4- مسلك التخلق:
ومسلك التخلق بثمار هذا المجلس الكريم راجع إلى الاستعانة بالتزام عملين اثنين:
- الأول: عَدَمُ الْمُشَاحَّةِ على حدود التقوى. وذلك بالتحرز من الاحتكاك بأطراف المباحات مما يلي مناطق الحرام، وإن لم يكن منها. وهو معنى "الورع". والورع مقام إيماني عظيم، معناه: ترك ما لا بأس به خشيةَ الوقوع فيما به بأس! وهو أصل الاحتياط للدين والاستبراء له، الذي أوصى به سيد المرسلين، عليه الصلاة والسلام. فقد ورد في الحديث الصحيح عن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: - وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ – (إِنَّ الْحَلاَلَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ! وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ! فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ! كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ! أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ! أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ! وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ! أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ!)([1]) وذلك هو بيان معنى الورع. وهو خير الدين، على ما ورد في السنة الصحيحة، من قوله صلى الله عليه وسلم: (وَخَيْرُ دِينِكُمُ الوَرَعُ!)([2])
فهذا الاحتياط من أهم المسالك العملية، التي تخرج المؤمن من فتنة الجدل العقيم في التزام التروك، ومجانبة مواردها القربية منها؛ ما يؤهله للدخول بيسر في التنفيذ العملي لدروس "عباد الرحمن" من ترك اللغو والعبث.
- الثاني: التزام أوراد الدعاء الخالص أبداً، والتوجه الصادق به إلى الله، في ختم كل عمل؛ لما في ذلك من التبرء التام من الحول والقوة، ولما فيه من تحقيق الافتقار الكامل إلى الله، ما يجعل المؤمن ثابتا على مقام التوحيد الخالص! وما يستجلب ولاية الله له، ومباركته تعالى لمسلكه وعمله. وكفى بذلك ضمانا للفوز والفلاح في الدنيا والآخرة.
خاتمة في التقويم العام
وأخيرا يا صاح! هذه هي سورة "الفرقان" الآن بين يديك..
فإمَّا أنْ تكونَ قد تَلَقَّيْتَ كلماتِها تلاوةً ومدارسةً وتزكيةً، ونَزَّلْتَ رسالاتِها على نفسك، رسالةً رسالةً؛ فإنك إذن قد تَلَقَّيْتَ من الله – إن شاء الله – فُرْقَاناً! فاللهُ - جلَّ جلالُه - لا يُخلف وعده أبداً! وإن الرَّبَّ لَشَكُور! (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً!)(الأنفال: 29)
وفرقانية هذه السورة العظيمة "إمامةٌ" على مستوى خِرِّيجِي مدرسة عباد الرحمن! إمَامَةٌ تجعل بين ماضيك وبين حاضرك فرقانا! وتجعل بينك وبين الكفر والفسوق والعصيان فرقانا! وتجعل بينك وبين الظلمات فرقانا! وتجعل بينك وبين مَوَاطِنِ الزور واللغو والعبث فرقانا! وتجعل بينك وبين العجز والكسل فرقانا!
إن فرقانية هذه السورة تجعل منك عبداً من "عباد الرحمن" ينطلق بكلمات الله في الآفاق، ينشر النور، ويؤسس للقرآن مجالسَ ملائكيةَ الحضور، ويجاهد بالقرآن أشباحَ الظلام! ومفاهيمَ الظلام، وأخلاقَ الظلام! سَنَدُهُ في ذلك ولايةُ الله، وزاده اليقين في نصرته جل علاه، وغايته الوصول إلى جمال رضاه!
فإن لم تجد شيئا من ذلك يا صاح، فقطعاً قد غششتَ نفسَك في مرحلة من مراحل الطريق! فأَعِدِ الدَّرْسَ من البداية! ولا يأس من رحمة الله!
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيراً.
[1] متفق عليه.
[2] أخرجه البزار، والطبراني في الأوسط، والحاكم عن حذيفة، كما أخرجه الحاكم أيضا عن سعد. وصححه الألباني. حديث رقم : 4214 في صحيح الجامع.