المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : "فطرة الله التي فطر الناس عليها"


عبد المجيد
06-24-2010, 06:22 AM
"فطرة الله التي فطر الناس عليها"


التركيب الفطري للإنسان بمستوييه الطيني والروحي،يجعل من حقيقة الإنسان قبضة من طين ونفخة من روح ، وهما عنصران يختزنان ويكتنزان سائر نعمه سبحانه على البشر من خلقه،بحيث تختزل بعد نعمة الإيجاد في نعمتي الإمداد والإرشاد، على نحو قوله سبحانه" يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والارض..." إذ الخالقية نعمة إيجاد،والرازقية نعمة إمداد، ومتن الخطاب كسائر متن الوحي كتابا وسنة نعمة إرشاد؛وما تفرقت سبل الضلال بالإنسان عن سبيله سبحانه، إلا بعد أن أجيل عن هذا المدار الفطري الرباني، فعميت عليه حقيقته، وضل الطريق إلى الله، ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه عز وجل"وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا"


لأجل ذلك كان من رحمته سبحانه أن جعل مبنى الرسالات ابتداء على معرفته جل وعلا من باب نعمه التي لاتحصى والتي هي تجليات أسمائه الحسنى وصفاته العلى، إذ بذلك يتمحض الإخلاص إليه سبحانه على مستوى معرفته ربا ، ثم على مستوى محبته إلها.


فهذا الأصل أصل معرفته سبحانه من باب نعمه، عناية واختراعا، ايجادا وإمدادا وإرشادا،أصل كل الرسالات منذ نوح عليه السلام كما قد يستفاد من الآي العشر الوسطى من سورة نوح ن إلى ما خسف به المولى عز وجل عين الوحي إلى سيدنا محمد عليه السلام بالآي الخمس الأولى من سورة العلق، فهي بذلك أصل القرآن كله مكيه ومدنيه، ومعتمد الشرع كله كليه وفرعيه، فقد قرر الشاطبي رحمه الله "أن معنى الخطاب المدني في الغالب مبني على الخطاب المكي ، كما أن المتأخر من كل واحد منهما مبني على متقدمه ، دل على ذلك الاستقراء"(الموافقات3/406)


إن محبته سبحانه بقدره حق قدره، أمر يتفاوت فيه أهل الإيمان ما بين مقتصد وسابق بالخيرات، على قدر اعتدال فطرة الدين التي هي أشرف من فطرة الطين طبيعة ووظيفة:
-فبينما تؤول الأخيرة إلى التراب وهو مخلوق " كلكم لآدم وآدم من تراب" تؤول الأولى إلى الخالق سبحانه لما لها من سند بروحه تعالى"ونفخت فيه من روحي"


-كما أن سجود الملائكة بأمر الله لآدم عليه السلام سجود تكريم وتعظيم، متلبس غالبا بما أودع فيه من قوة روحية تقبل تعاليم الدين،وتوجه عمل الجوارح الفردي والجماعي فيه وفي ذريته نحو أداء أمانة الاستخلاف العمراني والشهود الحضاري في الأرض.


-ثم إنه لا قيمة لعمل في الشرع مالم ينضح عن إخلاص قلبي لله، واستحضار عقلي لطاعته،وكل ذلك محله القلب كجارحة نفسية روحية" لايواخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يواخذكم بما كسبت قلوبكم "


-هذا ناهيكم عن أن صورة الطين عند الموت مخلدة إلى الأرض حتى تبلى وتفنى، فلا يبقى منها إلا عجب الذنب، بينما تعرج الروح إلى باريها مفتحة لها أبواب السماء، ثم تعود إلى الطين مستمرة حتى بعد فنائه،وهي سعيدة او شقية على حسب ما يؤنسها من عمل كما يستفاد من الصحيح.


لهذا وغيره ناسب أن يسمي المولى جل وعلا ما بعث به عليه السلام من الهدى والعلم باسم ما نفخ في الإنسان من روحه " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا" بل ناسب أن يصف ما بين دفتي الوحي من كامل الدين بما ابتدع عليه البشر من الفطرة " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيم"


ولهذا وغيره أيضا قدم الحديث في حديث "يولد الولد على الفطرة.."عن ابتداع الخلق الروحي المشار إليه وسطه بجملة "فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" لأجل الاهتمام، بينما أخر الحديث عن ابتداع الخلق الطيني المشار إليه آخره بجملة " يولد كالبهيمة العجماء هل ترى فيها من جدعاء" أو كما قال عليه السلام.