المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مظاهر الدفاع الإنساني ولبنات النصر في القصص القرآني


عبد المجيد
11-23-2010, 04:33 PM
مظاهر الدفاع الإنساني

ولبنات النصر في القصص القرآني


إن صور الدفاع الإنساني تترى في الواقع، وهي متفاوتة بحسب قدر المتدافعين وحجمهما، وقيمة محل التدافع بينهما. فقد يقوم بين شخصين أو بين طائفتين أو فئتين متجاورتين أو غير متجاورتين، وقد يقوم بين حضارتين أو بالأحرى مذهبيتين كما هي طبيعة الدفاع اليوم، بل وفي كل يوم. وهو دفاع يتخذ إجمالا مظهرين اثنين:

الدفاع المتسالم

*الأول ما يمكن تسميته بالدفاع المتسالم، أي المتظاهر بالسلم، وهو أشبه ما يكون بالحرب الباردة، لأن المعتدي فيه يكون في موقع المتربص شرا بالمعتدى عليه، ولذلك فهو أعرق في الخداع من الخداع، إذ يبدي لمن يتربص به الدوائر الهدوء، لكنه هدوء موطئ لأبشع العواصف، نحو عاصفة الصحراء، وثعلب الصحراء، وغير ذلك مما أصاب أمة الإسلام –وما يزال- عبر تاريخها، وانتهى –فيما انتهى إليه- بسقوط بغداد.

والأمة وهي المستضعفة ينبغي عليها في هذه المرحلة، أعني مرحلة تربص عدوها بها، ألا تقف مكتوفة الأيدي أمامه، مغترة بهدوئه الخادع، بل لابد لها من تنشيط همتها وتجديد نشاطها على مستوى تدينها خاصة، بحيث ينبغي أن تستحضر بأفرادها وجمعياتها ومجتمعها الضابط التعبدي في كل حركاتها وسكناتها، وتخلص النية لله عز وجل في كل ما تأتي وتذر من جهودها، كل في مجاله الذي يسره الله له، وإلا كانت لحظة الانقضاض، انقضاض العدو المفترس الذي لا يألو في مؤمن إلا ولا ذمة، وهي اللحظة الحالقة لحرمات الأمة.

فلابد إذن من دفاع تديني عارم يتجدد به الإيمان في النفوس، أفرادا ومؤسسات، وإلا يفعل تكن فتنة في الأرض وفساد كبير كما نصت على ذلك كليتا الدفاع القرآنيتان، إذ مجرد تذوق بسيط لهما يكشف لنا أن وظيفة الدفاع المركزة في آية البقرة في قوله عز وجل " لفسدت الارض" جاءت مبسوطة في آية الحج في قوله تعالى " لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا" والهدم –وهو من أرقى صور الفساد في غياب الدفاع- إنما يلحق معالم التدين الحق عبر التاريخ، بمعنى أن درء الفساد عن الأرض، مذ شرع الله الشرائع، لم يكن ابتداء إلا بإحياء هذه المعالم، باسترجاع وظائفها الحقيقية.
فالمساجد التي هي المدارس الأولى للتدين الصحيح في شريعة الإسلام، ينبغي أن تيسر لما خلقت له، فيذكر فيها اسم الله كثيرا. ولا ريب في أن الذكر وإن تعلق بأسماء الله الحسنى لا يراد به مجرد الذكر اللساني الذي لا يتجاوز الحناجر، وإنما يراد به ما هو أعمق من ذلك وأعرق، وهو الذكر القلبي والعقلي معا، إذ هو أصل الذكر اللساني، فكل نشاط تعبدي لساني له أصل في القلب نفساني ينبغي أن يربط به.

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
فهذا النوع من الذكر المستحضر لرقابة الله، هو الذي ينبغي أن يسود في كل شبر من بلاد الإسلام، وينبغي أيضا أن يستصحبه المسلم حيثما كان ولو خارج بلاد الإسلام، فالأرضون كلها إلا ما استثنى الشرع من بعض بقعها مساجد كما أخبر عليه السلام " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" ومن ثم ينبغي ألا يحال بينها وبين أداء وظيفتها الكبرى التي هي ذكر الله كثيرا.

فالذكر على هذا النحو متى امتد امتداد بلاد الإسلام، وخالط قلوب أهلها فرادى وجماعات ومجتمعات، هو الذي يحفظ التدين، ويدفع البلوى، ويورث الأمان، ويوطئ لمن الله على عباده وتمكينه لهم في الأرض " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين" حتى إذا ما قدر الله البلاء لم يعز على الأمة تلمس سبيل الاهتداء إلى النصر بإذن الله.

ولقد سرنا كلما عصفت بنا العواصف مسيرات ومسيرات، لكنها لم تثمر النتائج المرجوة، فظلت مجرد صيحات غضب، ذلك أنا ضعيفو التدين، بعيدون عن الذكر بمعناه الصحيح.
الدفاع المحارب

*الثاني: الدفاع المحارب، وهو الذي تتسع فيه رقعة التدافع وتمتد، وتتنوع فيه أسلحة المتدافعين، فيأخذ صورة حرب حقيقية، تبرز فيها جلية كلتا القوتين الشاهية والغاضبة. وإنما الحرب حربان: جائرة يطلب بها المحارب غصب منافع غيره، وعادلة ينتصف بها المحق من المبطل.

وكثيرا ما عرض القرآن عبر قصصه مشاهد من هذه الحرب، مختلفة زمانا ومكانا وإنسانا، لكنها ذات طبيعة واحدة، بحيث تقوم بين متدافعين جائر وعادل، فاسد وصالح.

ولا ريب في أن الاهتمام بالقصص القرآني بقصد استلهام لبنات النصر فيه من أجل توظيفها في ساحة المدافعة، أمر لما يستوف حقه من العناية الفائقة بعد، على الرغم من وفرة مادته، ورحابة ساحته في القرآن الكريم، وكله شريط يكاد يكون مرئيا لجملة من أشكال التدافع الإنساني عبر التاريخ. نعم لقد تم الاهتمام بالجانب الجمالي لهذا القصص، بيد أن ذلك وحده لم يكن ليفي بالغرض، فكان لابد من الانتقال من مرحلة تذوقه التذوق الفني إلى مرحلة تفقهه الفقه الحكيم المتذوق للبنات النصر فيه استنباطا وتنزيلا.

والنصر في اللغة يأتي على معان منها الظفر والعون انتصافا للمظلوم وهو المراد هنا، ومنها العطاء وإتيان البلاد، وكلها تؤول إلى " أصل صحيح يدل على إتيان خير وإيتائه" كما قال ابن فارس في المعجم.

ولبنات النصر دعائمه ومقدماته التي يكون هو بمثابة النتيجة الطبيعية لها، بحيث يتحقق بعد توافرها وجوده وحقيقته.
والقرآن الكريم بشتى موضوعاته وأفانينه حافل بتلك اللبنات، غير أن تقصيها –يحسن أكثر ما يحسن- في القصص القرآني خاصة، وذلك لاعتبارات:

1-القصص القرآني وعاء لأشكال التدافع الإنساني عبر التاريخ، بحيث يعرض صراعات بين طرفين جائر وعادل، فاسد وصالح، وهما يمثلان بالتبع القوتين الشاهية والغاضبة، ويحسم النتيجة دائما لصالح أهل الحق والصلاح، فكان لزاما –والحالة هذه- على المقصود بهذا الخطاب البحث في مقدمات هذه النتيجة وأسبابها.

2-سلوك القرآن في سوق القصص والأخبار أسلوب التوصيف والمحاورة، أو طريقة التصوير كما قال الأستاذ الشهيد سيد قطب، ذلك أن " التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن ... وبه تصبح الحوادث والمشاهد والقصص شاخصة حاضرة فيها الحياة وفيها الحركة، فإذا أضاف إليها الحوار فقد استوت لها كل عناصر التخييل" واستخلاص لبنات النصر من هذا القصص الموصوف المصور، يكون أقرب وأيسر من استخلاصه في باقي الموضوعات الأخرى التي قد لا تتوافر فيها قوة التصوير المبثوثة في القصص القرآني، بحيث تصير القصة مشهدا محسوسا وصورة حية لا يعزب عن المتلقي شيء منها.

3-عرض القرآن لهذا القصص بهذا الأسلوب يجعل أحيانا الأحداث تتعاقب، والمشاهد تتتابع، فيسهل بذلك استخلاص ما ينبغي استخلاصه منها، وبانتظام، فتأتي العبر والفوائد فيها كالبنيان المرصوص.

وإذا كان التصوير والتوصيف ميزة القصص القرآني عامة، فإن تتابع الأحداث وتعاقبها لا يتأتى في كل قصص القرآن، بل نادرا ما يتحقق ذلك، لأن القرآن إنما " يذكر القصص والأخبار للموعظة والاعتبار، لا لأن يتحادث بها الناس في الأسمار" كما قال الشيخ الطاهر ابن عاشور رحمه الله، فيكون عرض القرآن للقصة كلها أو بعضها بحسب قدر الموعظة المناسب للمقام.

وبعد فهذه نماذج لبعض لبنات النصر من خلال قصة موسى عليه السلام، وقصة طالوت وجالوت، مذيلة ببعض أدلتها، وهي تنادي صارخة أن حال المأساة والوهن التي عشناها قرونا، وحصدنا بموجبها الهزائم تلو الهزائم، والنكبات تلو النكبات، ليست نتيجة عجز عن تحقيق النصر بالوسائل والأدوات، بقدر ما هو عجز عن تحقيقه بالأركان واللبنات، ذلك أن امتلاك القوة لا يكفي في نصرة دين الله، وفي تحقيق الصلاح المقصود من الدفاع كما رسمه القرآن، ما لم تكن هناك قيادات راشدة، وصبر على البلاء والابتلاء، ويقين مستمر في الله بالنصر.

لبنات النصر

القيادة الراشدة.
الصبر على البلاء والابتلاء.
اليقين في الله بالنصر.
الصلاح واستمرار التقوى.

1-قصة موسى

" واصطنعتك لنفسي"
" وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردا يصدقني"
" وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين"
"قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا"
" وتمت كلمة ربك على بني إسرائيل بما صبروا"
" إن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين قالوا أوذينا من قبل أن تاتينا ومن بعدما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الارض فينظر كيف تعملون"
" أو لم يهد للذين يرثون الارض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لايسمعون"


2-قصة طالوت وجالوت

" إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم"
" إن الله مبتليكم بنهر"
" والله مع الصابرين" " ربنا أفرغ علينا صبرا"
" قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله"
" ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين".