المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رمضان أعظم مائدة ربانية تتولى تنقية المؤمن وتقويته وترقيته للدكتور الشاهد البوشيخي


عبد المجيد
08-14-2010, 07:49 PM
رمضان أعظم مائدة ربانية تتولى تنقية المؤمن وتقويته وترقيته
كلمة الدكتور الشاهد البوشيخي ضمن ندوة المجلس العلمي المحلي بفاس عن أحكام الصيام وفضائله بتارخ 6 رمضان 1427ه/ 29 شتنبر2006م
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على محمد وآله، ولاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا، اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا وزدنا علما، اللهم افتح لنا أبواب الرحمة وأنطقنا بالحكمة واجعلنا من الراشدين فضلا منك ونعمة، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
أيها الأحبة:
موضوع هذه الكلمة بسيط لأنها مجرد مشاركات صغيرة، خصوصا وقد أكرمنا الله وإياكم بالاستماع إلى كتاب الله عز وجل في هذا المسجد المجاور بتلك التلاوة المباركة. جزى الله هؤلاء الشباب، الذين هم بمثابة فواكه متنوعة كلها طيبة. وإننا لنحمد الله تعالى كثيرا على هذه النعمة، فإننا نرجع إلى عشرين سنة أو ثلاثين سنة كنا لانكاد نجد مسجدا نستمتع بتلاوة القرآن فيه، وما زلنا نذكر أن عددا من الأصدقاء كانوا يحجون من نقط متعددة في المدينة إلى مسجد بعينه. أما اليوم وبحمد الله تعالى تكاد المساجد كلها تتنعم بهذا الخير العميم زادنا الله من فضله.
رمضان أعظم مائدة ربانية تتنزل من السماء
أقول بعد هذا، الله أمرنا سبحانه عز وجل بتدبر كتابه "كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته" "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها" تدبر كتاب الله عز وجل واجب وهو منطلق الخير، أسرار القرآن لن ينفذ إليها إلا بالتدبر، كأسرار هذا الكون لن ينفذ إليها إلا من خلال التفكر "إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الالباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار"
انطلاقا من هنا أقول: ماهو رمضان؟ فالسنة مكونة من اثني عشر شهرا "إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والارض " شهر واحد منها اسمه رمضان، وهذه الشهور ربطها الله بالنظام القمري، لتتم الدورة في نحو ثلاث وثلاثين سنة، حيث يعود كل شهر إلى مكانه الأول، معنى ذلك أن هذا الشهر يأتي مرة واحدة في السنة، ولكن في كل مرة يأتي في وقت غير الوقت الذي جاء فيه من قبل.
على مدى سنة يزورنا حين يزورنا، في صورة مائدة أنزلها الله سبحانه من السماء، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، فالذي ينتبه إلى أنها مائدة فعلا فإنه يقبل عليها بنهم، وهي تسير بتؤدة ونظام معين. أوائل رمضان ليست كأواسطه، وأواسطه ليست كأواخره، فهو يسير بمثابة إسراء وعروج إلى رضوان الله سبحانه عز وجل، كلما اتجه إلى خاتمته استدعى من العبد أن يجتهد في عبادته، أن يجتهد في العبادة أكثر، ويأخذ من المائدة أقصى ما يستطيع، لأنها تزداد امتلاء كلما اتجهت إلى الأخير، حتى تأتيك العشر الأواخر فإذا بها مليئة بأعظم ما يتصور، وهو عمر الإنسان بكامله يأتيه في ليلة واحدة ليلة القدر "ليلة القدر خير من الف شهر" بمعنى أنها أكثر من ثمانين سنة، ليلة واحدة إن أدركها العبد وقامها إيمانا واحتسابا فإنه يكتسب حياة أكثر من حياته، يعني هو لن يعيش أكثر من ثمانين سنة، بينما في ليلة واحدة ياخذ أجرا أكثر من ثمانين سنة، وكلما تدرج في العشر الأواخر، ليالي العتق التي فيها لله كل ليلة عتقاء من النار.
رمضان إذا نظرنا إليه بهذا الشكل على أنه هدية ربانية ومائدة جاءنا بها الله عز وجل، ويعطينا الفرص كل سنة لنتزود من هذا الزاد الرباني الهائل الذي يملؤنا بالطاقة ملءا خياليا، إذا تعاملنا معه على هذا الأساس، فرمضان لايصبح شهرا عاديا، بل يصبح شهرا منتظرا، ينتظره العبد متى يأتي، لأن الخير الذي فيه ليس في غيره، كما أنه يصعب عليه أن يودعه، والعبد الصائم الصادق في شهر رمضان كلما اقترب من نهايته بدأت الحسرة تدب من ناحيته لأنه سيرحل ولن يأتي إلا بعد عام، فهل سيدركه أو لا يدركه؟ نسأل الله سبحانه أن نكون ممن يدركون رمضان ويصومونه كما يحب الله عز وجل أعواما مديدة بفضله تعالى.
فهذا جانب ينبغي أن نستحضره دائما لنذوق رمضان ونوفي هذا الشهر العظيم حقه، أي نستفيد نحن ولا تضيع لنا الفرصة فهي فرصة مارة كل لحظة فيها ينبغي أن تنتهز، هذا جانب.
هدف التقوى في رمضان يشمل: التنقية والتقوية والترقية
جانب ثان في رمضان يفهم بالتدبر، هو أنه تدريب للمؤمن والمؤمنة، تدريب لأهداف ثلاثة واضحة يجمعها الهدف القرآني المعلن المذكور "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" ما التقوى؟
التقوى اسم جامع لكل صور البر في هذا الدين، نذكر من ذلك أهدافا ثلاثة كبيرة جدا تدخل ضمن دائرة التقوى هي: هدف التنقية، وهدف التقوية، وهدف الترقية، كيف؟
أقول هذا التدريب في الإسلام كما تعلمون يريد من المسلم أن يكون قويا أمينا "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير" هذا المؤمن يبنيه الإسلام بشعائره كلها، يبنيه بالفرائض والنوافل "ولايزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه..." فالعبد يصبح وليا لله، فكيف تكون وليا يحارب الله من حاربه، ويوالي من والاه، ويعادي من عاداه؟
ذلك بطريق الفرائض أولا "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه" ثم بالتقرب بالنوافل بلا حد.
هذه الفرائض وهذه النوافل تبني المسلم الذي يصلح لحمل الرسالة الإسلامية إلى العالم كله، المسلم الذي يصلح للشهادة على الناس، فهل يشهد على الناس الضعفاء؟ لن يشهد على الناس إلا الأقوياء، والإسلام يبني الأقوياء.
في رمضان هناك أشياء محرمة أصلا، هل رمضان يتجه إلى هذه؟ لا لا لا، هذه أشياء خارج رمضان، ممنوع أن تشرب الخمر، أن تزني...هذه أشياء خارج رمضان، الآن ما هو حلال يحرم عليك من وقت إلى وقت، من طلوع الشمس إلى غروبها، الحلال يصبح حراما، وخصوصا الشهوتان الكبيرتان اللتان منهما يدخل الشيطان، لماذا هذا؟ ليصبح الإنسان قوي الإرادة لا يواجه فقط المحرمات بل يستطيع أن يتنازل عن بعض الحلال إرضاء لله عز وجل، ويتدرب على الصبر عن الجوع والعطش، ويتدرب كذلك على الصمت "وإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم" هذا تقويه الإرادة، لأن المؤمن يحتاج إلى هذا العزم، هذه القوة.
كيف يحبنا الله؟ "ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس" إذا لم يكن هذا الزهد في غير رمضان فلنتدرب عليه في رمضان، ولذلك هذا التوسع في المآكل في الليل لايناسب هذا المقصود، لايناسب الهدف من رمضان، غير مناسب أن نأكل كثيرا، غير مناسب أن ننوع الأطعمة والأشربة، هذا ضد الهدف من رمضان.
ثم إنه في رمضان كما تعلمون كانت أهم الغزوات، وأهم الفتوحات، وأهم المعارك الإسلامية في تاريخ المسلمين في رمضان"وكان منا الصائم ومنا المفطر" كما ورد في الحديث الصحيح هناك من هم صائمون يقاتلون في سبيل الله، كيف يكون هذا؟ يكون بهذه العزيمة القوية، بهذه الإرادة العالية، فإذن رمضان مدرسة، وسماه الرسول صلى الله عليه وسلم شهر الصبر، وتعلمون أن الصابرين هم الرأس عليهم صلوات من ربهم ورحمة.
الصابرون يدخلون الجنة بغير حساب، والصابرون درجة عليا في المجاهدين " ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم" هذه الدرجة يوصل إليها من خلال جهود وتدريبات، فرمضان كل سنة يأتي ليكون مدرسة للتدريب لجميع الأمة ، وهذا هدف آخر.
انظروا من هذه الزاوية أيضا: أن الصلاة على سبيل المثال نتوحد فيها من حيث المضمون، ولكن نختلف في الزمان والمكان، بينما في الصيام نختلف في المكان ولا نختلف في الزمان، ولا ينبغي أن نختلف، في الحج نتوحد في الزمان وفي المكان وفي المضمون، فهناك النهاية، في الحج المسلمون المؤمنون جميعا في مكان واحد، في زمان واحد، في أعمال واحدة، ولذلك كان بذلك المستوى.
رمضان مدرسة الصبر لتكوين الأقوياء الأمناء
فإذن أقول وأعود إلى رمضان لأقول إنه مدرسة للصبر، مدرسة لتكوين الأقوياء الأمناء الذين يمكنك أن تأتمنهم على الأموال وعلى الأعراض ولا يمسونها بسوء، هذا مهم جدا للذين يحضرون للولاية، يحضرون للأمانة، لحمل المسؤولية، فلا بد أن ننظر إلى رمضان من هذه الزاوية.
وإذن هذه المدرسة تضرب على ثلاثة أمور، وتفسح لك الفرصة في ثلاثة أمور، سميتها بالتنقية، ثم التقوية، ثم الترقية.
أما التنقية فلقد جاءكم المطهر: من قام رمضان وصامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، هذه فقط تكفي، رمضان وحده إذا صدق الإنسان فيه ربه، ووقف وقفة صحيحة مع مولاه، فإنه يمكنه أن يفوز بالمغفرة الكاملة لما تقدم " غفر له ما تقدم من ذنبه" "رمضان إلى رمضان كفارة" هو في حد ذاته وطبيعته كفارة، والصلوات كفارات، على قاعدة إن الحسنات يذهبن السيئات، ولكن رمضان ليس شيئا عاديا، لايكفر سنة فقط، يمكن أن يكفر عمرا، هذا شيء مهم معناه إذا قلنا التنقية فهو التنقية فعلا، هذه طبيعة هذا الشهر.
وإذا قلنا التقوية الروحية فرأسها الانتفاع بالقرآن، والتنور بالقرآن، هذا شهر القرآن، هذا شهر الوحي، وأعظم ما يستقبل به الوحي هو الصيام، شكرا لله على نعمة القرآن، تأمل يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى فيه موسى كيف نحتفل يهذه الحادثة؟ بصيام عاشوراء.

** نشر بجريدة المحجة الصادرة بفاس بتاريخ 23 رمضان 1427ه/ 16 أكتوبر 2006م

داعي الي الخير
08-16-2010, 12:02 PM
السعيد من نال الرحمة والمغفرة في هذا الشهر والشقي من حُرم فيه الخير