المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نحو منهج تدبري للقرآن الكريم


أبو أويس عبد العزيز
06-08-2009, 10:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ مُنْزِلِ القرآن، والصلاةُ والسلامُ على مَن خُلُقهُ القرآن، وعلى آلهِ وأصحابهِ الذين علَّموا القرآن، ومَن تبِعهم بإحسانٍ مِن أُمَّةِ القرآن.
و بعد فهذه وقفات علمية مُمنهجة حول موضوع التدبر وما يرتبط به من أصول و ضوابط،، أقدمها لأخواني الكرام، على قلتها وضعف مادتها العلمية، لعلها تفتح أمامهم أبوابا أخرى للبحث و التنقيب في هذا الموضوع الخصب،،، وهذا جهد المقل، راجيا الله عزوجل أن يلهمني الصواب و السداد و ما توفيقي إلا بالله.
الوقفة الأولى: معاني التدبر اللغوية
بالنظر في معاجم اللغة نجد أن المادة الأصلية لكلمة التدبر هي (د ب ر)، وهذه المادة تدل على معانٍ عدة هي:
الذهاب والانصراف:
يقول الخليل(ت 170 هـ):"ويقال للقوم في الحر: وَلُّوهُم الدُّبُرَ والإِدبار، والإدبار التَّوْلِيةُ نفسُها... وإدبارَ النُّجومِ، عند الصُّبحِ في آخر اللّيل إذا أَدبَرَتْ مُوَلِّيةً نحو المغرب"( )، ويقول ابن سيدة(ت 458 هـ): "دَبَر الليل والنهار يَدْبُر دُبوراً"( ) ، أي: ذهب وولى.
مؤخرة الشيء:
لذا تذكر هذه المادة في مقابل القبل كثيرا وقد نص على ذلك الخليل بقوله:" دُبُر كلِّ شيءٍ خلاف قُبُله ما خلا قولهم: جَعَلَ فلانٌ قَولي دَبْرَ أُذُنِه أي خَلْفَ أُذُنه ودُبُرَ أذنه"( ).
وقد جمع الزمخشري(538 هـ) كثيرا من أقوالهم في ذلك، ومما ذكره قولهم :" قبح الله ما قبل منه وما دبر، والدلو بين قابل ودابر: بين من يقبل بها إلى البئر وبين من يدبر بها إلى الحوض، وما بقي في الكنانة إلا الدابر وهو آخر السهام، وقطع الله دابره وغابره أي آخره وما بقي منه، وصكّ دابرته أي عرقوبه... "( ).
عواقب الأمور:
وقد يكون هذا من الدلالة المجازية، المنقولة من الدلالة الحسية التي سبق ذكرها، يقول الخليل:" والتدبير: نَظَرٌ في عَواقِبِ الأمور، وفلانٌ يَتَدَبَّرُ أعجازَ أمورٍ قد وَلَّتْ صدورُها"( )، ويقول الزبيدي(1205 هـ): "ويقال عَرَف الأَمرَ تَدَبُّراً أَي بأَخَرَةٍ ، قال جَرِير :
ولا تَتَّقُون الشَّرَّ حتَّى يُصِيبَكُمْ ... ولا تَعْرِفون الأَمرَ إلاَّ تَدَبُّرَا "( )
التقاطع والهجران:
يقول الخليل:"والتَّدابُر: المُصارَمة والهجْران، وهو أن يُوَلِّي الرجل صاحبَه دُبُرَه ويُعرضَ عنه بوَجهه"( ).
التجاوز :
جاء في الأساس:"دبر السهم الهدف: جازه وسقط وراءه"( ).
التتبع والتعقب:
يقول الخليل: "والدابِرُ: التابع، ودَبَرَ يَدْبُرُ دَبْراً أي تَبِعَ الأَثَر، وقوله تعالى: " والليلِ إذا أَدْبَرَ " أي وَلَّى ليذهَبَ، ومن قَرَأَ: دَبَرَ أي تَبِعَ النَّهارَ، ...واستَدْبَرَ فلان فلاناً من حِينه: أي حين تَوَلَّى تَبِعَ أمرَه"( )، وجاء عند الأزهري(370 هـ):"قال: ويقال عقَّبت الأمر، إذا تدبرته، قال: والتعقُّب: التدبُّر والنظر ثانيةً، قال طفيلٌ الغنوى:
فلن يجد الأقوامُ فينا مَسَبَّةً ... إذا استُدبرتْ أيَّامنا بالتعقُّبِ
يقول: إذا تعقبوا أيامنا لم يجدوا مَسَبَّةً"( ).
ريح خاصة:
تسمى بالدَّبور "وسميت دبوراً، لأنها تجيء من دبر الكعبة"( ).
وهناك معان أخرى يمكن استنباطها من إيرادهم التدبر تفسيراً لبعض الكلمات، ومن ذلك:
الحرث:
يقول الزمخشري في الأساس: "وحرثت القرآن: أطلت دراسته وتدبره"( ).
التطفيل:
يقول الزمخشري: "وطفلت الكلام ورشحته: تدبرته"( ).
الفلي:
يقول الزمخشري: "فليت الشعر: تدبرته وفتشت في معانيه"( ) .
الاقتداح:
جاء في الأساس: " ومن المجاز: اقتدح الأمر: تدبّره"( ) .
التعقل:
"التعقل :التدبر، وتعقلت الشيء تدبرته" ( )

ومن خلال النظر في كل ماسبق نلحظ تقارب المعاني، وأن جلها يعود إلى عاقبة الشيء ومؤخرته، وقد كفانا ابن فارس(395 هـ) مؤونة رد تلك المعاني إلى معنى كلي بقوله::"(دبر) الدال والباء والراء، أصل هذا الباب أنَّ جُلّه في قياسٍ واحد، وهو آخِر الشَّيء وخَلْفُه خلافُ قُبُلِه. وتشذّ عنه كلماتٌ يسيرة نذكرُها، فمعظم الباب أنَّ الدُّبُرَ خلافُ القُبُل"( )، ووجه ابن فارس كثيرا من الأقوال وفقا للمعنى الذي ذكر فقال:" ...من ذلك ودبَّرْتُ الحديثَ عن فُلانٍ، إذا حدَّثتَ به عنه، وهو من الباب؛ لأنَّ الآخِر المحدِّثَ يَدْبُر الأوّلَ يجيءُ خَلْفَه، ...وقد دَبَرَ يَدْبُرُ دُبُوراً، والدَّبَرانُ: نجمٌ، سمِّي بذلك لأنَّه يَدْبُر الثّريّا. ودابَرْتُ فُلاناً: عاديتُه. وفي الحديث: "لا تَدَابَرُوا"، وهو من الباب، وذلك أنْ يترُكَ كلُّ واحدٍ منهما الإقبالَ على صاحبه بوجْهه، والتدبير: أنْ يُدبِّر الإنسانُ أمرَه، وذلك أنَّه يَنظُر إلى ما تصير عاقبتُه وآخرُه...والدّابر من القِداح: الذي لم يَخْرُج؛ وهو خلاف الفائز، وهو من الباب؛ لأنَّه ولّى صاحبَه دُبُرَه. والدَّابر: التابع؛ يقال: دَبَرَ دُبُوراً. وعلى ذلك يفسَّر قوله جلَّ ثناؤُه: { واللّيلِ إِذا دَبَرَ(2) } [المدثر 33]، يقول: تَبِع النَّهارَ...وأما الكلمات الأُخَرُ فأُراها شاذّةً عن الأصل الذي ذكرناه، وبعضُها صحيح"( )
وبهذا ندرك أن دلالات هذه المادة يمكن أن ترشدنا إلى أن (التدبر)، يحتاج إلى: التتبع، الوصول للغايات، التعمق.
يُـــــــــــتــــــــــــبـــــــــع

سعد
06-25-2009, 07:09 PM
جزاك الله خيرا أخي أبا أويس على هذه المقدمة.

في انتظار الحلقة الثانية إن شاء الله.

محمد
07-05-2009, 09:57 PM
السلام عليكم ورحمة الله
أتمنى أن يكون أخونا عبد العزيز بأتم صحة وسلامة ولا دليل على هذا يطمئننا به أبلغ من طلعة مشرقة أخرى.يسر الله أمورنا جميعا إنه على كل شيء قدير.