قوانين القرآن الكريم
لخبير الجمال الدعوي محمد راتب النابلسي حفظه الله
/ الحلقة السادسة / قانون الفرقان
الفرقان نور الله يقذف في قلب المؤمن
...القانون اليوم قانون الفرقان، ولابد من مقدمة؛ الله عز وجل خلق الأكوان ونورها بالقرآن، إذن" الله نور السموات والأرض"النور 35. أحيانا تشق الطريق وبعدها توضع الشاخصات لتنور لسالكي الطريق دربهم والأخطار التي تحيق بهم؛ ما من عمل يعمله الإنسان إلا وتسبقه رؤية...إن صحت صح العمل وإن فسدت فسد العمل، هذه الرؤية إما أن تكون محصلة تجارب أو محصلة وهم أو محصلة رؤية صحيحة تنطلق من منهج الله في الأرض، فلذلك الإنسان بحاجة إلى رؤية صحيحة تكون سببا في صحة عمله، وبالتالي في سلامته و.. سعادته.
قانون الفرقان فيه آية تعد أصلا في هذا الباب، هذه الآية" ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا"الأنفال29 يعني يجعل لكم حالة تفرقون بها بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين ما يجوز وما لايجوز، بين الجمال والقبح، بين القيم السامية والحاجات الوضيعة؛ إذن هذا التفريق بين الصحيح وبين الآخر غير الصحيح هو من محصلة الرؤية الصحيحة، الآن يمكن أن نسميه نورا يقذف في قلب المؤمن، تؤكده آيات كثيرة، لعل الآية الأولى التي تؤكد هذا النور الذي يقذف في قلب المؤمن، فيرى به الخير خيرا فيتبعه، والشر شرا فيجتنبه، إنه نور الله.
الله عز وجل يقول"ياأيها الذين آمنوا"كلمة... تشير إلى عقد إيماني بين العبد وربه، يعني يا من آمنت بي، يا من آمنت بحكمتي، يا من آمنت بقدرتي، يا من آمنت برحمتي، يا من آمنت بعطائي... الله عز وجل في القرآن الكريم يخاطب الناس بأصول الدين" ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون"البقرة20 ويخاطب ربنا جل جلاله المؤمنين بفروع الدين، هذا آمن بالله.. إلها وربا وخالقا، آمن به مسيرا، آمن به واحدا وكاملا، آمن بأسمائه الحسنى، آمن بصفاته الفضلى، كأن هناك عقدا إيمانيا بين العبد وربه، لذلك خاطب الله المؤمنين بما يقترب من ثلاثمائة آية لأن بينه وبينهم عقدا إيمانيا، بينما لم يخاطب الطرف الآخر إلا بآية واحدة يوم القيامة" ياأيها الذين كفروا لاتعتذروا اليوم"التحريم 7 إذن حيثما قرأنا كلمة" ياأيها الذين آمنوا" تعني أن كل من آمن بالله وحمله إيمانه على طاعته معني بهذا الخطاب. ف"ايا أيها الذين آمنوا اتقوا الله" أطيعوه، وتقوى الله بالمفهوم البسيط القريب طاعته يعني اتقوا معصيته، اتقوا غضبه، اتقوا عقابه.
"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله" الله عز وجل نجد في قرآنه الكليات، ونجد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم التفصيلات، الله عز وجل كلف النبي عليه الصلاة والسلام أن يبين للناس ما نزل إليهم " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله "الآن" يوتكم كفلين من رحمته" كفلين قال علماء التفسير: رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة، هذا تؤكده الآية الكريمة" ولمن خاف مقام ربه جنتان"الرحمان45 هذا تؤكده آية أخرى" من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة"النحل97 ف"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يوتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به"الحديد27 يتمتع المؤمن... في ضوء هذه الآية برؤية صحيحة، يرى الخير خيرا، يرى الشر شرا، يرى الحق حقا، يرى الباطل باطلا، يرى ما ينبغي رؤية واضحة فيسلكه، ويرى ما لاينبغي رؤية واضحة فيجتنبه.
...هذه الآية الثانية أصل في الموضوع...من هنا قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى' تقوى الله تعني أن نورا يقذفه الله في قلب المؤمن فيرى به الخير خيرا والشر شرا' يعني المؤمن يشبه تماما إنسانا يمشي ليلا في طريق فيه حفر، فيه أكمات، فيه حشرات، فيه حيوانات، فيه أخطار، فيه منزلقات، لكن نجاته من كل أخطار هذا الطريق بنور قوي كشاف...يجعله يبتعد عن الحفرة، ويتلافى الأكمة، ويقتل الحشرة، وينجو من كل خطر؛ هذا هو نور الله حينما يقذفه الله في القلب.
سيماء الفرقان في القرآن
الفرقان نور الحق الذي لايتعدد
...آية ثانية" الله ولي الذين آمنوا" وليهم يربيهم، يرشدهم،يؤدبهم، يخوفهم أحيانا، يبشرهم، يرفع قدرهم " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور"البقرة 256 الذي يلفت النظر في هذه الآية أن الظلمات جاءت جمعا، وأن النور جاء مفردا؛ الجواب اللطيف الحق لا يتعدد، يعني بين نقطتين لايمر إلا خط مستقيم واحد، ولو حاولت أن ترسم بين نقطتين آلاف الخطوط المستقيمة، تأتي جميعها فوق بعضها بعضا. الحق لايتعدد لذلك جاء النور مفردا، أما الباطل كالخطوط المنكسرة والمنحنية، قد نرسم بين نقطتين آلاف الخطوط... لذلك" الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات" البقرة256يتضح من هذه الآيات أن الإنسان يتحرك، هو كائن متحرك، تحركه حاجاته وشهواته وغرائزه وطموحاته، هذه الحركة إما أن تسبقها رؤية صحيحة، وهذا هو المؤمن، وإما أن تسبقها رؤية خاطئة، وهذا غير المؤمن الذي ضل سواء السبيل، وتحرك لغير سعادته وهنائه...
الفرقان منحة التوفيق من الله الصمد
... الحقيقة الصارخة، الهدى من عند الله وحده" عبادي كلكم ضال إلامن هديته فاستهدوني أهدكم"رواه مسلم قال تعالى " ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور"النور39 النور من عند الله، اتخاذ القرار الحكيم من عند الله... بطولة المؤمن أنه يهتدي بنور الله، يتحرك بتوفيق الله ، يمشي لهدف واضح كان نتيجة رؤية صحيحة، فكلما اتقينا ربنا وأطعناه قذف في قلوبنا نورا، فالإنسان أحيانا يعيش في مجتمع فاسد ..منحرف، هذا المجتمع رؤيته غير صحيحة، بينما المؤمن يتمتع بهذه الرؤية فلا يقع في المنزلقات والأخطاء التي يقع فيها غيره.
للفرقان رب يحميه
الآية التي تلفت النظر هي قوله تعالى" يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم"الصف8 تصور ضوء الشمس لا أقول نور الله...كيف أن إنسانا بسداجة ما بعدها سداجة أراد أن يطفئه بنفخة من فمه، لذلك هذا الذي يحاول أن ينهي الحق، أو أن يلغي الهداية، أو أن يفسد على الله هدايته لخلقه، هذا مستحيل وألف ألف ألف مستحيل، تماما كمن يحاول إطفاء ضوء الشمس بنفخة من فمه" يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون" إذن لن تستطيع قوى الأرض مجتمعة أن تفسد على الله هدايته لخلقه، لذلك يبقى الإسلام شامخا، ولا تقلق على هذا الدين، إنه دين الله ، ولكن اقلق على نفسك أيها الأخ الكريم ما إذا سمح الله لك أو لم يسمح أن تكون جنديا له، لذلك ما ضرالسحاب نبح الكلاب، وما ضر البحر أن ألقى فيه غلام بحجر...إلى لقاء آخر إن شاء الله