مشاهدة النسخة كاملة : د. فريد الأنصاري: الرسالة الثالثة: إِنَّهُ وَحْيٌ.. فَتَعَرَّضُوا لَه!
المدير العام
05-24-2009, 12:24 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الرسالة الثالثة
إِنَّهُ وَحْيٌ.. فَتَعَرَّضُوا لَه!
سألني بعضُ الْمَشُوقِينَ بنور القرآن قال:
هذا كتاب الله بين أيدينا، فكيف نقتبس نوره؟ كيف نتلقَّى رسالاته؟ كيف نشعر بوقع كلماته في قلوبنا؟ كيف نكتشف ذلك النور الذي تتحدث عنه الآيات؟ وكيف نتلقى ذلك الروح الذي تفيض به الكلمات؟ ماذا نصنع حتى نتفاعل مع القرآن كما تفاعل معه جيل الصحابة الكرام، ومَنْ سار على أشواقهم من الصديقين والشهداء والصالحين عبر التاريخ؟
أوليس هذا القرآن نفسه هو الذي تخرجت به هذه الأمة؟
قلت: بلى!
إلا أن المشكلة اليوم هي أننا نقرأ القرآن على أنه مجرد مصحف لا روح فيه! صحيح أننا نؤمن أنه نزل في يوم ما من السماء، وأن الرسول - عليه الصلاة والسلام - تلقاه عن ربه رسالةً إلى العالمين كافة.. تلك عقيدة لا يصح إيمان المسلم إلا بها. نعم، ولكن المشكلة هي أن الشعور بهذه الحقيقة العظيمة اليومَ شعورٌ ميت لا حياة فيه! لأننا في الغالب نربطه بالتاريخ الذي كان فقط، وكأن الطبيعة التنـزيلية للقرآن شيء كان وانتهى، ولا معنى له اليوم في حياتنا المعاصرة! إنه في مخيلتنا العامة أشبه ما يكون بحجر أو نَيْزَكٍ سقط يوما ما من نجمٍ مُذَنَّبٍ عابر في السماء، فكان أولَّ سقوطه حاميا ملتهبا! لكنه لم يزل يبرد شيئا فشيئا حتى خَفَتَ، ثم انطفأت جمرته فصار حجراً كأي حجر! وأقصى ما ينتبه إليه الناس اليوم هو أنه حجر له قصة، وهي: أنه نزل في يوم ما من السماء.. وهنا ينتهي الأمر! فإذا فزعنا إلى التفاسير والدراسات القرآنية؛ وجدناها في الغالب تحاول تحليل طبيعته على المستوى الشكلي، فتدرس المكونات اللغوية والبلاغية والطبقات الدلالية لهذه الآية أو تلك، وكأنها مجرد معاجم للمعاني ليس إلا! تماما كما يدرس الجيولوجيون مكونات الحجر المعدنية، وطبيعتها، وتاريخها، ومستويات بريقها واختلاف ألوانها وأحجامها.. إلخ. هكذا نتعامل مع القرآن في كثير من الأحيان.
إن ذلك كله شيء مهم.. ولكنه لا يرتقي بالتعامل مع كتاب الله من مستوى "المصحفية" إلى مستوى "القرآنية"!
إن أهم فصل في تعريف القرآن المجيد هو أنه: "كلام الله رب العالمين!"
وما كان لكلام الحي الذي لا يموت أن يبلى أو يموت! ولكن الذي يموت هو شعورنا نحن! والذي يبلى هو إيماننا نحن! أما الوحي فهو عين الحياة! وحقيقة "الوحي" هي أول صفة يجب أن نتلقى بها القرآن الكريم، وهي أهم جوهر يجب أن ننظر من خلاله إلى كلماته؛ بما هي كلمات الله رب العالمين!
ذلك أن كلام الله لا يتنـزل على الرسل إلا وحيا.. قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ)(الشورى: 51).
وهذا شيء مهم جدّاً! فكون القرآن "وَحْياً" هو المعراج الرئيس الذي به يرتقي القارئ له إلى سماء القرآنية! إنه المصطلح المفتاح الذي به يكتشف طبيعة القرآن، ويبصر نوره، ويتلقى حقائقه الإيمانية ورسالاته الربانية، ويشاهد شلالات الجمال والجلال، حية متدفقة من منابع القرآن!
إن كون القرآن "وَحْياً" ليس معنى تاريخيا فحسب؛ بل هو معنى مصاحب لطبيعته أبداً! بمعنى أن صلة القرآن بالسماء هي صلة أبدية..! إن المشكلة هي أننا عندما نقرأ القرآن نربط الوحي فيه بذلك الماضي الذي كان! بينما الوحي نور حاضرٌ، وروح حي، يتدفق الآن في كل آيات القرآن، وينبع من تحت كل كلماته، شلالاتٍ من كوثر ثَجَّاجٍ!
لقد قُبِضَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فانقطع الوحي التاريخي، أي انقطع فعل التنـزيل الذي كان في الزمان والمكان، بواسطة الملاك جبريل عليه السلام. ولكن بقي الوحي القرآني، أو الوحي/القرآن! والوحي هنا صفة اسمية من أسماء القرآن المجيد، قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ!)(الأنبياء: 45) وقال سبحانه: (إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)(النجم: 4). وقد قال أبو بكر لزيد بن ثابت رضي الله عنهما: (إِنَّكَ شَابٌّ عَاقِلٌ لاَ نَتَّهِمُكَ، قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ لِرَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْوَحْيَ، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ!)(1) وإنما سمي القرآن "وَحْياً" لأنه نزل كذلك، قال تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)(الأنعام: 19).
فالوحي – كما ترى - له دلالتان: الوحي الحَدَثُ، أي النـزول الخفي من السماء، وهو سبب النبوة، وهو الذي انقطع. والوحي الصفة، وهو لا ينقطع أبداً. وعليه سمي هذا القرآن المجيد "وَحْياً". فالمعنى الأول مصدري، أي أنه مصدر لفعل "وَحَى، يَحِي وَحْياً" ويقال "أوحى" أيضا كما هو في القرآن الكريم. وأما المعنى الثاني فهو "الوحي" بالمعنى الاسمي لا المصدري، أي بما هو اسم من أسماء القرآن، وصفة من صفاته الجوهرية الثابتة. وهو معنى متولد من المعنى الأول؛ فلأن القرآن نزل وحيا من الله؛ صارت له تلك الصفة فسُمي: "وَحْياً"، وأصبح هذا اللفظ اسماً عَلَماً على كتاب الله تعالى. فلك أنت تقول: القرآن هو الوحي، والوحي هو القرآن. والآيات المذكورة قبلُ دالة على هذا.
قال الإمام الطبري رحمه الله: (أما "الوَحْيُ"، فهو: الواقع من الْمُوحِي إلى الْمُوحَى إليه، ولذلك سَمَّتِ العربُ الْخَطَّ والكِتَابَ "وَحْياً"؛ لأنه واقعٌ فيما كُتِبَ، ثَابِتٌ فيه.)(2) وعلى هذا جرت معاجم اللغة. قال صاحب الصحاح: (الْوَحْيُ: الكتابُ، وجمعه وُحِيٌّ. والوَحْيُ أيضاً: الإشارة، والكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفيُّ، وكلُّ ما ألقيته إلى غيرك. يقال: وَحَيْتُ إليه الكلامَ وأوْحَيْتُ، وهو: أن تكلِّمه بكلامٍ تخفيه.)(3) وفي اللسان: (والوَحْيُ: المكتوبُ، والكِتَابُ أَيضاً. وعلى ذلك جمعوا فقالوا: وُحِيٌّ، مِثْلُ حَلْيٍ وحُلِيٍّ.)(4)
وقد يقول قائل هذه حقائق بَدَهِيَّةٌ فَلِمَ العَنَاءُ؟ أقول: نعم؛ ولكننا ننساها فنضل الطريق إلى القرآن!.. وإنما مشكلة أجيالنا المعاصرة أنها أضاعت بَدَهِيَّاتِهَا! حتى صرنا في حاجة إلى إعادة تقرير معنى "الدين" نفسه!(5)
نعم! إن تَلَقِّي القرآن بوصفه "وَحْياً" هو المفتاح الأساس لاكتشاف كنوزه الروحية، والتخلق بحقائقه الإيمانية العظمى!
المدير العام
05-24-2009, 12:30 AM
النور.. تلك هي طبيعة الوحي وصِبْغَتُهُ، وصفته الثابتة للقرآن، حقيقة جوهرية لا تنفك عنه.. والنور روحٌ، لكنه روحٌ يسري في كلمات القرآن بخفاء، وإنما المؤمنون وحدهم يبصرون جداوله الرقراقة، وهي تتدفق بالجمال والجلال!
ولكن كيف يكون هذا؟
لنعد إلى مثال النجم المذنَّب!.. إن ذلك النَّيْزَكَ الناري الواقع من السماء إلى الأرض، ما يزال يحتفظ بأسرار العالم الخارجي الذي قَدِمَ منه! إنه فِهْرِسْتٌ مكنون، لو تدبرته لوجدته يكتنـز خريطةَ الكون كله! ويحتفظ من الأسرار ما عجزت عن إدراكه أحدث مراصد الفلك، وأعقد معادلات الرياضيات، وأحدث نظريات الفيزياء!.. إنه لم يفقد حرارته ولا طاقته قط! وإنما حُجِبَ لهيبُه رحمةً بالناس، وتيسيراً لهم، وتشجيعا للسائرين في الظلمات على حمل قنديله الوهاج، والقبض عليه بأصابع غير مرتعشة، بل على احتضانه وضمه إلى القلب، نوراً متوهجاً بين الجوانح!
إن مَثَلَ القرآن ومَثَلَ الناس في هذا الزمان، هو كثلاثة مسافرين تَاهُوا في الصحراء بليل مظلم! صحارى وظلمات لا أول لها ولا آخر..! فبينما هم كذلك إذ شاهدوا في السماء نجماً مُذَنَّباً لاَهِباً، لم يزل يخرق ظلمات الأفق بنوره العظيم، حتى ارتطم بالأرض! فافترقوا ثلاثتهم إزاءه على ثلاثة مواقف:
فأما أحدهما فلم يُعِرْ لتلك الظاهرة اهتماماً، بل رآها مجرد حركة من حركات الطبيعة العشوائية! وأما الآخران فقد هرعا إلى موقع النَّيْزَكِ فالتقطا أحجارة المتناثرة هنا وهناك.. وكانا في تعاملهما مع تلك الأحجار الكريمة على مذهبين:
فأما أحدهما فقد أُعْجِبَ بالحجر؛ لِمَا وجد فيه من جمال وألوان ذات بريق، وقال في نفسه: لعله يستأنس به في وحشة هذه الطريق المظلمة، ثم دسه في جرابه وانتهى الأمر!
وأما الآخر فقد انبهر كصديقه بجمال الحجر الغريب! وجعل يقلبه في يده، ويقول في نفسه: لا بد أن يكون هذا المعدن النفيس القادم من عالم الغيب يحمل سِرّاً! لا يجوز أن يكون وقوعه على الأرض بهذه الصورة الرهيبة عبثاً! كلاَّ كلاَّ! لا بد أن في الأمر حكمةً ما! ثم جعل يفرك حجراً منه بحجر، حتى تطاير من بين معادنه الشَّرَر..! وانبهر الرجل لذلك؛ فازداد فركاً للحجر، فازداد بذلك تَوَهُّجُ الشَّرَرِ.. وجعلت حرارة معدنه تشتد شيئاً فشيئاً؛ حتى وجد ألم ذلك بين كفيه! بل جعلت الحرارة الشديدة تسري بكل أطراف جسمه، وجعل الألم يعتصر قلبَه، ويرفع من وتيرة نبضه..! لكنه صبر وصابر، فقد كان قلبه - رغم الإحساس بالألم والمعاناة - يشعر بسعادة غامرة، ولذة روحية لا توصف!.. وما هي إلا لحظات حتى تحول الحجر الكريم بين يديه إلى مشكاة من نور عظيم! ثم امتد النور منها إلى ذاته، حتى صار كل جسمه سَبِيكَةً من نور، وكأنه ثريا حطت سُرُجَهَا ومصابيحَها على الأرض! وجعل شعاع النور يفيض من قلبه الملتهب فيعلو في الفضاء، ويعلو، ثم يعلو، حتى اتصل بالسماء!..
كان الرجل يتتبع ببصره المبهور حبل النور المتصاعد من ذاته نحو السماء، حتى إذا اتصل بالأفق الأعلى تراءت له خارطة الطريق في الصحراء! واضحة جلية، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك! ووقع في قلبه من الفرح الشديد ما جعله يصرخ وينادي صاحبيه معاً: أخويَّ العزيزين!.. هَلُمَّا إِليَّ!.. إِليَّ! لقد وجدت خارطة الطريق!.. لقد من الله علينا بالفرج..! أخويَّ العزيزين!.. اُنْظُرَا اُنْظُرَا!.. هذا مسلك الخروج من الظلمات إلى النور! شَاهِدُوا شُعَاعَ النورِ المتدفق من السماء.. إنه يشير بوضوح إلى قبلة النجاة!.. فالنجاةَ النجاةَ!
أما الذي احتفظ بقطعة من الحجر في جرابه فلم يتردد في اتباع صاحبه والاقتداء بهديه؛ لأنه كان يؤمن بأن لهذا المعدن الكريم سِراًّ! ولقد أبصر شعاعه ببصيرة صاحبه، لا ببصيرة نفسه!
وأما الأول الذي لم ير في النجم الواقع على الأرض شيئا ذا بال؛ فإنه رغم نداء صاحبه له لم يبصر شيئاً من أمر الشعاع المتدفق بالهدى! لقد كان محجوبا باعتقاده الفاسد، فلم تَعْكِسْ مِرْآةُ قلبِه الصَّدِئَةُ نوراً! ولذلك لم يصدق من نداء صاحب النور شيئاً من كلامه، بل اتهمه بالجنون والهذيان! ومضى وحده يخبط في الصحراء، ضارباً في تيه الظلمات! (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ!)(النور: 40)
ثم انطلق الرجلان المهتديان يسيران في طريق النور.. وإنما هما تابع ومتبوع، فالمتبوع داعية يرى بنور الله.. ويسير على بصيرة من ربه؛ بما كابد من نار الحجر وشاهد من نوره! والثاني مؤمن بالنور مصدق بدعوة صاحبه، يسير على خطاه وهديه.. ولكنه يكابد في سيره عثرات من حين لآخر وهَنَاتٍ؛ وذلك بسبب ما يلقي إليه الشيطان من وساوس ومخاوف! وليس لديه ما يدفع به كيد الشيطان إلا ما يتلقى عن صاحبه!
وبينما هما كذلك يسيران مطمئنين في طريقهما، إذْ سأل الرجلُ التابعُ صاحبَه المتبوع فقال: أناشدك الله أن تخبرني كيف اكتشفت سر النور في هذا الحجر الكريم!
لكن صاحب النور وجد أن اللغة عاجزة عن بيان حقيقة النور لصاحبه، فما كان منه إلا أن دس قطعة من الحجر الذي كان بين يديه في كف السائل؛ فصرخ الرجل من شدة حر الحجر الكريم والتهابه! وجعل يقلبه بين يديه ثم ألقاه بسرعة في كفه صاحبه! لكن صاحب النور قبض عليه بيد ثابتة مطمئنة! فعجب منه رفيقه وقال: إنما أنت قابض على الجمر!
قال: نعم، هو كذلك! إنه القبض على الجمر! لكن لذة الروح بما يشاهد القلب من نور، وبما يجد من سعادة غامرة؛ ترفع عن الجسد الشعور بالألم، وتمنع حدوث الاحتراق! وإن نار الشوق والإيمان لهي أقوى ألف مرة ومرة من نار الكفر والفسوق والعصيان! ولو وقعت الأولى على الثانية؛ لجعلتها سلاماً وأماناً على قلب العبد المؤمن! (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ! قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ! وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ!)(الأنبياء: 68- 70)
نعم يا رفيقي في طريق النور! إن مكابدة القرآن في زمان الفتن، والصبر على جمره اللاَّهِبِ في ظلمات المحن؛ تلقيّاً، وتزكيةً، وتدارساً، وسيراً به إلى الله في خلوات الليل؛ هو وحده الكفيل بإشعال مشكاته، واكتشاف أسرار وحيه، والارتواء من جداول روحه، والتطهر بشلال نوره.. النور المتدفق بالحياة على قلوب المحبين، فيضاً ربانيا نازلاً من هناك، من عند الرحمن، الملك الكريم الوهاب!
فتدبر يا صاح هذا المشهد القرآني الجليل! في بيان حقيقة تَلَقِّي محمد - صلى الله عليه وسلم - للوحي عن الملَك العظيم جبريل عليه السلام، حيث تلقَّى عنه ما تلقَّى من قرآن كريم، وحياً من الله رب العرش العظيم، وشاهدَ ما شاهدَ خِلاَلَ ذلك من حقائق إيمانية، ومنازل روحانية، ضاربة في عمق الغيب الأعلى! (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى. مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى. وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى. ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى. أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى. وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى. مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى. لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى.)(النجم: 1- 18)
المدير العام
05-24-2009, 12:33 AM
ذلك هو القرآن الوحي! إنه حجر كريم، بل إنه نجم عظيم وقع على الأرض! ولم يزل معدنه النفيس يشتعل بين يدي كل من فركه بقلبه، وكابده بروحه، تخلقاً وتحققاً! حتى يرتفع شعاعُه عاليا، عاليا في السماء، دالا على مصدره وأصله، هناك بموقعه الأعلى في مقام اللوح المحفوظ! ومشيراً مِنْ عَلُ ببرقه العظيم إلى باب الخروج..! فهنيئاً لمن تمسك بحبله، واتصل قلبُه بتياره، وتزود من رقراق أسراره، ثم مشى على الأرض في أمان أنواره!
نعم! ذلك هو القرآن الوحي، الذي يصل قارئَه وَحْياً بملأ السماء مباشرةً.. من أول كلمة يقرؤها! فإذا به يطل على عالم الشهادة من شرفات عالم الغيب! بصائر قرآنية واضحة ومشاهدات، لا يضام في حقائقها شيئاً! بصائر ومشاهدات لا تلبيس فيها ولا تدليس، ولا خرافة ولا تخرصات! وإنما هو نور الفرقان! قال جل جلاله: (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ!)(الأنعام: 104) وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ!)(الأنفال: 29)
نعم! ذلك هو القرآن الوحي!.. فمن يفرك جمره؟ ومن يقتبس من حر آياته نورَه؟ فعسى أن يترقى في معراجه إلى مقام الروح الأعلى! وعساه يكون بذلك من المبصرين؛ فيشاهد خارطة الطريق..!
أيها القابضون على الجمر..!
أيها المراقبون لنيزك السماء..!
إنه وَحْيٌ.. فَتَعَرَّضُوا لَهُ!
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ!)(آل عمران: 200).
ذلك، وإنما الموفَّق من وفقه الله..!
محبكم: فريد الأنصاري
ـــــــــانتهى.
____________________________
هوامش:
(1) رواه البخاري.
(2) عند تفسير قوله تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ..) (آل عمران: 44).
(3) الصحاح: مادة "وحي".
(4) لسان العرب: مادة "وحي".
(5) ن. تقرير مفهوم "الدين" في كتاب الفطرية: 96.
(6) متفق عليه.
(7) رواه مسلم.
(8) رواه مسلم.
(9) لسان العرب: مادة "وحي".
(10) لسان العرب: مادة "وحى". وتمام الآية المذكورة في النص: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ!)( الأنعام: 112).
ــــــــــــانتهى.
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، ربنا إننا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
اللهم آمين ، اللهم آمين ، اللهم آمين .
بسم الله الرحمن الرحيم.
يا الله! إن قصة النيزك هذه ترعش القلب. ما أصدقها في التعبير عن الطريق..
نعم ها هو النيزك أمامنا.. إنه في هذا الرف أمامي و أمامك الآن، لكن القبض عليه صعب.. اليد ترتعش رغما عنها.
لكن إلى متى نعيش في الظلمات؟؟ فلنمسك الجمر بقوة، و ليحدث ما يحدث. لن يخيبنا الله، أليس كذلك؟!
اللهم يسر علينا حمل رسالات القرآن.. يا رب.
علال ابن الشرق
05-24-2009, 02:49 PM
اشترى مصحفا جديدا..تصفح أوراقه الزاهية بخفة معهودة..وضعه في الرف بعد أن قبله بسذاجة..ثم طفق ينفض عنه الغبار بانتظام..
خادم القرآن
05-24-2009, 04:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
صدقت أخي سعد.. فلنقبض على الجمر..! وليحدث ما يحدث! ولن يحدث إلا الخير إن شاء الله..
أليس كذلك؟
بلى يا سعد بلى ...!!
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
جزاك الله عنا خيرا يا أستاذ، كلمات وجدت مكانها في القلب، و هذا إن دل على شيء إنما يدل على كونها نابعة من قلب اشتعل بالقرآن فأنار له الطريق، و فتح الله له به إبصارات عظيمات فأبصر بنور الله، و ضرب لنا مثالا لم نسمع مثله إلا في كتب الأوائل من العلماء الربانيين ، أنار لنا به الطريق كل الإنارة، فكان بذلك بمثابة المشتعل بالنيزك القابض على الجمر ، نسأل الله أن يجعلنا مثله قابضين، أو على الأقل متبعين للقابض
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
رجــــــــــاء
05-26-2009, 11:52 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته
نعم أخي سعد، نعم !!!! فلنمسك عليه بقوة بل فلنقبض عليه بأصابع غير مرتعشة، و لنحتضنه ونضمه إلى القلب الحزين التائه، نوراً متوهجاً بين الجوانح!
و لن يحدث إلا الخير و كل الخير بإذن الله، و لن يخيبنا ربنا، لأنه يعلم أن نار الشوق والإيمان لهي أقوى ألف مرة ومرة من نار الكفر والفسوق والعصيان! فهنيئاً لمن تمسك بحبله، واتصل قلبُه بتياره، ثم مشى على الأرض في أمان أنواره.
وياله من إحساس بالأمان !!!!!
الله أكبر كبيرا و الحمد لله كثيرا و سبحان الله بكرة و أصيلا
خادم القرآن
05-29-2009, 10:59 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
نعم كلنا يحب أن يقرأ القرآن باعتباره وحيا.. ولكن كيف؟
ما معنى أن يفرك الإنسان جمر القرآن؟
ما هي الوسائل العملية لتطبيق هذا الكلام؟
أرجو من الإخوة التكرم بالإجابة..
بسم الله الرحمن الرحيم.
ما معنى أن يفرك الإنسان جمر القرآن؟
أخي "خادم القرآن" : نحن جميعا نتلمس هذه الطريق : تظهر لنا أحيانا قبسات من نار ثم لا تلبث أن تنطفئ و نعود إلى الظلمات. و ربما يكون من بين هذه القبسات : ما نستشعره كلنا من إبصار و مشاهدة للآيات خلال تراويح رمضان بلغنا الله إياه. هل حدث لك مرة و أنت في الركعة الخامسة أو السادسة، و الإمام مستغرق في قصة يوسف عليه السلام مثلا، أن أحسست و كأنك تشاهد "فيلما"؟ . بل تكون الصور في بعض الأحيان أكثر وضوحا، لدرجة أنك ترى نفسك من خلال شخصية "البطل"، يوسف عليه السلام؟ فربما هذا هو عين الإبصار! و لعله من أثر نزول "الروح" -الذي هو صفة الوحي- على القلب.
و لكن هذا لا نكاد نحس به إلا في رمضان! أي عندما نقبل على القرآن باعتباره وحيا من الله..و أيضا عندما نقبل على القرآن وحده و نترك ما سواه. فعندئذ فقط يفتح علينا من كنوزه.
فهل نستطيع أن نستشعر هذا الإبصار و هذه الروح طيلة أيام السنة؟ ذلك عين التحدي، و ذلك القبض على الجمر حقا.
ثم لاحظ معي أخي ما يلي : أننا نستثقل القرآن في بداية صلاة التراويح. و لكن مكابدته تثمر بإذن الله استحلاء سماعه و التلذذ بإبصار آياته. ألا ترى معي أن الناس -في ليلة السابع و العشرين مثلا- يصلون الساعات الطوال دون إحساس بالتعب؟ و لو طلب منهم الوقوف طيلة تلك المدة انتظارا للحافلة لما استطاعوا. فهذا -ربما- بعض ما قصده الأستاذ من : لكن لذة الروح بما يشاهد القلب من نور، وبما يجد من سعادة غامرة؛ ترفع عن الجسد الشعور بالألم، وتمنع حدوث الاحتراق!
و الله أعلم.
الدكالي محمد
06-01-2009, 12:34 AM
[=الدكالي محمد;0]بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا وعلى آله وصحبه ،
1-القرآن الكريم مفتاح مغاليق الفطرة
_____________________
نعم إن القرآن الكريم هو أفضل مفتاح لمغاليق الفطرة البشرية، لأنها من صنع الله – والقرآن كلام الله ، ولا تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله ؛ ولا تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يخرج من يده - سبحانه عز وجل - وقد جعل في منهجه وحده مفاتيح كل مغلق ، وشفاء كل داء: ( ) وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ( ) (( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) ( )
2-من العلوم التي تبين إعجاز القرآن الكريم علم البيان والمعاني
علماء التفسير قديما وحديثا استعانوا ( بعلمي البيان والمعاني ) لأنهما الوسيلة الفاعلة لإظهار خصائص الإعجاز البلاغي القرآن الكريم ، وما تشتمل عليه الآيات من تفاصيل المعاني ، وإظهار وجه الإعجاز البياني ، فقد كان هذان العلمان يسميان في القديم علم دلائل الإعجاز، قال جار الله الزمخشري في تفسيره الكشاف : ( علم التفسير الذي لا يتم لتعاطيه وإجالة النظر فيه كل ذي علم ، فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام ، والمتكلم وإن بز الدنيا في صناعة الكلام ، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القرية أحفظ ، والواعظ وإن كان من الحسن البصري أوعظ ، والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه ، واللغوي وإن علك اللغات بقوة لحييه ، لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق ، ولا يغوص على شئ من تلك الحقائق ، إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن وهما علما البيان والمعاني ( )
3-اختلاف أفهام المفسرين رحمة وتنويرا للبصائر والأفهام
اختلف علماء التفسير في كثير من المعاني القرآنية ولكن عند التتبع والاستقراء
نجد أن هذا الاختلاف يتلخص في أن كل مفسر قال في معنى الآية بما ظهر له منها باستنباطاته الخاصة ، بناء على تكوينه العلمي، ثم ما فتح الله عليه من مكنون سره ، وهنا يذكر بماجاء في صحيح الإمام البخاري عن أبي جحيفة قال
( قلت لعلي : هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله ؟ قال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن ( ) وقد دعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لعبد الله بن عباس فقال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل( ) واتفق العلماء على أن المراد بالتأويل تأويل القرآن ،
هنا سؤال يطرح بعنوان ( هل كثرة القراءة بلا تفهم أنفع ، أم التفهم أنفع وإن كان مع قلة القراءة ؟
قال الإمام محمد الطاهر بن عاشور ( لقد ذكر فقهاؤنا في آداب قراءة القرآن أن التفهم مع قلة القراءة أفضل من كثرة القراءة بلا تفهم ، واحتج بما ذكره حجة الإسلام الغزالي فقال: ( قال الغزالي في الإحياء التدبر في قراءته ، وإعادة النظر في الآية والتفهم أن يستوضح من كل آية ما يليق بها كي تتكشف له من الأسرار معان مكنونة لا تتكشف إلا للموفقين ( )
4-الصبر أساس التكوين
ولابد من الصبر والجد والاجتهاد ، كي يتمكن طالب العلم من تفسير القرآن الكريم ، ومعرفة أحكامه ومعانيه ، فقد كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم كذلك ، فمثلا سورة البقرة لَكَثْرَة أَحْكَامهَا وَمَوَاعِظهَا . تَعَلَّمَهَا عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِفِقْهِهَا وَمَا تَحْتَوِي عَلَيْهِ من كثرة الحكم والمعاني ، فِي اِثْنَتَيْ عَشْرَة سَنَة , وَابْنه عَبْد اللَّه فِي ثَمَانِي سِنِينَ . قَالَ الإمام اِبْن الْعَرَبِيّ المعافري رحمه الله : سَمِعْت بَعْض أَشْيَاخِي يَقُول عن سورة البقرة : فِيهَا أَلْف أَمْر، وَأَلْف نَهْي ، وَأَلْف حُكْم ، وَأَلْف خَبَر، ( ) وَبَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا وَهُمْ ذوُو عَدَد فقَدَّمَ عَلَيْهِمْ أَحْدَثهمْ سِنًّا لِحِفْظِهِ سُورَة الْبَقَرَة , وَقَالَ لَهُ :
( اِذْهَبْ فَأَنْتَ أَمِيرهمْ )( ) ثم إن التكوين والتعمق في فهم مقاصد القرآن يتطلب منا أن نطلع على فنونه الكثيرة ،وأن نفهم مغازيه البعيدة المدى المترامية الأطراف ، فهي موزعة على آياته الجليلة العظيمة ، فالأحكام مبينة في آيات الأحكام ، والآداب في آياتها ، والقصص في مواقعها ، وهكذا ( )
5-من مقاصد الشريعة النهي عن التعمق في التفسير وتبسيطه وتقريبه من أفهام الناس جميعا
قال الإمام الشاطبي : ( التعمق في البحث وطلب ما لا يشترك الجمهور في فهمه ، خروج عن مقتضى وضع الشريعة الأمية ، فإنه ربما جمحت النفس إلى طلب ما لا يطلب منها ، فوقعت في ظلمة لا انفكاك لها منها ، ولله در القائل ( وللعقول قوى تستن دون مدى ، إن تعد تها ظهرت فيها اضطرابات) ( ) والإمام الشاطبي هنا يقصد أن يؤخذ فهم الشريعة على قدر فهم الأميين، وكل تكليف فيها يؤخذ على هذا الأساس ، ولا يذهب به إلى أبعد من ذلك، وأن ما لا يدخل تحت قدرة الأميين العقلية في فهمه ولا تحت قدرتهم البدنية في امتثاله والعمل به؛ لا يمكن أن يكون داخلاً في الشريعة، وكذلك لا يحتاج في فهمها وتعرف أوامرها ونواهيها إلى التغلغل في العلوم الكونية والرياضية،
6-أمر البشرية مرهون برد قفل الفطرة إلى صانعه
واعجبا لهذه البشرية المتعبة والمنهكة ، والتي أسقطت حساب الآخرة من قاموسها ، وركنت إلى الدنيا ( فيصدق فيها قول الحق عز وجل ) إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون ( 7 ) أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون ( 8 ) ) ( ) هذه البشرية التي لا تريد أن ترد القفل إلى صانعه ، ولا أن تذهب بالمريض إلى مبدعه وخالقه ، ولا تسلك في أمر نفسها ، وفي أمر إنسانيتها ، وفي أمر سعادتها أو شقوتها . . ما تعودت أن تسلكه في أمرالأجهزة والآلات المادية الزهيدة التي تستخدمها في حاجاتها اليومية الصغيرة ( ) وهي تعلم أنها تستدعي لإصلاح الجهاز مهندس المصنع الذي صنع الجهاز . ولكنها لا تطبق هذه القاعدة على الإنسان نفسه ، فترده إلى المصنع الذي منه خرج ، ولا أن تستفتي المبدع الذي أنشأ هذا الجهاز العجيب ، الجهاز الإنساني العظيم الكريم الدقيق اللطيف ، الذي لا يعلم مساربه ومداخله إلا الذي أبدعه وأنشأه:
( إنه عليم بذات الصدور،ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) ( )ومن هنا جاء ضلال البشرية ، وجاءت شقوتها وحيرتها ، فالبشرية. المسكينة الحائرة ، التي لن تجد الرشد ، ولن تجد الهدى ، ولن تجد الراحة ، ولن تجد السعادة ، إلا حين ترد الفطرة البشرية إلى صانعها الكبير ، كما ترد الجهاز الزهيد إلى الشركة التي صنعت الجهاز ، أو بتعبير أدق إلى صانع الجهاز الصغير ( )
أسال الله تعالى ، أن يوفقنا جميعا لما يحب ويرضى ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
_______________________________
) في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب 1 / 32
) الإسراء الآية 82
) االإسراء الآية 9
) التحرير والتنوير للإمام محمد الطاهر بن عاشور ج / 1 / ص 32
) البخاري ج / 3 ص [ : 1110
)مسند الإمام أحمد المجلد الأول، مسند عبد الله بن عباس
التحرير والتنوير 1/ 37
) الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي ج / 1 ص 160
( صحيح مسلم ج1/ص549 برقم 798.
التحرير والتنوير ج / ص 30
) الموافقات للإمام الشاطبي 2 / 23
) سورة يونس 7 و8
في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب ج / 1 / 32
) سورة الملك 14 و14
) في ظلال القرآن الأستاذ سيد قطب ج / ص 33 بتصرف[/quote]
بسم الله الرحمان الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
القرآن كلام الرحمان، و من خصائصه التي اختصه بها الله جل و علا، أنك كلما قرأته بنية التدبر فتح الله لك به من المعاني ما لم يكن قد فتحه لك قبل، فتحس و أنت تقرأ آيات سبق لك قراءتها أو ربما تحفظها، و كأنك تقرؤها أول مرة لما يتدفق لك آنئذ من جميل المعاني و جميل الفتوحات الربانية، فتطرح على نفسك السؤال متعجبا: هل هذه الآية هي التي كنت أقرأ مرارا و تكرار؟ لماذا لم تفتح لي هذه المعاني إلا الآن؟ و جواب ذلك أن الفتوحات إنما هي جزاء من الله جل و علا لمن أقبل عليه من خلال كلامه القرآن الكريم، تدبرا و مكابدة، و التدبر لا يكون إلا بالوقوف على كل آية إعادة و تفكرا و تأملا، و المكابدة إنما تكون بقيام الليل و التضحية بشيء من النوم من أجل الله، و من أجل كلام الله، و آنئذ، و عندما يجتمع التدبر مع المكابدة، يفتح الله لك أنوار كتابه و إشراقات كلامه و نوره، و تلك سنة حبيبنا صلى الله عليه و سلم في تعامله مع القرآن:
فعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنه قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية يكررها حتى أصبح ، والآية { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم }
الراوي: أبو ذر الغفاري المحدث: العراقي - المصدر: تخريج الإحياء - الصفحة أو الرقم: 1/375
خلاصة الدرجة: إسناده صحيح
فانظروا أحبتي في الله إلى كيفية مكابدة القرأن و تدبر القرآن عند النبي العدنان صلى الله عليه و سلم، و اقتدوا به ، ف (( لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الآخر و ذكرالله كثيرا))
ذلك هو فرك جمر القرآن، يا أخي خادم القرآن ، و الله تعالى أعلم و أحكم، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
الدكالي محمد
06-03-2009, 12:31 PM
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أحبتي الأفاضل ياطلبة العلم الشرعي ، إليكم هذا الرابط تعميما للفائدة ، أسال الله أن ينفع به http://www.olamaashareah.net/
محمد-24
08-05-2009, 02:48 AM
بارك الله فيك فضيلة الشيخ فريد وجزاك الله تعالى كل خير
ما أجمل هذه الكلمات وما أطيب وأحلا هذه العبارت، إنها بحق رسائل من القلب بإذن الله جل علاه
فاللهم يارب وفقنا وأعنا على التعرض لهذا الوحي الذي فيه حياتنا والنور الذي فيه سعادتنا في الدارين
وأخيرا ما أعظم أن يسير الواحد منا بالقرآن إلى الله في خلوات الليل، فاللهم وفقنا لذلك
امين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
وصل اللهم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد وسلم تسليما كثيرا
والسلام عليكم
أبو الفضل الأزهري
10-04-2009, 03:32 PM
أسأل الله تعالى أن يبارك في عمركم وأن يتقبل أعمالكم ، ووالله ما استمعت إليكم مرة أو قرأت لكم إلا غلب على ظني أن هذه الكلمات تصدر عن قلب يحترق بالقرآن إلا عن نفس سابحة في أشواق القرأن تكاد تمسك بمفاتح أسراره ، وأرجو الله العظيم أن تكونوا خيرًا وأعلى وأرقى مما نظن ، وأن يلحقنا وإياكم بأولئك الركب الذين اختلط القرآن بروحهم ولحمهم وعظمهم ، وأن يجمعنا وإياكم دائمًا على مائدة القرآن في الدنيا والآخرة. آمين.
أبو الفضل الأزهري
10-15-2009, 08:30 PM
أسأل الله تعالى أن يبارك في عمركم وأن يتقبل أعمالكم ، ووالله ما استمعت إليكم مرة أو قرأت لكم إلا غلب على ظني أن هذه الكلمات لا تصدرإلا عن قلب يحترق بالقرآن ، لا تصدرإلا عن نفس سابحة في أشواق القرأن تكاد تمسك بمفاتح أسراره ، وأرجو الله العظيم أن تكونوا خيرًا وأعلى وأرقى مما نظن ،وأبشركم أنه قد أنشئ موقع متخصص لتدبر القرآن الكريم تابعًا للهيئة العالمية لتدبر القرآن الكريم ، وسيبدأ بثه بإذن الله تعالى أول العام الهجري الميمون ، ولعله يكون من أواصر المحبة بيننا ، وبداية انطلاقة كبرى لنهضة أمتنا وتوحدها ، وأسأل الله تعالى أن يجعل أعمالنا في ميزان حسناتنا ، وأن يلحقنا وإياكم بأولئك الركب الذين اختلط القرآن بروحهم ولحمهم وعظمهم ، وأن يجمعنا وإياكم دائمًا على مائدة القرآن في الدنيا والآخرة. آمين.
محبكم أحمد بن علي المصري أبو الفضل الأزهري.
الدكالي محمد
11-10-2009, 08:25 PM
(( أيها الإخوة الفضلاء يااااااااأهل القرآن الكريم أرجوكم أن تعيدوا قراءة الموضوع بتمعن شديد ، دون المرور عليه مر الكرام ، لما قرأت المواضيع كاملة عرفت الحكمة من رحيل الشيخ العالم الرباني والله إني كنت قد قرأت الموضوع في حياته فأعجبت ببلاغته وتعبيراته الرائعة ، ولكني قرأت الموضوع اليوم ففهمت فهما غير الذي فهمت قبل اليوم ، أنظروا هذه الكلمات التي ختم بها الأنصاري موضوعه (( نعم! ذلك هو القرآن الوحي!.. فمن يفرك جمره؟ ومن يقتبس من حر آياته نورَه؟ فعسى أن يترقى في معراجه إلى مقام الروح الأعلى! وعساه يكون بذلك من المبصرين؛ فيشاهد خارطة الطريق..!
أيها القابضون على الجمر..!
أيها المراقبون لنيزك السماء..!
إنه وَحْيٌ.. فَتَعَرَّضُوا لَهُ!
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ!)(آل عمران: 200).
ذلك، وإنما الموفَّق من وفقه الله..!
محبكم: فريد الأنصاري
السلام عليكم و رحمة الله،
كنت في نقاش مع أحد الإخوة حول القرآن و مجالس القرآن، عندما قال لي حكمة عجيبة.. حكمة ذكرتني بهذه الرسالة الثالثة للإمام رحمه الله. فالرسالة تحكي مَثَلَ النيزك، و حكمة هذا الأخ تقدم مَثَلا مشابها : اللؤلؤة المكنونة في البحر!
كنت سألت هذا الصاحب عن أحسن ما يفعله المسلم خلال مجلس قرآني : هل هو الصمت أم الكلام؟ إن طبيعة الإشكال تكمن في أن من بين أهداف عقد المجالس القرآنية : التزودُ الروحي و شحن البطارية الإيمانية. و معلوم أن الكلام يعطي فسحة كبيرة "للأنا" و للنفس لكي يفصح عن نفسه، فيضيع الإخلاص رويدا رويدا. و بالمقابل، فمن غير المعقول التزام الصمت طيلة المجلس، و إن كان ذلك أخشع للقلب! إذ إن التدارس من بين الأهداف الرئيسية المنشودة لمجالس القرآن.
فما العمل؟ كان لهذا الأخ رأي في غاية العمق. قال لي : أهم شي هو أن تغطس قبل أن تتكلم! بمعنى : إنك عندما تغطس في البحر أو المحيط بحثا عن لؤلؤة نفيسة، فإن سَمْعَكَ يتعطل عن العمل طيلة المدة التي تقضيها تحت الماء. حتى إذا وجدتها ثم صعدت بها إلى السطح، فإن مجرد إظهارها للآخرين يغني عن كثير من الكلام. و حتى إن تكلمت آنئذ فإنك ستتكلم عن فضائل اللؤلؤة لا عن نفسك.
و إن هذا لَهُوَ المطلوب! اغطس أولا في بحار القرآن، و ابحث عن الحقائق النفيسة. ابحث عنها في قلبك الذي هو مرآة الآيات، و اصبر على ألم الاختناق و نقص الأوكسجين.ستلاحظ عندئذ أن سمع قلبك سيتعطل، فلا يلتفت لغير الله! فإذا أنت عثرت على اللؤلؤة، فاصعد إلى السطح بسرعة و قدمها لإخوانك كما هي "ضرب الحديد ما حدو سخون!". فإنك آنذاك ستتكلم بلسان القرآن لا بلسانك، و لن يكون للنفس سلطان على كلامك!
و أحسب أن كلام هذا الأخ لمن نفس المشكاة التي خرج منها مثال الإمام رحمه الله. فهل من باحث عن اللؤلؤة؟