عبد المجيد
07-09-2010, 01:48 AM
حوار مع الأستاذ الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله
نشر بجريدة المحجة في 08جمادى الأولى/16يونيو 2005 العدد 237
القرآن العظيم خلاص الأمة وأساس بعتثها الجديدة
- العالم الإسلامي تعددت الأشكال والموت واحد
- نشر لكم كلام في بعض المجلات، وكذا ضمن بعض كتبكم ، حول ضرورة تجديد الحركات الإسلامية لنفسها.. ماذا تقصدون بذلك؟ وما مسوغ ذلك التجديد؟ خاصة والحركات الإسلامية هي بذاتها حركات تجديد في الأمة؟
- ** لقد تقارب الزمان اليوم لينكشف عن شيء، والعالم يتهيأ له بدول تتوحد وتتكتل، وأخرى تتمزق وتتفرق، وبرموز تقوم وأخرى تنهار، فانطلاقا من سقوط الاتحاد السوفياتي ، وسقوط سور برلين بدلالاته السيميائية العميقة، حتى أحداث الحادي عشر من شتنبر 2001 بأمريكا ، كانت موجة أخرى من تاريخ التدافع الحضاري تتجمع، لتنطلق بأول عملية احتلال عسكري في القرن الخامس عشر الهجري ( الحادي والعشرين الميلادي) وتدخل أمريكا العالم الإسلامي غازية بلا قناع سياسي، تدخل بخلفيتها الشمولية المتطرفة ، الجامعة بين المطامع الاقتصادية والإيديولوجيات العقدية (الإنجيلية الصهيونية) فتكون العراق أول قنطرة للعبور إلى غزو عالمي جديد للأمة الإسلامية بتجليات متعددة ، قد تختلف مظاهرها من قطر إلى قطر، ولكن مآلها واحد: هو الهيمنة العولمية الحديدية على العالم الإسلامي، وههنا تعددت الأشكال والموت واحد.
- إن الغزو الأمريكي للعالم الإسلامي في صورته الجديدة الحاصلة اليوم، لهو صفعة قوية في وجه الأمة، ليس فقط من حيث هي أنظمة سياسية ، ولكن أيضا من حيث هي مشاريع نهضوية فكرية وقومية ووطنية ، بل حتى إسلامية أيضا ، ولم لا؟
- لقد انتهى زمن وكالة الأنظمة العربية في كثير من الدول العربية، فالآن أمريكا هي التي تشتغل ، وهي التي تقتحم البيوت وتعتقل، وهي التي تحاكم ، وهي التي تصادر؛ تلقي القبض على من تشاء كما تشاء ومتى تشاء ، فأيما مفكر حر أو خطيب أو داعية، أو ربما حتى عابر أزعجها بكلمة، أصدرت أمرها باعتقاله ولم تعد تبالي ، ولا حتى بحرج النظام العربي ، الذي يعيش ذلك المطلوب في حوزته وتحت سلطانه ، وتلقي القبض عليه بنفسها هنا أو هناك، في أي مكان من خريطة العالم الإسلامي.
- ثم بعد هذا وذاك ، من ذا قدير على نقض مقولة الحقيقة المرة ، أن المسلمين اليوم يعتصمون بآخر القلاع الحضارية لوجودهم؟
- وينتصب السؤال المرير: أين الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي ؟ أين أكثر من قرن من الزمان ، مضى في بناء التنظيمات والجماعات؟ أين الخطط والبرامج والاستعدادات؟
- ألم يئن الأوان بعد للمراجعة والمساءلة لحركات الدعوة الإسلامية هنا وهناك؟
- إلى متى ونحن متشبتون بخطط خرقها الغرب واخترقها أكثر من سبعين مرة، ثم أتت عولمة النظام العالمي الجديد على آخر ما بقي منها ، فلم يعد لها غير عجيج المظاهرات وصراخ المهاترات؟ إلى متى ونحن متشبتون بوهم (إننا قادمون) ونحن نعني بذلك ذواتنا لا ذات الأمة، تماما كما تشبت نظام العراق الهالك بوهم ( خطط للسحق والتقطيع)، لم تلبث أن دكتها الدبابة الأمريكية، ولما تنقطع أصداء كلماتها الرنانة في الفضائيات؟
- أين الحركات الإسلامية من الإسلام ؟ وإلى أي حد هي فعلا( تجتهد )- بالمعنى الحقيقي للكلمة- من داخل بنية النص الشرعي ومنظومته الاستدلالية للتمكين لهذا الدين ؟ أين هي الاستراتيجيات الدعوية والإصلاحية؟ وأين موازين نقدها وتمحيصها؟
- أليس قد آن الأوان فعلا لتجديد النظر في الأساليب التربوية والمنهجيات الدعوية ، في زمن لم تعد فيه موازين القوى كما كانت ، ولا مظاهر العدوان كما كانت؟ وصار العدو عن كثب يراقب برامج التعليم ، وخطب المساجد ، والعلاقات الزوجية ، ويحصي دور القرآن والمعاهد الدينية، ونسب الولادات؟ أليس قد آن الأوان لبعثة جديدة تجدد أول ما تجدد هذه الحركات الإسلامية نفسها ، التي تقادم لديها مفهوم ( التجديد) فلم تعد قادرة على إعطاء ما لاتملك ؟ إلى متى ونحن صامتون، مترددون في وضع الإصبع على مواطن آلامنا وأدوائنا، وقد امتدت يد الآخر إليها قبل يدنا، لتعالجها-ولكن مع الأسف-بدوائه لابدوائنا، وبطريقته لا بطريقتنا؟
- في معنى البعث والتجديد
- إذن بناء على ذلك ، كيف تتصورون تنزيل مفهوم( البعث) في واقع الأمة اليوم؟ وكيف تتصورون عملية (التجديد)؟
- **أحسب أولا أن مفهوم( البعث) يرد في القرآن والسنة بمعنيين اثنين: الأول هو بمعنى إحياء الموات، كما في قوله عز وجل "فأماته الله مائة عام ثم بعثه" البقرة 259، وقوله سبحانه " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لايعلمون"النحل 38 وقوله أيضا " وأن الله يبعث من في القبور"الحج7 إلخ. فالبعث هنا فعل قدري تكويني يرجع إلى إرادة الله جل وعلا بإحياء الميت، وتجديد الحياة فيه، ليخرج من عالم الفناء إلى عالم البقاء، أو من دائرة العدم إلى دائرة الوجود.
- ولا يكون البعث- بهذا المعنى – إلا بعد حياة سابقة يعقبها موت ، لما لمعنى( البعث) من دلالة على إعادة الحياة إلى من فقدها، وليس بمعنى نفخ الحياة ابتداء. فهذا إنما هو (خلق) ، وأما البعث فهو (إعادة خلق) ، كما هو مفهوم من النصوص السابقة. وفي قول الله أيضا في حق عيسى عليه السلام ( وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا) مريم15
- وأما المعنى الثاني لمفهوم (البعث) فيرجع إلى معنى(الإرسال) ، وهو تكليف الرسل بوظيفة البلاغ ، كما في قوله تعالى ( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا) القصص59 وقوله سبحانه ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) الإسراء15 وقوله جل وعلا ( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه)الأعراف103 ونحو هذا وذاك في القرآن كثير.
- فالبعث هنا يرجع إلى معنى تكليفي، وأمر تشريعي تعبدي، بينما هو في الأول راجع إلى أمر قدري تكويني ، إلا أن هذا المعنى الثاني يستصحب المعنى الأول من الناحية السيميائية، فلا يمكن تجريد اللفظ من إيحاءاته ببعثة الرسل، فكأنما ورود المبعوث على الأمة الضالة نوع من الغيث يحيي منها الموات، ويبعث فيها الحياة؛ ومن هنا كان قول النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله تعالى يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها"1 تعبيرا جامعا لكل تلك المعاني،فهو دال بالأصالة على تجديد البعثة بالمعنى الإرسالي، أعني إرسال العلماء لا الأنبياء ، وليس هو ابتداء وحي ، وإنما هو تعليم وحي إعادة وتجديدا، وهو دال بالتبع على معنى الإحياء . فبعث المجددين إنما هو إحياء للأمة ، ونفخ لروح القرآن فيها من جديد، حتى تعود إليها الحياة ، وتنخرط من جديد في صناعة التاريخ، ومن هنا كان ( العلماء ورثة الأنبياء)2 كما صح في الحديث، هذا المعنى العظيم تؤكده بصائر القرآن العظيم، وبشائر السنة النبوية، وحركة التاريخ.
- ولا تكون البعثة –بناء على ذلك- إلا عملية جذرية شاملة وعامة، سواء رجعت في البدء إلى شخص واحد، أو إلى عدة أشخاص، على الخلاف في تأويل معنى لفظ (من) الوارد في الحديث ( من يجدد لها دينها) أهو دال على المفرد أم على الجمع؟ قلت هو في جميع الأحوال آيل إلى الجمع، حتى ولو حملناه على المفرد، أعني حتى ولو كان المنطلق التجديدي فردا، ألا ترى أن أصل البعثة النبوية في هذه الأمة إنما هو رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي واحد خاتم، ولكن مظاهر بعثته صلى الله عليه وسلم تجذرت في جيل كامل من الصحابة رضي الله عنهم، تلك هي الموجة الأولى من البعثة الأولى، حملت دفعة الوحي قوية، تحيي الموات في الأرض.
- تحرير الإنسان قبل تحرير السلطان وتحرير الوجدان قبل تحرير الأوطان
- هل لكم أن توضحوا بعض معالم هذا التصور من الناحية العملية؟
- ** نعم، فمن الملحوظ أن الأمة اليوم على أبواب تحولات جديدة ، هي في تاريخ العالم قد بدأت بالفعل ، لكن من الملحوظ أيضا أن هناك عجزا لدى الحركات الإسلامية في العالم -غالبا- عن مواكبة التحولات العالمية الجديدة، وإصرارها على المنهج التقليدي في النقد والاحتجاج ، هذا المنهج الذي ورثت أغلب تقنياته التنظيمية والحركية ، عن الأحزاب السياسية العلمانية البائدة، التي نشأت في ظل (الاستعمار) وبعيده، ولم يبق لها اليوم في واقع الناس إلا ظلال باهتة، هي أشبه ما تكون بأطلال الماضي . لم تستطع الحركات الإسلامية في الغالب أن تخرج من جبة الحزب السياسي ، ونموذجه النضالي الدخيل، وإن ادعت أنها تفارقه وترفضه، فإنما هي صورة تقليدية له، إما بصورة اجتماعية، أو –في بعض الأحيان- بصورة حرفية.
- تعلقت الحركات الإسلامية العتيقة بعقدة الأنظمة الحاكمة، ومشكلة الديمقراطية في العالم الإسلامي، وضخمتها إلى درجة التقديس العقدي، كما تعلقت بقضية النظم السياسية والاقتصادية والإعلامية...إلخ.
- وأحسب أن التاريخ الجديد بمعطياته الحاضرة، وبملامحه المستقبلية، قد تجاوز هذه المشكلات جميعا. لقد امتدت الآلة الإعلامية والثقافية والاقتصادية، لتستعمر الإنسان المسلم ، في أخص خصائصه الوجدانية والعقدية والاستهلاكية، ليعيش على النمط الأمريكي، أو يسعى إلى ذلك، حتى صار على استعداد للتضحية بكل مقدساته من أجل ذلك. هذا هو اليوم-مع الأسف- شأن كثير من البلاد الإسلامية. والكتلة الأمريكية / الصهيونية المتطرفة منهمكة في حرب شاملة، لتذويب الباقي والشارد من الشعوب الإسلامية، في هالوك العولمة. هذه أشياء نشاهدها اليوم على مرأى ومسمع من العالم.
نشر بجريدة المحجة في 08جمادى الأولى/16يونيو 2005 العدد 237
القرآن العظيم خلاص الأمة وأساس بعتثها الجديدة
- العالم الإسلامي تعددت الأشكال والموت واحد
- نشر لكم كلام في بعض المجلات، وكذا ضمن بعض كتبكم ، حول ضرورة تجديد الحركات الإسلامية لنفسها.. ماذا تقصدون بذلك؟ وما مسوغ ذلك التجديد؟ خاصة والحركات الإسلامية هي بذاتها حركات تجديد في الأمة؟
- ** لقد تقارب الزمان اليوم لينكشف عن شيء، والعالم يتهيأ له بدول تتوحد وتتكتل، وأخرى تتمزق وتتفرق، وبرموز تقوم وأخرى تنهار، فانطلاقا من سقوط الاتحاد السوفياتي ، وسقوط سور برلين بدلالاته السيميائية العميقة، حتى أحداث الحادي عشر من شتنبر 2001 بأمريكا ، كانت موجة أخرى من تاريخ التدافع الحضاري تتجمع، لتنطلق بأول عملية احتلال عسكري في القرن الخامس عشر الهجري ( الحادي والعشرين الميلادي) وتدخل أمريكا العالم الإسلامي غازية بلا قناع سياسي، تدخل بخلفيتها الشمولية المتطرفة ، الجامعة بين المطامع الاقتصادية والإيديولوجيات العقدية (الإنجيلية الصهيونية) فتكون العراق أول قنطرة للعبور إلى غزو عالمي جديد للأمة الإسلامية بتجليات متعددة ، قد تختلف مظاهرها من قطر إلى قطر، ولكن مآلها واحد: هو الهيمنة العولمية الحديدية على العالم الإسلامي، وههنا تعددت الأشكال والموت واحد.
- إن الغزو الأمريكي للعالم الإسلامي في صورته الجديدة الحاصلة اليوم، لهو صفعة قوية في وجه الأمة، ليس فقط من حيث هي أنظمة سياسية ، ولكن أيضا من حيث هي مشاريع نهضوية فكرية وقومية ووطنية ، بل حتى إسلامية أيضا ، ولم لا؟
- لقد انتهى زمن وكالة الأنظمة العربية في كثير من الدول العربية، فالآن أمريكا هي التي تشتغل ، وهي التي تقتحم البيوت وتعتقل، وهي التي تحاكم ، وهي التي تصادر؛ تلقي القبض على من تشاء كما تشاء ومتى تشاء ، فأيما مفكر حر أو خطيب أو داعية، أو ربما حتى عابر أزعجها بكلمة، أصدرت أمرها باعتقاله ولم تعد تبالي ، ولا حتى بحرج النظام العربي ، الذي يعيش ذلك المطلوب في حوزته وتحت سلطانه ، وتلقي القبض عليه بنفسها هنا أو هناك، في أي مكان من خريطة العالم الإسلامي.
- ثم بعد هذا وذاك ، من ذا قدير على نقض مقولة الحقيقة المرة ، أن المسلمين اليوم يعتصمون بآخر القلاع الحضارية لوجودهم؟
- وينتصب السؤال المرير: أين الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي ؟ أين أكثر من قرن من الزمان ، مضى في بناء التنظيمات والجماعات؟ أين الخطط والبرامج والاستعدادات؟
- ألم يئن الأوان بعد للمراجعة والمساءلة لحركات الدعوة الإسلامية هنا وهناك؟
- إلى متى ونحن متشبتون بخطط خرقها الغرب واخترقها أكثر من سبعين مرة، ثم أتت عولمة النظام العالمي الجديد على آخر ما بقي منها ، فلم يعد لها غير عجيج المظاهرات وصراخ المهاترات؟ إلى متى ونحن متشبتون بوهم (إننا قادمون) ونحن نعني بذلك ذواتنا لا ذات الأمة، تماما كما تشبت نظام العراق الهالك بوهم ( خطط للسحق والتقطيع)، لم تلبث أن دكتها الدبابة الأمريكية، ولما تنقطع أصداء كلماتها الرنانة في الفضائيات؟
- أين الحركات الإسلامية من الإسلام ؟ وإلى أي حد هي فعلا( تجتهد )- بالمعنى الحقيقي للكلمة- من داخل بنية النص الشرعي ومنظومته الاستدلالية للتمكين لهذا الدين ؟ أين هي الاستراتيجيات الدعوية والإصلاحية؟ وأين موازين نقدها وتمحيصها؟
- أليس قد آن الأوان فعلا لتجديد النظر في الأساليب التربوية والمنهجيات الدعوية ، في زمن لم تعد فيه موازين القوى كما كانت ، ولا مظاهر العدوان كما كانت؟ وصار العدو عن كثب يراقب برامج التعليم ، وخطب المساجد ، والعلاقات الزوجية ، ويحصي دور القرآن والمعاهد الدينية، ونسب الولادات؟ أليس قد آن الأوان لبعثة جديدة تجدد أول ما تجدد هذه الحركات الإسلامية نفسها ، التي تقادم لديها مفهوم ( التجديد) فلم تعد قادرة على إعطاء ما لاتملك ؟ إلى متى ونحن صامتون، مترددون في وضع الإصبع على مواطن آلامنا وأدوائنا، وقد امتدت يد الآخر إليها قبل يدنا، لتعالجها-ولكن مع الأسف-بدوائه لابدوائنا، وبطريقته لا بطريقتنا؟
- في معنى البعث والتجديد
- إذن بناء على ذلك ، كيف تتصورون تنزيل مفهوم( البعث) في واقع الأمة اليوم؟ وكيف تتصورون عملية (التجديد)؟
- **أحسب أولا أن مفهوم( البعث) يرد في القرآن والسنة بمعنيين اثنين: الأول هو بمعنى إحياء الموات، كما في قوله عز وجل "فأماته الله مائة عام ثم بعثه" البقرة 259، وقوله سبحانه " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لايعلمون"النحل 38 وقوله أيضا " وأن الله يبعث من في القبور"الحج7 إلخ. فالبعث هنا فعل قدري تكويني يرجع إلى إرادة الله جل وعلا بإحياء الميت، وتجديد الحياة فيه، ليخرج من عالم الفناء إلى عالم البقاء، أو من دائرة العدم إلى دائرة الوجود.
- ولا يكون البعث- بهذا المعنى – إلا بعد حياة سابقة يعقبها موت ، لما لمعنى( البعث) من دلالة على إعادة الحياة إلى من فقدها، وليس بمعنى نفخ الحياة ابتداء. فهذا إنما هو (خلق) ، وأما البعث فهو (إعادة خلق) ، كما هو مفهوم من النصوص السابقة. وفي قول الله أيضا في حق عيسى عليه السلام ( وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا) مريم15
- وأما المعنى الثاني لمفهوم (البعث) فيرجع إلى معنى(الإرسال) ، وهو تكليف الرسل بوظيفة البلاغ ، كما في قوله تعالى ( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا) القصص59 وقوله سبحانه ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) الإسراء15 وقوله جل وعلا ( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه)الأعراف103 ونحو هذا وذاك في القرآن كثير.
- فالبعث هنا يرجع إلى معنى تكليفي، وأمر تشريعي تعبدي، بينما هو في الأول راجع إلى أمر قدري تكويني ، إلا أن هذا المعنى الثاني يستصحب المعنى الأول من الناحية السيميائية، فلا يمكن تجريد اللفظ من إيحاءاته ببعثة الرسل، فكأنما ورود المبعوث على الأمة الضالة نوع من الغيث يحيي منها الموات، ويبعث فيها الحياة؛ ومن هنا كان قول النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله تعالى يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها"1 تعبيرا جامعا لكل تلك المعاني،فهو دال بالأصالة على تجديد البعثة بالمعنى الإرسالي، أعني إرسال العلماء لا الأنبياء ، وليس هو ابتداء وحي ، وإنما هو تعليم وحي إعادة وتجديدا، وهو دال بالتبع على معنى الإحياء . فبعث المجددين إنما هو إحياء للأمة ، ونفخ لروح القرآن فيها من جديد، حتى تعود إليها الحياة ، وتنخرط من جديد في صناعة التاريخ، ومن هنا كان ( العلماء ورثة الأنبياء)2 كما صح في الحديث، هذا المعنى العظيم تؤكده بصائر القرآن العظيم، وبشائر السنة النبوية، وحركة التاريخ.
- ولا تكون البعثة –بناء على ذلك- إلا عملية جذرية شاملة وعامة، سواء رجعت في البدء إلى شخص واحد، أو إلى عدة أشخاص، على الخلاف في تأويل معنى لفظ (من) الوارد في الحديث ( من يجدد لها دينها) أهو دال على المفرد أم على الجمع؟ قلت هو في جميع الأحوال آيل إلى الجمع، حتى ولو حملناه على المفرد، أعني حتى ولو كان المنطلق التجديدي فردا، ألا ترى أن أصل البعثة النبوية في هذه الأمة إنما هو رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي واحد خاتم، ولكن مظاهر بعثته صلى الله عليه وسلم تجذرت في جيل كامل من الصحابة رضي الله عنهم، تلك هي الموجة الأولى من البعثة الأولى، حملت دفعة الوحي قوية، تحيي الموات في الأرض.
- تحرير الإنسان قبل تحرير السلطان وتحرير الوجدان قبل تحرير الأوطان
- هل لكم أن توضحوا بعض معالم هذا التصور من الناحية العملية؟
- ** نعم، فمن الملحوظ أن الأمة اليوم على أبواب تحولات جديدة ، هي في تاريخ العالم قد بدأت بالفعل ، لكن من الملحوظ أيضا أن هناك عجزا لدى الحركات الإسلامية في العالم -غالبا- عن مواكبة التحولات العالمية الجديدة، وإصرارها على المنهج التقليدي في النقد والاحتجاج ، هذا المنهج الذي ورثت أغلب تقنياته التنظيمية والحركية ، عن الأحزاب السياسية العلمانية البائدة، التي نشأت في ظل (الاستعمار) وبعيده، ولم يبق لها اليوم في واقع الناس إلا ظلال باهتة، هي أشبه ما تكون بأطلال الماضي . لم تستطع الحركات الإسلامية في الغالب أن تخرج من جبة الحزب السياسي ، ونموذجه النضالي الدخيل، وإن ادعت أنها تفارقه وترفضه، فإنما هي صورة تقليدية له، إما بصورة اجتماعية، أو –في بعض الأحيان- بصورة حرفية.
- تعلقت الحركات الإسلامية العتيقة بعقدة الأنظمة الحاكمة، ومشكلة الديمقراطية في العالم الإسلامي، وضخمتها إلى درجة التقديس العقدي، كما تعلقت بقضية النظم السياسية والاقتصادية والإعلامية...إلخ.
- وأحسب أن التاريخ الجديد بمعطياته الحاضرة، وبملامحه المستقبلية، قد تجاوز هذه المشكلات جميعا. لقد امتدت الآلة الإعلامية والثقافية والاقتصادية، لتستعمر الإنسان المسلم ، في أخص خصائصه الوجدانية والعقدية والاستهلاكية، ليعيش على النمط الأمريكي، أو يسعى إلى ذلك، حتى صار على استعداد للتضحية بكل مقدساته من أجل ذلك. هذا هو اليوم-مع الأسف- شأن كثير من البلاد الإسلامية. والكتلة الأمريكية / الصهيونية المتطرفة منهمكة في حرب شاملة، لتذويب الباقي والشارد من الشعوب الإسلامية، في هالوك العولمة. هذه أشياء نشاهدها اليوم على مرأى ومسمع من العالم.