المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سكونية العقل المسلم


عماد الدين
06-23-2010, 02:03 PM
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

مقال للأستاذ "أديب إبراهيم الدباغ", مع تصرف في بعض عباراته بما لا يخل بالمعنى.

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

سكونية العقل المسلم

يأسى القلب لهذه السكونية التي تسكن عقل المسلم وتمنعه من الانطلاق في دنيا الله بما يحمله من إيمان وإسلام. هذه السكونية التي تعد نوعاً من الموت الفكري يجب على العقل المسلم أن ينأى بنفسه عنه.
فالسكونية في عالم مضطرب ومتحرك لا يتوقف أبداً هي نوع من الانتحار الإيماني، وشلل يُعجِزُ صاحِبهُ عن ملاحقة ما يستجدُّ في العالم من توجُّهات فكرية وروحية.
والقلب مفعم بالأسى من أجل الجنس البشري المتلهف لسماع كلمة الحق من أفواه أهل الحق، ولكن هذه السكونية الكسول هي التي أقعدت المسلمين ومنعتهم من السير بكلمة الحق شرقاً وغرباً ليَسْمَعَهَا العالمُ كلُّه.
فالسكونية حالة بائسة مرفوضة من قبل الكون والحياة المبنيين على الحركة والتحول، لأنها على النقيض منهما، فمناكفة الكون، ومعاندة الحياة، تعودان بأشدّ الضرر على صاحب العقل السكوني، حيث يتجاوزه ركب التجديد ويخلفه وراءه منكفئاً على آلام سكونيته بخوائه الفكري وجوعه الروحي.
-2-
إنَّ مسؤولية المسلم الأخلاقية والأدبية تُحَتِّمُ عليه أَنْ ينـزع عنه ثوب السكونية. يغادر أرائك الراحة والكسل المطمئن إلى غير رجعة، وأن يستبدل بهما شيئاً عظيماً من القلق والتوتر الروحي إلى آخر مداه، وأن يضرب في الأرض حيثما تقوده قدماه، مفتشاً عن الإنسان الذي تضنيه قضية الحياة وغاية الوجود، ويعذبه تردده بين الشك واليقين، وأن يسارع إلى مدّ يد الإنقاذ إلى أولئك الساقطين في هوة اليأس، والهاربين من وجه الله إلى غير وجه، والرافضين للحياة، والغائصين في مهاوي العبثية والرغبة في الانتحار، وكأنَّ لسان حالهم يقول: لماذا نظلَّ أحياءً فوق هذه الأرض إذا كان القبر قد فغر فاهه لابتلاعنا في آخر المطاف…؟!
-3-
إنَّ التحولات الإيمانية الكبرى، لايقوى عليها إلاّ أصحاب الأرواح العظيمة القلقة المؤرقة، التي يقلقها ويؤرقها ثقل المسؤولية التي شرفهم الله تعالى بتقليدهم إياها.
وإن جوهر "الحضارة الإسلامية" يكمن في هذا القلق الروحي والأرق الفكري، الباعثان على التغيير على الأرض وفي الوجدان، والمحفزان على الانعتاق من سجن "المكانية" الثقيل، والتحرر من خناقها على الذهن، والانفكاك من غِلِّها الذي تغلُّ به المسلم وتجعله يخلد الى عتيق فهمه، ويطمئن الى قديم علمه، بينما يلحُّ عليه في الأعماق نازع ينـزع به نحو ارتقاء عقلي أعلى، وسمو قلبي أرفع.
-4-
وإنَّ مِمَّا يثلج الصدر ، ويدخل على قلبه الحبور، رؤية ثُلَّةٍ من المؤمنين وهم يضربون في معارج الرقي الروحي، ويشكلون بعروجهم هذا مفخرةً لجنس الإنسان، وإكليل مجدٍ فوق جبين البشرية، ولسان حالهم يقول: "خَلُّوا سبيلنا ودعونا نضرب في الأرض، حاملين ذلك القبس القرآنيّ إلى أقاصي العالم"، هؤلاء المؤمنون البسطاء في عظمتهم، الأقوياء في ضعفهم، الأغنياء في فقرهم، إنهم أرسخ قدماً في دنيا الحق، وأشدُّ توقاً إلى عالم الخلود، لا يقبلون عنه بديلاً ولا يرضون سواه وموئلاً وملاذاً.
وهؤلاء هم القوة التي ستوطد أركان الحقيقة الإيمانية على ظهر الأرض، يحركهم شوق عظيم لا يقاوم، ويُوْرِي زِنَادَ أفكارهم بوارق من عالم الغيب، إنّ فيهم شيئاً إِلهياً لا يني يزور أرواحهم ليديم شعلة الروح ذاكية قوية ليكون بإمكانهم أن يغزوا قلب الليل بقوة وشجاعة.
-5-
والعجب كل العجب من هذا الكوكب الأرضي، كيف لا يتلاشى ويتمزق من الغيظ شظايا في الفضاء وهو يرى غدر الإنسان وإدباره عن ربّه وخالقه، فإذا أقفرت الأرض من العارفين الساجدين فأنها تفقد معنى وجودها ومغزى خلقها، لا بل تفقد الحياة التي تمدها بأسباب البقاء، لأنّ الإيمان حياة، بل هو قلب الحياة، وروح الوجود، ومن دون هذا الإيمان سينتابُ الأرضَ هلعٌ رهيب يقصيها عن أمومتها لنا، واحتضانها لنا، فتتركنا في هوة أتراحنا وعذاباتنا نتجرع مرارة اختفاء إنسانية الإنسان فوق هذه الأرض، لأنّ الإنسان عنصر روحي في قالب ماديّ فإذا فقد جوهره الروحي صارت حياته خلواً من الحياة، وصار قالبه الإنساني خلواً من الإنسانية.
وَإنَّ مِمَّا يؤنس الأرض ويطمئنها على مصيرها، إحساسها بأنّ على ظهرها عبقريات قرآنية تجوب آفاقها، وتبحث في أرجائها عن الإنسان التائه في شعاب "اللاّدينية" المهلكة حيث يجد من أبطال المحبّة مَنْ يحنو عليه ويأخذ بيده الى الطريق القرآني المشرق بالنور والأمل والسلام.
-6-
وإذا ما ماجت الروح، وطفحت الأشواق، وتعالى الوجد، واشتدّت وتيرة الإيمان، وارتفع لهب العقل، فلا شيء يمكن عندئذٍ أن يسع المؤمن، ويحدَّ من انسيابه في عروق الأرض وشرايينها، فيأتي الحضارات يدقّ أبوابها، والمدنيات فيَفُكّ الغازها، والبلدان والأقوام والشعوب فيخالط وجدانها، ويأتي العقول من أبوابها، والارواح من منافذها.
أعطني –يا صديقي- ألفاً من الفتيان السائرين في الصدق على قدم أبي بكر، والصُّلبين في الحق صلابة عمر، والعاشقين للقرآن عشق عثمان، والمقدمين في الملمات إقدام عليّ "رضي الله عنهم أجمعين" أفتح لك قلب العالم، وأُنِرْ لك ظلام الدنيا، وآتيك بالتاريخ طوعاً أو كرهاً، وأزلزل الأفكار، وأقلب المفاهيم، وأجعل الأرض غير الأرض، والسماء غير السماء، وأصل ما بين قلب الكون والانسان، وبين روح الإنسان وروح الله. "لذلك نؤمن بضرورة توجيه العالم الاسلامي جميعاً إلى التجدد بكل أجزائه في فهم الإيمان، وتلقيات الإسلام. وشعور الإحسان، والعشق والشوق، والمنطق وطريقة التفكير، وأسلوب الإفادة عن نفسه، بمؤسساته ونظمه التي تكسبه هذه الأحوال " بمثل هؤلاء "السامعين بوجدانهم أناشيد "الماورائية" تناديهم الى الله" يمكن للعقل المسلم أن يتحرر من سكونيته، ويخرج من شرنقته.

عبد المجيد
06-24-2010, 12:56 AM
بارك الله فيك أخي عماد ، اختيارك الطيب لهذا البلاغ الطيب للأستاذ الدباغ ، ذكرني بكلمتين اثنتين: أولاهماخاصة لأستاذنا الفريد رحمه الله في سياق الحديث عن وظيفة العلماء اليوم ، إذ أنكر سكونية فريق منهم وسماهم العلماء العاطلين عن العمل غيرة منه على تحمل أمانة البلاغ القرآني، لارغبة في الذم ،إذ لم يكن حاشاه همازا ولا لمازا.
والثانية عامة لشيخه وشيخ أساتذتنا فضيلة الدكتور الشاهد البوشيخي مفادها أن المسلم في التعاريف المتأخرة ليس الذي يقتصر على إقامة الأركان دون تحمل أمانة البلاغ،بمعنى أنه ينبغي أن يكون في موقع الإرسال لا في موقع الاستقبال ؛وقد استند في تقرير هذا الأمر حفظه الله إلى تواتر جملة من النصوص الشرعية على معناه نحو قوله سبحانه"ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين" وقوله عليه السلام "بلغوا عني ولو آية" شرط أن يبنى البلاغ على العلم، فإذا كانت الآية من الوحي، وكان الوحي بطبيعته علمالقوله عليه السلام " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم..." كان معنى "بلغوا عني ولو آية"- يقول الدكتور الشاهد- بلغوا عني علما وإن قل.