المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مصطفى صادق الرافعي وصحبة القرآن الكريم


الدكالي محمد
06-15-2009, 12:36 PM
وصف سعد زغلول كلام الرافعي بقوله "كأنه تنزيل من التنزيل" نعم كلامه الأدبي كأنه تنزيل من التنزيل ، ولكن إذا فتشت عن هذا الأسلوب العالي لمصطفى صادق الرافعي تيقنت أن
أسلوبه جاء من بلاغة الكريم ، فهو رجل قرآني الأسلوب ، قرآني التصور والتفكير، ، إنه أسلوب يبين جمال القرآن وجلاله ، ويكشف عن درره وللآئه ، لقد انفرد أديبنا الإسلامي عن غيره من أدباء عصره ، بهذا الأسلوب البارع الذي اكتسبه من صحبته الطويلة للقرآن الكريم ، فلنتسمع إليه وهو يصف القرآن بهذه الأوصاف الجميلة ،
(( القرآن آيات منزلة من حول العرش، فالأرض بها سماء هي منها كواكب، بل الجند الإلهي قد نشر له من الفضيلة علم ، وانضوت إليه من الأرواح مواكب، أغلقت دونه القلوب فاقتحم أقفالها، وامتنعت عليه "أعراف" الضمائر فابتز "أنفالها". وكم صدوا عن سبيله صدا، ومن ذا يدافع السيل إذا هدر؟ واعترضوه بالألسنة ردا، ولعمري من يرد على الله القدر؟
وتخاطروا له بسفهائهم كما تخاطرت الفحول بأذناب ، وفتحوا عليه من الحوادث كل شدق فيه من كل داهية ناب. فما كان إلا نور الشمس: لا يزال الجاهل يطمع في سرابه ثم لا يضع منه قطرة في سقائه، ويلقي الصبي غطاءه ليخفيه بحجابه ثم لا يزال النور ينبسط على غطائه.
وهو القرآن كم ظنوا ـ مما انطوى تحت ألسنتهم وانتشر ـ كل ظن في الحقيقة آثم، بل كل ظن بالحقيقة كافر، وحسبوه أمرا هينا لأنه أنزل في الأرض على بشر. كما يحسب الأحمق في هذا السماء أرضا ذات دواب نورانية لأن هلالها كأنما سقط من حافر، وكم أبرقوا وأرعدوا حتى سال بهم وبصاحبهم السيل ، وأثاروا من الباطل في بيضاء ليلها كنهارها ليجعلوا نهارها كالليل، فما كان لهم إلا ما قال الله: "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل"
ألفاظ إذا اشتدت فأمواج البحار الزاخرة، وإذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة، تذكر الدنيا فمنها عمادها ونظامها، وتصف الآخرة فمنها جنتها وصرامها، ومتى وعدت من كرم الله جعلت الثغور تضحك في وجوه الغيوب، وإن أوعدت بعذاب الله جعلت الألسنة ترعد من حمى القلوب
ومعانٍ بينا هي عذوبة ترويك من ماء البيان، ورقة تستروح منها نسيم الجنان، ونور تبصر به في مرآة الإيمان وجه الأمان ... وبينا هي ترف بندى الحياة على زهرة الضمير، وتخلق في أوراقها من معاني العبرة معنى العبير، وتهب عليها بأنفاس الرحمة فتنم بسر هذا العالم الصغير ... ثم بينا هي تتساقط من الأفواه تساقط الدموع من الأجفان، وتدع القلب من الخشوع كأنه جنازة ينوح عليها اللسان، وتمثل للمذنب حقيقة الإنسانية حتى يظن أنه صنف آخر من الإنسان ـ إذ هي بعد ذلك إطباق السحاب وقد انهارت قواعده ، والتمعت ناره وقصفت في الجو رواعده، وإذ هي السماء وقد أخذت على
الأرض ذنبها، واستأذنت في صدمة الفزع ربها، فكادت ترجف الراجفة تتبعها الرادفة: وإنما هي عند ذلك زجرة واحدة: فإذا الخلق طعام الفناء وإذا الأرض "مائدة"
توهموا السحر
توهموا السحر ما توهموه، فلما أنزل الله كتابه قالوا: هذا هو السحرالمبين. وكانوا يأخذون في ذلك بباطن الظن فأخذوا هذا بحق اليقين "أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون"ومن الشعر ما تسمعونه أم أنتم لا تسمعون؟ بل إنه لسحر يغلب حتى يفرق بين المرء وعادته ، وينفذ حتى ينصرف بين القلب وإرادته. ويجري في الخواطر كما تصعد في الشجر قطرات الماء، ويتصل بالروح فإنما يمد لها بسبب إلى السماء، وإنه لسحر، إذ هو ألحاظ لم تعهد كلم أحداقها، وثمرات لم تنبت في قلم أوراقها، ونورٌ عليه رونق الماء فكأنما اشتعات به الغيوم ، وماء يتلألأ كالنورفكأنماعُصر من النجوم، وبلى إنه لشعرولكن زينة مبانيه في معانيه، وزينة معانيه في مبانيه، فكل معنى ولا جرم من بحر، وكل لفظ كلؤلؤة ففي النحر، وإنه لشعر، إذ هو أيات لا يجانس كلامها البديعُ غيرَ كمالها، وحقيقة في الوجود لم يكن يعرف غير خيالها ِ، ومرآة في يد الله تقابل كل روح بمثالها
الإعجاز القرآني والبلاغة النبوية : مصطفى صادق الرافعي ) كتاب (إعجاز القرآن :
)29 30 31 )

الدكالي محمد
06-19-2009, 09:12 AM
لاإله إلا الله ، محمد رسول الله