا البرزخ الزمني الرهيب - يقول الأنصاري على لسان صاحبه النورسي وما كان في حقيقة الأمر إلا عن نفسه مفصحا - أيقظ في قلبي شعورا قويا بالموت! وإحساسا بالفناء! صحيح أن الأربعين هي لحظة القوة والشدة من عمر الإنسان، ولكن أليست هي لحظة البدء أيضا لخطوة الانكسار من مخطط عمره المحدود؟ أليست هي بدء العد العكسي في اتجاه النهاية؟ تلك هي القضية إذن! وذلك هو الأرق الشديد الذي داهمني فجأة، ثم لازمني ليلا ونهارا .. فمن يخلصني؟''(1)
ولم يكن له من خلاص غير عقْد جديد تتصالح فيه نفس شفافة لا تقبل بغير الكمال مقاما ولا ترضى بغير الجمال مرتعا ومجالا، فكان ما كان مما تذكرون، من ''الفرقان''(2) ومن ''الأخطاء الستة''(3) وما تعدّون : ''أدركت لحظتها - يقول الأنصاري على لسان صاحبه النورسي وما كان هنا أيضا إلا عن نفسه معبرا - أن شخصا ما في وجودي الباطني قد مات وأنني بصدد استقبال شخص آخر في عمري! أواه يا ولدي لقد مات (4) فريد القديم !
ومن لحظتها كان عليه أن يختار بين ما كان و ما سيكون فاختار عن ''توحيد''(5) الأحبة والصحاب توحيد القبلة وما كان توحيدها -كما رأى- إلا بالقرآن.أو ليس القرآن كما يقول'' أسمى مرشد وأقدس أستاذ على الإطلاق ؟!''(6) لقد وجدتُ القرآن فوجدتُ فريد الجديد هذا حال قوله. ومن ثم بدأت مجالس القرآن تَتْرى مجلسا بعد مجلس، وكلما زادت التلاوة استبد الهوى بعاشق القرآن وكلما استحكم العشق أسرع الخطى نحو عالم ''الفطرية'' عالما خاليا -كما تصوره - من كل التحيزات، أحزابا وجماعات، عالما يعيش فيه الإنسان على فطرته التي فطره الله عليها، وحيث لا تعني الفطرة شيئا آخر غير أن يكون الإنسان كما أراد له خالقه يوم أن خلقه إنسانا مستخلفا، بما هو الاستحلاف عبودية مطلقة لله وحرية مطلقة في مواجهة غير الإنسان الإنسان ، طاغية متألها كان أو قوى غاشمة مستكبرة. وبما هو الاستخلاف مسؤولية مُلزَمة بالسؤال والجواب. وكم كان الأنصاري - تغمده الله برحمته – يخشى السؤال ممن وحده يملك حق السؤال حين لا سائل غيره . وكم كان يخشى أن يكون ممن قال فيهم ربهم: ((قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً؟ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً!))(الكهف: 99). خوفه من الموت ورعبه من سوء العاقبة جعله يكون حاسما حد القسوة على الذات وعلى الآخرين من الصحاب الذي اعتبرهم دوما وعلى الرغم من كل ما جرى الأفاضل والأحبة الكرام، وإن شئت فاسمعه يخاطب أقرب الناس إلى قلبه صاحبُه ومخالفُه الدكتور أحمد الريسوني والذي ما انفك يخاطبه خطاب المتأدبين الصالحين: يا سيدي أحمد ...
''بدأت أشاهد معاينةً أنَّ سفينة العمر إنما تتقدم بي نحو الآخرة! وانتصب سيف الآية الكريمة يقصم قلبي ليل نهار: ((قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً؟ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً!))(الكهف: 99) . وأتحدث بهذا عن نفسي فقط! ثم اتَّبَعْتُ سبباً، فأجريتُ عمليات جراحية عميقة على نفسي؛ لاستئصال أورامها الخبيثة! وما زلتُ! فَمَنَّ الله بعد ذلك باجتهادات أخرى في الدعوة والعمل، وباختيارات أخرى في الفكر والممارسة، وبطريقة أخرى في التصريف والتدبير. وقد صدر شيء من ذلك في بعض كتبي، وستصدر تتماته في ورقات أخرى لاحقا إن شاء الله. وإنما الموفق من وفقه الله.''(7)
على مشارف الأربعين وخلالها إذن ما كان للأنصاري أن يكون إلا ما أراد أن يكون وما أراد أن يكون غير العاشق الولهان بالقرآن ، العاشق المتوحد و الموحِّد'' ومنذ ذلك اليوم أقبلت على القرآن تلاوة لا تنقطع، وتدبرا لا يمل ولا يكل فلم أزل به معتصما ! أستمد منه حقائق الإيمان، وأقرأ به أحوال الزمان و المكان، وأرقب من خلاله مشاهد صيرورة الكون والحياة والإنسان''(8) . في هذه المرحلة كان المرض الذي أصاب الفقيد ولازمه لفترة ليست بالقصيرة يزداد عليه وطأة، فما شكا، ولا استمد العون من غير مولاه الذي زادت علاقته به توطيدا أكثر من أي وقت مضى فأصبح الشوق إليه احتراقا، وأصبح كلامه بلسما و سلاما، فغرق الرجل في بحر لذات القرآن إلى أن أسلم الروح على موائده قبل أن يكمل سنوات عقد الأربعين، فطوبى للصالحين! وألحقنا به مسلمين. والصبر والسلوان لأهله الطيبين. آمين.

(1) فريد الأنصاري، رواية آخر الفرسان، دار النيل للطباعة، القاهرة،2006، ط،1،ص،126.
(2) مجلة أصدرها الأنصاري، وخصها بالقرآن لا غير.
(3) كتاب نشره الأنصاري في نصح الحركة الإسلامية، وجر عليه كثيرا من المتاعب والمعاناة.
(4) فريد الأنصاري، رواية آخر الفرسان ،ص،127.
(5) حركته السابقة التوحيد والإصلاح.
(6) المرجع نفسه،ص،130.
(7) من رده على الدكتور أحمد الريسوني الذي نشر بجريدة المساء المغربية في ثلاث حلقات.
(8) فريد الأنصاري، رواية آخر الفرسان، 130.

أيوب
04-13-2010, 01:31 AM
رحم الله حبيبنا رحمة واسعة، وجعلنا جميعا حمال رسالة القرآن من بعده.
وجزاك الله خيرا أخي على هذا التذكير بحياة شيخنا رحمه الله، الذي أوقد فينا شعورا مختلطا بين الحنين إلى أيام الشيخ المؤنسة، و ثقل المسؤولية الملقاة على كاهل كل من أراد شق الطريق عبر منهج القرآن الكريم؛ كما أَشْعَلْتَ فينا كذلك أخي روح الحماس الضروري للنهوض بهذا المشروع التجديدي القيم، فجُزِيت كل خير. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو ياسين
04-13-2010, 05:00 PM
اللهم تغمد أستاذنا فريدا بواسع رحمته ووفقنا للتلاوة والترتيل واجعلنا من المبصرين ولاتحرمنا من لذة الاحتراق بنور القرآن الكريم.فيا نفسي الامارة ........ارجعي الى كتاب ربك راضية مرضية وادخلي في بحر القرآن اغتسلي من درنك اغترفي تزودي فمن ذا قدير على انقاذك غير القرآن؟هو حبل الله الممدود من السماء الى الارض.فيا نفسي المريضة اعتصمي بهذا الحبل وكفى به سببا لمن أراد سببا.