المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاهتمام بالقرآن الكريم أم تحصيل المال للإنفاق في سبيل الله وخدمة الدعوة؟


المدير العام
07-31-2010, 08:36 PM
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته



أثار حديث الأسبوع الثامن والعشرين نقاشا مهما:



عن ابن عمر رضى الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ).
(رواه البخاري ومسلم)



حيث طرح أخونا خادم الدين تساؤلات مهمة ما أحوجنا إلى إجابات واضحة لها:



كثير من الشباب يتسائل في هذا الزمان ,هل المال و التقدم و الرقي المادي هو سبيل المسلمين للخلاص من عبودية أعداء الاسلام ,و هل الخلل كامن في الضعف المادي و قلة حيلة المسلمين ,و هل تحصيل المال مقدم على العلم في هذا الزمان ...! للأسف ,الكثير من المسلمين اليوم يُجيب ب"نعم" ,و ذلك لانبهارنا بقوة الكفار و تقدمهم التكنولوجي ... و قصر نظرنا و عدم تدبرنا للقرآن الكريم و لسيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم ,فصارت نظرتنا لقضايا أمتنا نظرة سطحية مادية تخلو من المعاني الروحانية ...!



لكن هناك أسئلة محيرة قد تراود الواحد منا أحيانا,و هي تحتاج الى تأصيل قرآني ,أضعها بين أيديكم علي أجد لديكم الشفاء باذن الله!

هل الأمة الاسلامية اليوم مقصرة في تحصيل المال أم أننا بالعكس قد تمادينا في طلب الدنيا و العمل لها اقتداء بالغرب الذي يكرس الساعات الطوال في العمل ,و نحن في ذلك تبع لهم !

هل يجب على الشباب "المصلح" الاكتفاء باليسير من العمل (من أجل تحصيل المال) و التفرغ لطلب العلم و مكابدة آيات الله ثم الدعوة اليه سبحانه على بصيرة !

هل تحتاج الدعوة الاسلامية الى المال الوفير من أجل تمويل مشاريعها (المقصود هنا هل الأولية للمال) و أن على شباب الأمة (أو بعضهم) التفرغ لكسب المال من اجل دعم هذه المشاريع ,أم أن هذا المال اذا كان ضروريا في دعوة ما فان الله تعالى سوف يسخره لعباده بلا تكلف !

نسمع كثيرا عن الصحابة (رضوان الله عليهم جميعا) الذين خدموا دعوة الاسلام بأموالهم (دون تدبر أحوالهم مع القرآن),و قد ينذر البعض حياته لتحصيل الكثير من المال من أجل خدمة الدين أيضا ,فهل هناك خطر على مثل هؤلاء ,و ما المنهج السليم لمن أراد نهج هذا الطريق ؟

أفيدونا جزاكم الله خيرا


السلام عليكم



فالمرجو من الإخوة الإفادة في الموضوع


والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

فارس
08-06-2010, 04:32 PM
بسم الله الرحمان الرحيم ،
لقد أعجبني تساؤل أخينا و أحببت أن أدلو بما فتح الله في هذا المقام .
أما قول أخينا : " قصر نظرنا و عدم تدبرنا للقرآن الكريم و لسيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم ،فصارت نظرتنا لقضايا أمتنا نظرة سطحية مادية تخلو من المعاني الروحانية ...!" ، فأنا أتفق معه من حيث المبدأ ، فلقد وصلت أمتنا إلى انحسار حضاري أدى بها إلى استيراد كل شيء حتى عن أسباب وضعها ، فأصبحنا نسمع تحاليل لوضع الأمة لا تنطلق من ثقافتها ، ومن ذلكم الربط بين الوضع الإقتصادي و السمو الحضاري ، و لعلّ ما تعانيه الأمة من فقر أَسهم في رسم هذه الفكرة في أذهان الناس .
أما القرآن فقد أصل للبناء الحضاري انطلاقا من بناء الروح و الفكر على وزان القرآن ، بحيث أن القرآن غالبا ما يربط بين النمو الإقتصادي و السمو الروحي من مثل قوله تعالى : " (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16) الجنّ) و قوله جل و علا : "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ". فهذا ليس معناه أن الأمة تزهد في الدنيا و تتجرد للعبادة . كلا، فلا بد من تحقيق الشروط الحضارية التي لا تحابي أحدا ، لكن ميزة حضارة الإسلام أنها تنطلق في بناء الحضارة من خلال نظرة قرآنية تجعل الإنسان محور حركة الكون ، باعتبار مسؤولية الخلافة المنوطة به .
أما الصنفان المذكوران في الحديث فلا تعارض بينهما ( لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ).
فالمال و القرآن كلاهما يعضد صاحبه ، فالأمة محتاجة إلى هذين الصنفين ، فالمال باعتباره عصبا للحياة ، و القرآن بصفته منهجا ربانيا لتصريف المال على الوجه الذي يرتضيه الله ، و لذلكم فلقد أرشد القرآن في تأطير المال من حيث وجوه :
1) أصل في طرق اكتسابه و ووجوه إنفاقه
2) أرشد إلى التجرد من سطوته و تطهير النفس من التعلق بسلطانه
3) حرك النفوس من أجل تسخيره في منفعة عاجلة و آجلة
إذن فالمال ضرورة ، و اكتسابه بالطرق المشروعة لا يتنافى مع الزهد في الدنيا ، و لقد صدق الحبيب إذ قال :" نعم المال الصالح في يد الرجل الصالح " ، فالعبرة بأصله و باليد التي تسهر عليه.
فكل ميسر لما خلق له ، فهناك بعض الناس لهم استعداد خاص للتجارة و مهارة في ذلك ، و هكذا كان دأب بعض الصحابة الذين جندوا أموالهم لخدمة هذا الدين.
ولقد استوقفتني عبارة : "آتاه الله"، فهو عطاء من الله من حيث فتح الله لهم باب السير إليه من شتى الطرق ، فهناك من يقوى على الصيام لا يطيقه غيره ، و هكذا دواليك ، وما أجمل ما قاله ابن عطاء الله : "تعددت واردات الأعمال بتعدد واردات الأحوال "