المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقال للأستاذ الأنصاري : مستشفى موصول بالسماء!


سعد
09-19-2010, 02:31 PM
هو مستشفى.. لكنه ليس كسائر المستشفيات! إنه مستشفى مختلف تماماً. فبمجرد ما تدخل بوّابته الأولى تشعر بدفء روحيّ جميل تماماً، كما يشعر المؤمن بدفء الإيمان حينما يدخل صفّ الصلاة! كل شيء فيه يشير إليك بتحية "السلام"؛ فتغمرك الطمأنينة العميقة و الأمان!

ليس لأنه فقط متربّعاً على شاطئ من أجمل شواطئ إسطنبول، مطلاًّ بنوافذه الفسيحة على بحر مرمره و جزوره الجميلة، و لا لأنه مجهَّز بأحدث الآلات الطبّية، و لا لأنه جمع من كل أقسام التخصّصات الطبية و سائر أنواع التداوي و العلاج، و لكنه علاوة على ذلك كلِّه لأنَّه يضمّ بين جوانحه الدافئة أعظم شيء و أهمّه في مجال الطب و التداوي، بل في مجال الحياة بأكملها : الإنسان! الإنسان بكل مراتبه و اختصاصته : الأطبّاء، و الممرّضات، و المساعدون، و العاملون، و الأعوان. كلهم جميعاً يمثلون وجهاً مشرقاً بالنور لهذا المستشفى العيم! نظَرَاتهم تحدّثك عن مدى الحب العميق الذي ينبض في قلوبهم تجاه مرضاهم، و تُجَاهَ كل من يطرق بابهم لاستشارة طبية. إن هذا الروح العظيم الذي يفيض من هذه القلوب المتيمة بِحُب الخير، الفانية في خدمة الإنسان، جعل هذا المستشفى يمتلئ رَوْحاً و رَيْحاناً يملأ قلوبَ المرضى و الزائرين بالأمل العظيم، و يطرد عنهم اليأس و القنوط إلى الأبد! بل إنني قد رأيتُ ـ و أنا أحد نزلائه لفترات عديدة ـ النورَ يفيض بقوةٍ من شرفاته و نوافذه، فيمتد كَغُدْران الكوثر؛ لِيَرْوِي الأحياء المجاورة له، بل ليروي مدينة إسطنبول كلها، بل ـ و لم لا ـ ليروي بلاد الأناضول كلها! و السر في ذلك أن الحب الذي تتدفق جداوله من قلوب طاقمه الإداري و الطبي و التمريضي لا يقف عند حدود بناية المستشفى، و من ذا قدير على جعل السدود للحب و الجمال إذا تدفقت أنهارهما؟!

نعم، هو مستشفى.. لكنه ليس كسائر المستشفيات، إن المريض إذ يتلقى العلاج يشعر بلمسات يد الطبيب تبث في جسمه شعورا بالسعادة الغامرة و الراحة الشاملة، فتتواصل القلوب بين الطبيب و المريض بلغة غير قابلة للكتابة و التوصيف! إنها لغة الإخلاص! هذه اللغة التي لا يتقنها إلا من تعلم بمدارس الروح، و أَدْلَج بناشئة الليل الساجي، و رتَّل بوجدانه الجريح أحزانَ المستضعفين ترتيلا!

أطباء و ممرضون و عاملون من طراز آخر، فنَوا عن ذواتهم و مصالحهم الشخصية و حظوظهم الدنيوية، و قطعوا الصلات مع دنيا الشهوات؛ فكانوا خير خدام للخير و المحبة و السلام، يوزعون أقراض الأمان و الأمل قبل أقراص العلاج و التداوي الحسي. فما من مريض تلمسه أيديهم المباركة إلا و شرب بروحه من هذا الوِرد الكوثريّ الصافي، فأنى للمرض بعد ذلك أن يسكن بجسمه أو بقلبه؟ فلله درّهم أي رجال هم؟!

كل المستشفيات عندما تدخلها تزكمك رائحة الأدوية و أنواع الكحول و مواد التطهير، فربما انقبضت النفس من هذا أو ذاك، بينما الداخل إلى مستشفى "سماء" بمجرد ما يضع خطوته الأولى بين جوانحه تغمره رائحة الجنة! و يبهره ربيعٌ ملائكيٌّ امتزج أريجُه بأنداء الرُّوح! كل شيء هنا مبتسم، يفتح أحضانه منشرح القلب، لاحتضان الجِراح الحزينة و الأضلاع المنكسرة! بَسَمات هي و لكن ليست ككل البسمات، فكثير من الأطباء و الممرضات في مستشفيات الدنيا، يرسمون على وجوههم بسمات تُرهب المريض أكثر مما تؤمنه و تطمئنه! لأنه يرى أنها ليست سوى بسمات صفراء، تفرضها المهنة و صناعة التطبيب و التمريض! بسمات ميتة لا رُوحَ فيها و رُواء! ذلك أنهم مجرد موظفين أشبه ما يكونون بمذيع الأخبار بالتلفزيون، إذ يصف الحوادث الرهيبة و أخبار الحروب و الموت و الدمار، فيرسم على وجهه بعدها بسمة باردة..! لكنه ههنا في "سماء" يرى البسمات تنتشر هنا و هناك كالشجيرات الخضراء، و تتفتح أزاهيرها زَكِيَّة الأريج، كرائحة الوَرد البَرِّيّ تجذب القلوب من بعيد!

لقيت شيخا مريضا مرة بأحد مصاعد المستشفى، رآني فاستغرب لباسي فعرف أنني من بلد بعيد؛ فسأل صاحبي، فأخبره بقصة السفر في كلمات، فقال لي الشيخ : "ستشفى بإذن الله، لقد أصَبْتَ المكان المناسب!"

إن سرَّ النجاحِ الباهر هو في إخلاص هؤلاء الفتية الذين آمنوا بِمُهمَّتهم النبيلة مخلصين على أتم ما يكون الإخلاص! فنظروا بعمق بصيرتهم إلى المريض و شاهدوا فيه "الإنسانَ" بما يحمل من خَوَالِجَ نفسيَّة و آلام روحية، فأدركوا مواطن العلة بِبَصَائرهم قبل أي جَسٍّ أو أي فحص أو تحليل لمكونات الطينِ و الحَمَإ المَسْنُون!

إن الطبيب الحق إنما هو الذي يعالج المريض إنسانا كُلاًّ لا يتجزأ، رُوحا و مادة. لا الذي يراه أنه جهاز من الميكانيك تعطلت بعضُ قطعه؛ فجعل يصلحها أو يبحث لها عن قطعة غيار! إن مثل هذا الطبيب ـ حتى و لو نجح في إصلاح هذا العطب المادي المحسوس ـ فلن ينجح أبدا في تذويق مريضه طعمَ الشفاء الكامل و لا لذة السعادة و الانشراح! و أنَّى لِمَيِّت الروح أن يعالج جريح الروح؟!

و إنْ كنتُ أعجبُ فإنما أعجبُ لطبيب يشرق شعاع الشمس البلوري على مكتبه فيوصد دونه الأبواب و النوافذ، و لا يَغْرِفُ من جداوِلِه بهجةَ المكان و إشراق الروح! ذلك أن المريض إذْ يُقبل على المستشفى، يقبل منكسرِ الكبرياء، محطم الأنانية، مستسلما روحا و بدنا بين يدي الأطباء و الممرضين، تماما كما يدخل العبد المذنب إلى المسجد فيجلس بين يدي الواعظ مستسلم الروح، يملأه الحزن و الأسى على ما فرط في حق ربه، راجيا أن تصدر من الواعظ كلمة واحدة ترجع له الأمل، و تدله على مسلك من مسالك التوبة. فإضاعةُ الطبيب لفرصة علاج وجدان المريض المستسلم بين يديه قبل علاج بدنه، هي تماما كإضاعة الواعظ لفرصة الهداية لمثل هذا العبد المنكسرالمستسلم بين يديه! و رُبَّ طبيب كان في الدلالة على الله أَبلغَ من عشرات الوعاظ المحترفين، و لو لم ينطق بكلمة واحدة من قاموس الإصطلاحات الدينية، كلما نطقت لغة الروح الخفية بقلبه؛ فتكلمت عيناه و لَمساتُ أنامِلِه إذ يُبَاشرُ مريضه بالفحص و العلاج! إن الخُلق الصامت في المؤمن لَيُشبه النهرَ المتدفق بصمت بين الرَّوَابي لِعُمْق غَوْره و بُعْد قَراره، فهو أبلغ في الوصول إلى أبعد السهول و أقوى في إرواء المساحات و أسرع في قطع المسافات!

إن الطبيب الحق يعطي أكثر مما يأخذ، بل يعطي و في الحقيقة لا يأخذ شيئا! لأن المال الذي يستفيده لضرورة عيشه، لا يساوي و لا نَزْفةً واحدة من روحه، إذ يقتطع منها ضِماداتٍ لمريضه الجريح!

كل المرضى إذا دخلوا المستشفيات دخلوا ظلومات الحزن و الاكتئاب، و من ثم تتعلق قلوبهم الليل و النهار بلحظة الخروج و الانفراج! إلا في "سماء"، فالقلوب ههنا بمجرد ما تتمدد على أسرَّتِها تُوصَل مباشرة بحبال النور، فتُرْبط مباشرة بالسماء! فتتلقى لطائفُهم دواءَ الملكوت العُلْوي، قطرات متواترة، تمنحهم الأمل و تجدد لهم الحياة، تماما كما تقطر قارورة السيروم في دم المريض الحيويةَ و النشاط! حتى إذا ذاقوا ما ذاقوا؛ تعلقوا بهذا المستشفى و خدامه؛ فنسوا ليس لحظة الخروج فحسب، بل دنياهم و أعمالهم و أموالهم، و في كثير من الأحيان حتى أبناءهم! فدفء الأسرة ههنا يحيطهم، و محبة الأهل ههنا تغمرهم، متدفقة عليهم بصدق الشعور من كل طبيب أو ممرضة تطرق بابهم. خلق رفيع متساوي البصمات، يرعى المريض من الطبيب إلى عاملة النظافة.

طبعا، لم ينشأ هذا المستشفى من فراغ، و لم تنبت شجرته الطيبة عبثا، بل كان وليد خدمة ربانية، فَنِي رجالها في خدمة الخير، و احترقوا بقدح زناد النور في كل مكان! لم تكن بِنايته من أحجار و إسمنت و حديد، بل كانت من أضلاع العاشقين، و سواعد الفاتحين، و دماء الشهداء و الصديقين! الذين وهبوا أرواحهم لله، فبذلوا النفْس و النَّفيس، و تبرؤا من حظوظهم الدنيوية، و اغتربوا في الفَيَافي والمَنَافي، ما بين بلاد القر إلى بلاد الحر! لِترتفعَ راياتُ السَّلام هنا و هناك، مدارس و مستشفيات تُبشِّرُ العالمَ المظلم بأن في الدنيا بقيةَ خير، سَتُشْرِق على كل الأرض بعد صبح قريب!


المصدر : مجلة حراء ـ عدد خاص عن الأستاذ فريد الأنصاري رحمه الله

محمد-24
09-19-2010, 03:48 PM
رحم الله سماحة الوالد الشيخ المربي فريد الأنصاري، رحل عنا نعم بجسده لكنه معنا بما خلف وترك من تراث ورسائل.
قلم سيال وأدب عال ، وأسلوب رفيع لا يمل.
وبارك الله في أصحاب مستشفى سماء باستنبول والعالمين فيه.
ولدي سؤال عن هذا العدد الخاص الذي ذكرته أخي سعد من مجلة حراء عن الشيخ فريد الأنصاري رحمه الله ، متى صدر حتى أبحث عنه.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

سعد
09-19-2010, 04:41 PM
بارك الله فيك أخي محمد على اهتمامك.

أما عن هذا العدد فإنه يدخل في سلسلة ملاحق مجلة حراء، و قد كان عنوان هذا الملحق : "فريد الأنصاري.. رجل الفكر و القلم". و هو يحتوي على كل مقالات الأستاذ رحمه الله التي تم نشرها في المجلة. و يمكن الإطلاع على بعض منها في موقع المجلة على الرابط :

http://www.hiramagazine.com/author_show.php?Y_ID=8

و لا أدري حقيقة هل ما يزال هذا العدد يباع في الأسواق. و إنما حصلت عليه عندما تم توزيع نسخ مجانية على كل من حضروا الأمسية التكريمية للأستاذ فريد و التي نظمتها المجلة قبل حوالي سبعة أشهر.

محمد-24
09-19-2010, 06:32 PM
مشكور أخي سعد وسأبذل جهدي للحصول على هذا العدد

محمد لغزيل
09-19-2010, 09:57 PM
بارك الله فيكم جميعا على هده الكلمات العدبة
والله العظيم قد اشتقنا الى الشيخ، رحمك الله وجمعنا واياك مع الحبيب المصطفى في جنات الفردوس
امين


اما عن تدخلي فأقول:

هل نحن كمهندسين وأطباء و أساتدة و معلمين و ... نخلص في اعمالنا ؟؟؟؟؟؟
هل نتواضع مع الخدم (les techniciens) ؟؟؟
هل نحبهم ونعطف عليهم، كما كان يفعل النبي ص مع الصحابة ؟؟

كلها اسئلة يجب الرجوع اليها


اللهم ارزقنا التواضع يا رب، وارزقنا الاخلاص

عندليب
09-21-2010, 08:36 PM
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.


رحمة الله على الشيخ الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله.


نعم إن العطف على الموظفين أو الزبناء هو نتيجة للإخلاص، كما قال الشيخ في المقال. و الإخلاص لغة تواصل روحية عميقة جدا، و لا يمكن تعلمها بتكلفها و مجاهدة النفس عليها فقط، بل ينبغي أن يكون هناك قيام ليل و خلوات بثلث الليل الأخير حتى يصير الإخلاص كالنَّفَسِ و الهواء. و لن تتغير سلوكاتنا في مؤسساتنا إلا عندما تنتشر لغة الإخلاص فتصبح لغة شعبية عمومية. و الله أعلم.


و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

سعد
09-25-2010, 08:33 PM
لدي إضافةُ على ما تكرم به الإخوة : و هي أن السِّر كل السر هو في أن يقتطع الطبيب "نزفة من نزفات روحه ليضمد بها جراح المريض" كما عبر الأستاذ رحمه الله. ربما نتخيل شيئا كهذا في مجال التطبيب ـ و إن كنا لا نراه في واقعنا للأسف الشديد ـ لكن هل نتخيل شيئا مثله في باقي المجالات العمرانية الأخرى؟!

ــ مثلا، مهندسا معماريا يبني العمارات بروحه و وجدانه، و بإخلاص تام.

ــ أو عامل نظافة يضحي بحواسِّهِ من أجل أن ينعم إخوانه بالطهارة و المنظر الجميل.

ــ أو ضابط شرطة يقضي الليل كله ساهرا حتى ينام إخوانه في أمن و سلام.


إن العلاقة بين العبد و ربه من جهة، و بين العبد و العبد من جهة أخرى لهما مترابطتان جِدّا. فَمَن أخلص لله صِدقا، و كان مع الله فردا، كان تعامُله مع باقي الناس على أساس التضحية التامة و التفاني في الخدمة. و هذا ما عليه العاملون في مستشفى سماء.

فهل يأتي يوم نرى هذه النماذج كثيرة بيننا..؟!