منتدى الفطرية

العودة   منتدى الفطرية > أقسام منتدى الفطرية > مـنـتـدى مـشـاريـع الـفـطـريـة


« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: جامعة المدينة العالمية تحييكم (آخر رد :امير الدهاء)       :: المجلس الرابع من تدارس سورة القلم (آخر رد :youssef ouzizi)       :: إنا لله و إنا إليه راجعون: وفاة آخر العمالقة الشيخ "محمد قطب" من الجيل الذهبي‎ (آخر رد :أبو محمد القاسم)       :: خطب ومحاضرات من مكتبتى المتواضعة .. متجدد.. (آخر رد :الشهاب)       :: تراث الشيخ الأنصارى متجدد (آخر رد :الشهاب)       :: المجلس الثالث عشر: في مقام الانتساب إلى مدرسة "عباد الرحمن" (آخر رد :سعد)       :: حينما نختلف (آخر رد :محمد-24)       :: المجلس الثالث من تدارس سورة القلم (آخر رد :المدير العام)       :: مفردات القرآن (نظرات جديدة في تفسير آيات قرآنية) لعبدالحميد الفراهي (ت1349هـ) (آخر رد :أبوأمامة-أيت باحدواسماعيل)       :: الشيخ فريد الأنصاري و دموع الدكتور أحمد البوكيلي (آخر رد :أبو محمد القاسم)      

الإهداءات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع البحث في الموضوع اسلوب عرض الموضوع
قديم 06-09-2010, 03:24 PM   #1
محمد لغزيل
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
مشاركات: 70
افتراضي رواية " آخر الفرسان "، مكابدات بديع الزمان سعيد ألنورسي

رواية " آخر الفرسان "، مكابدات بديع الزمان سعيد ألنورسي



للعلامة د. فريد الأنصاري – رحمه الله تعالى





إهداء:




إلى الذي لم تزل روحه تنزف ما بين " معزف مكسور " و " خابية مشقوقة "، مترنماً مع " القلوب الضارعة " بالمعاناة و الألم ..
إلى الذي قضى حياته مغترباً في الخلوات، يلتقط لآلئ الأسرار على " التلال الزمردية " ..
إلى وارث السر : الأستاذ " فتح الله كولن "، أهدي هذه الورقات ..
فاتحة النور

" يا سعيد .. كن صعيداً في نكران تام للذات، و ترك كلي للأنانية، و تواضع مطلق كالتراب .. لئلا تعكر صفو رسائل النور، و تقلل من تأثيرها في النفوس .. "
(سعيد ألنورسي، الملاحق، ص: 110)



الفصل الأول: الأشباح تهاجم المدينة ..




إسطنبول تفقد الليلة أضواءها فجأة .. كانت خيول الظلام تكتسح بحوافرها كل الساحات، تملأ كل الشوارع و الدروب .. تقتحم الإدارات، و المدارس، و المستشفيات، و تدمر المعاهد و المساجد .. كل شيء ينهار تحت ضربات إعصار رهيب .. و يعم الظلام المدينة، فلا بصيص لأحد من نور .. أشباح رهيبة تنعق كالبومات في غسق الليل، تلقي بنذير الشر المتردد في كل مكان .. و الخوف يلهث بقلوب تقبع خلف الأبواب الموصدة .. و لا من يجرؤ على إيقاد درة من نور .. فلا صدى إلا لصفير الخفافيش و الأشباح ..
كل المآذن خرست، كل المنارات انطفأت، و لا لأحد ممن كان يملأ الأرض قبل غروب الشمس يمشي الآن فوق الأرض ..
بديع الزمان وحده كان يمشي تلك الليلة بين المآذن يوزع الشموع على المستضعفين .. ينفخ الروح في القلوب الواهية، و يتيح لها أن تتلقى قبس الحياة من جديد .. عسى أن تستطيع الإبصار في رهبة هدا الظلام .. كان تنقله بين القرى و المآذن عجيباً .. فكأنما كان يمتطي صهوة برق أو براق .. و ما من مسلك يسلكه أو بيت يطرقه إلا و يترك فيه أثراً من نور ..
كان شخصاً غريب الأطوار، عجيب السلوك .. هو آدمي الشكل و الصورة، نعم و لكن .. ربما كان طيفاً، أو ربما كان روحاً .. ؟ ليس أدري .. يمضي بقامته الطويلة بين الأشجار حتى يتوارى عن الأنظار .. ثم تشاهد أطيافه بعد دلك في كل مكان ..
عجباً .. لو رأيت نظرته إذ يرمي بها كالسهم تخترق الظلمات بأشعتها .. فكأنما هو صقر يطل على الفضاءات من عل .. أو كأنما هو نجم ثاقب خرق الحجب ليرجم شياطين الظلام ..
فأي سر رهيب تخفيه عبسة وجهه الحنطي ؟ و أي خبر غريب يواريه وهج عينيه العسليتين ؟
خمسون عاماً و الريح تزمجر أوابدها بين الغابات .. و تقدح النار بسنابكها العاديات بين الدروب، و لم تفتأ الرعود تقصف صواعقها أعالي الجبال .. و الناس بين قتيل و جريح أو ناج يهيم على وجهه مستجيباً لسرعة الريح الرهيبة .. لا يدري أين المفر .. ؟
وحده كان يمتطي صهوة الموت، و يأخذ بعنان الريح .. يوزع القناديل الصغيرة، و بقية من أمل أخير، بين المستضعفين القابعين خلف الأبواب الموصدة على الأحزان يحتسون مرارة الانتظار .. مند دخول هدا الزمن الكسيح ..
*..*..*
كان قلبي يحدثني أنه ما يزال هناك .. رغم أنه قيل لي : لقد مات مند سنة 1960 .. كيف ؟ كيف يكون قد مات – يا سادتي- و أنا أكاد أجد ريحه لولا أن تفندون .. نعم كل الكتب تتفق على تاريخ وفاته المذكور. و أصدقكم القول : ما صدقت منها أحداً .. و لدلك قررت أن أراه .. و عزمت على الرحيل، فحملت حقيبتي الصغيرة، و توجهت تلقاء سيدة المدائن، خاتمة عواصم الإسلام: اسطنبول .. و لكن قيل لي : لابد من دليل. و دليل اسطنبول ليس كأي دليل .. فلا بد أن يكون صاحب همة وفراسة، و إلا فلا قبول و لا وصول .. و لم أزل أبحث عنه يا سادتي زمناً .. زمناً لا أقدره الآن بمقياس حتى كان ذات ربيع، حيث صادفته في مدينة الدار البيضاء .. كان في بهو أحد الفنادق يزدرد بعينيه ما ينعكس عن سبحته الصغيرة من نور .. فقلت : هده و الله علامة .. و قال لي في تيئيس قاتل : لن تجد عندي شيئاً .. ؟
كانت تلك صدمة لي .. و لكني أصررت في نفسي إصراراً، فلا بد من اسطنبول مهما طال الزمن ..
*..*..*
__________________
------------

بأي لغة أستطيع تقديم الجمال؟ وها الكلمات كسيرة حسيرة، في زمن تصدرت فيه جمالية الأشباح على حساب جمالية الأرواح، وغطت الأصباغ الكاذبة جمال الفطرة الصادقة، فنصر الناس التمثال على الطبيعة، وضلت الحقيقة في الظلمات

فريد الانصاري رحمه الانصاري

محمد لغزيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-09-2010, 03:26 PM   #2
محمد لغزيل
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
مشاركات: 70
افتراضي رد: رواية " آخر الفرسان "، مكابدات بديع الزمان سعيد ألنورسي

كانت الطبقة الأولى من الليل عالية المقام .. سمعت خرير الماء من بعيد، و ما يشبه صوت ضفادع .. سرت بخطىً وئيدة بين الأشجار، حتى اقتربت من خميلة كبرى تتدلى مثل الخيمة من أعلى .. كانت ألوان الخضرة المتموجة هنا و هناك تنفتح إلى ما يشبه طلاء الذهب الأصفر، بما تجلى عليها من نور القمر، ثم تنغلق إلى ما يشبه سواد الغربان، كلما انطوت على نفسها بعيداً عن شعاع النور .. و كأني أسمع صوت أذكار و تسبيحات .. شاهدت هضبة ذات غابة من شجر الأرز و الدلب و القطران تنتصب أمامي .. كانت عقبة كؤوداً، صعدتها بمشقة و كأني أتسلق .. حتى إدا علوت كبرت من السرور .. يا سلام .. هدا مشهد قرية " بارلا " منفى بديع الزمان .. و كأنها هي .. البحيرة إلى أسفل الغابة تعكس بسخاء بالغ جمال القمر، أنواراً تتدفق على كل شيء .. الأشجار الآبدة و الأعشاب البرية .. و ها هي ذي الشجرة المشهورة تقف بأغصانها العارية .. تماماً كما كانت ي عهده، و لكن أليس قد قطعوها ؟ و لكنها هي عينها الآن تتجلى بذاتها بعين مكانها .. تقدمت نحوها قليلاً و لا أرى عليها أحداً .. و سألت نفسي متمتماً : ترى كيف استطاع هذا الرجل أن يبقى وحيداً بهذا المكان ؟
كان الجواب يا سادتي سريعاً و رهيباً .. عجباً .. ؟ فقد انتفضت الشجرة انتفاضة كبرى .. كأنما عصف بها إعصار قوي، و جعلت أغصانها العالية تنجرف ذات اليمين و ذات الشمال بسرعة رهيبة. ثم اشتدت بها قوة العصف أكثر و أكثر، حتى ما عدت أرى منها شيئاً .. و كأنها تبخرت في الفضاء .. و استبد بي الروع يا سادتي حتى ما عادت قدماي تطيقان حملي، فخارت قواي .. و لكن أين المفر ؟ .. و ما هي إلا لحظات قلائل حتى بدأت الشجرة تهدأ شيئاً فشيئاً إلى أن سكنت تماماً .. و كانت المفاجأة العظمى .. فقد رأيته متربعاً بين الأغصان و هو يقرأ من رسائل النور بهدوء، دون أن يلتفت إلى جهتي ..
كان الفزع قد بلغ مني مداه، و لكن ما أن بدأت " الكلمات " تتدفق الهوينى على سمعي، و تعبر إلى قلبي الهلوع عبر صوته الرخيم، حتى نزلت على السكينة، و غشيتني الرحمة، فطمأنت روحي و سكنت جوارحي .. كانت الحكمة تخرج من فمه كالغيث اللطيف:
قال لي:
ذلك قدري يا ولدي .. فقد نشأت فرداً، و عشت فرداً .. و مت فرداً .. و عسى أن أبعث يوم القيامة فرداً .. و كل ذلك كان من أجل ألا يكون لنفسي حظ من الدنيا .. و أكون من خلوتي هذه لكل الناس .. فهدا زمن الفصل و الوصل, حكمة بالغة، من أخطأها غرق في مستنقع الشهوات .. فأنا له بعد ذلك أن يكون من المبصرين ؟
يا ولدي فتعلم .. ؟
...
أسرتي من سنة آل البيت، و كما هي حال آل البيت عبر التاريخ .. فقدتهم جميعاً الواحد تلو الآخر .. إلا قليلاً قليلاً ..؟ الوالدة في التاسعة من عمري، و أخواتي الثلاث في الخامسة عشر من عمري، و فقدت أخوين اثنين منذ خمسين سنة .. و لم يبق من الأسرة إلا أخ واحد .. كلهم جميعاً سبقوني بزمن طويل إلى عالم البرزخ ؟
و لولا هذا اليتم المبكر المحيط بي من كل جهاتي لما كان لرسائل النور في حياتي من أثر .. ؟ فدعنا من هذا و لننطلق إلى ما هو أهم ؟
التفت إلي لأول مرة من بدء خطابه .. ؟ كان مشهده رهيباً .. أشبه ما يكون بقائد عسكري يتهيأ لإلقاء الأمر اليومي على جنوده: جدية عالية، و جاهزية للانطلاق .. قال لي :
هل أنت جاهز للرحيل معي .. ؟
ترددت قليلاً .. فإذا بالصورة ترتفع من فوق شجرة الدلب و تتبخر في الهواء .. فلا أثر لشيء بعد ذلك أمامي .. و لا لبصيص نور ..
و بقيت وحدي في درك التردد أبكي حظي العاثر ..
*..*..*
.. ها هو ذا مرة أخرى ينظر إلى بنوع من العتاب الحاد .. قال لي :
لم غادرت المدرسة ؟ أو لست تدري أن طالب النور إذا انقطع، انقطع عنه كل شيء ؟
خجلت، فلم أدر ما أقول و لا بما أجيب .. قلت في نفسي : أنا ما غادرت .. و لكني قطعت دابر الكلمات عن لساني فما نطقت .. فلست أدري ماذا يريد الشيخ ؟ فالحكمة تقتضي الاعتذار .. و سألت بلسان متلعثم :
و كيف البدء يا سيدي ؟
نظر إلى الأفق الحالم بضوء القمر و قال :
أقسم لك يا ولدي : إن أرسخ درس تلقيته في حياتي هو درس الوالدة، على قلة صحبتها لي .. فمن نور كلماتها كانت كل كلماتي .. دروسها المعنوية هي مشربي الأول و الأخير الذي ما يزال يضخ القوة بقلبي .. و كأنه يتجدد علي، حتى استقرت حقائقه في أعماق فطرتي، و أصبحت كالبذور في كل كياني .. تنبت بالخيرات و البركات عند كل إبان، و ها أنا ذا الآن بين يديها جالس أتعلم درس الحكمة في خريف عمري الذي ناهز الثمانين كما ترى ..
و ما زلت أذكر من كلماتها أنها مذ وضعتني بأحد أيام سنة 1294 ه – 1877 م، ما أرضعتني قط إلا على وضوء .. و لا حملتني على ذراعها إلا بذكر و قرآن .. و لا أرقدتني إلا بدعاء، فإن فارقتني بليل فإلى تبتل و قيام .. كانت أشبه ما تكون بأم موسى .. و من يدري ؟ فلعلها كانت ترى شيئاً .. فالدنيا كانت آنئذ على وشك أن تتعرض لهجوم الأشباح السوداء .. ثم ما لبثت – رحمها الله – أن تركت وديعتها و رحلت إلى عالم البرزخ .. رحمة الله عليك يا نورية .. أي امرأة كنت .. ؟
أما أبي " ميرزا " – رحمه الله – فقد اشتهر باسم " الصوفي ميرزا "، و ذلك لما كان عليه من تقوى و ورع .. حتى إنه كان يربط أفواه ماشيته بالكمامات، كلما كان عائداً بها من المراعي، حتى لا تقضم من حقول الناس و لا قضمة واحدة .. تحرياً لخلوص ألبانها و لحومها و أثمانها من شوائب الحرام ..
*..*..*
__________________
------------

بأي لغة أستطيع تقديم الجمال؟ وها الكلمات كسيرة حسيرة، في زمن تصدرت فيه جمالية الأشباح على حساب جمالية الأرواح، وغطت الأصباغ الكاذبة جمال الفطرة الصادقة، فنصر الناس التمثال على الطبيعة، وضلت الحقيقة في الظلمات

فريد الانصاري رحمه الانصاري

محمد لغزيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-09-2010, 03:26 PM   #3
محمد لغزيل
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
مشاركات: 70
افتراضي رد: رواية " آخر الفرسان "، مكابدات بديع الزمان سعيد ألنورسي

ثم تجلى المشرب الثاني من حياتي بعد التاسعة من عمري : كانت حالة غريبة في طريقة طلب العلم، وصفها أحد أشياخي بالجنون .. و تلك صفة أكرمني الله بها أكثر من مرة في ظروف شتى و لأسباب شتى .. و لعلك إن صفت إشراقاتك – يا ولدي – تشاهد بعض تجلياتها .. كانت حالتي الروحية آنئذ متقدة جداً، و أنا ما أزال أسلخ الأيام من طفولتي .. فساقتني تلك الحالة إلى مراقبة قوية لما يفيض عن أخي الأكبر " الملا عبد الله " من العلوم و الحكم ..
و مكثت على ذلك زمناً .. إلى أن كان يوم وجدت فيه نفسي تكاد تنفلت من بين جنبي .. و لم أعد أطيق المكوث بقريتي الصغيرة " نورس " .. فعزمت الرحيل ..
كان ذلك سنة: 1885 م، حيث بدأت بتعلم القرآن الكريم .. ثم وجدت نفسي – لست أدري كيف – في قرية " تاغ " بمدرسة " الملا محمد أمين أفندي " .. إلا أني لم أتحمل المكوث فيها فتركتها وعدت إلى " نورس " من جديد .. و هي القرية المحرومة من أي كتاب أو مدرسة، فاكتفيت ساعتها بما أتلقاه عن أخي عبد الله من علوم، مرة واحدة في الأسبوع ..
و بعد مدة قصيرة ذهبت إلى قرية " برمس " و من بعدها إلى " مراعي شيخان "، ثم إلى قرية
" نورشن " و بعدها إلى قرية " خيزان "، ثم تركتها ذاهباً مع أخي " الملا عبد الله " إلى قرية " نورشن ".. ظللت فيها مدة ثم رجعت إلى " خيزان "، ثم تركت الحياة المدرسية و عدت إلى " نورس " مرة أخرى .. و لم يكن يفصل بين ارتحالي من مدرسة إلى أخرى غير بضعة شهور .. لقد عشت حياة علمية أشبه ما تكون بالفوضى .. أو الجنون ..
كانت حالتي الروحية تأبى علي قبول حالة الاستجداء التي تطبع نفسية الطلبة و الشيوخ في ذلك الزمان .. و لم يكن طلب العلم آنئذ قائماً على غيرها : الأوقاف الشعبية و الزكوات و الصدقات .. و رغم الفقر الذي ولدت فيه و نشأت، فإن نفسي لم تطق تلك الحياة القائمة على ذلك الوضع الذليل بالنسبة لي و الحقيقة يا ولدي أن ذلك ما كان مني اختياراً .. بل كان له سر عجيب في حياتي عرفته فيما بعد .. و إنما قطفت ثماره الطيبة بعد بلوغ الربعين من عمري .. أي بعد موت " سعيد القديم "، و ميلاد " سعيد الجديد " في حياتي، و حلول تجلياته الوهاجة في كياني الروحي ..
نعم .. ما قبلت الهدية قط من أحد إلا بمقابل أدفعه له أنا أيضاً .. و على الرغم من الحاجة الشديدة فما ذكرت أني في يوم من الأيام ذهبت لأخذ الأرزاق من الناس، كما كانت العادة جارية في كردستان، حيث كانت أرزاق طلاب العلم تدفع من بيوت الأهالي، و تسد حاجاتهم من أموال الزكاة .. و كان ذلك أحد أهم الأسباب التي جعلتني لا أطيل المكوث في أي مدرسة من مدارس القرى .. كما ضايقني خلق الطلاب العابث اللاهي .. و ما كان لكثير من الأشياخ سيطرة على ما يدرسون من علوم .. لقد كنت أشعر بجدية الرجولة تملؤ طفولتي، و تنتصب قائمة في قراري و ترحالي .. وكنت أجد عزيمة الفروسية تجمح بي نحو الأعالي .. ما ملت إلى اللهو يوماً و لا وجدت له ذوقاً .. و أصدقك القول : لم يكن ذلك مني .. بل كان أمراً خارج اقتداري و اختياري .. فوارد ما كان يحل بروحي و يجري تصرفاتي على وزانه ..
إلى أن كانت رسائل النور في حياتي فعلمت كم هي في حاجة – لضمان حياتها – إلى الإستقلال عني .. و ما كان لها ذلك إلا بما كان لي أنا أيضاً من استقلال عن الناس ..
نعم شاهدت بعدها – حقيقة لا مجازاً – أنه لأجل هذه الحكمة منحت لي هذه الحالة العجيبة، حالة النفور من تلك العادة المقبولة عند العموم، و إن كانت سجية كريمة في أصلها. و لكني شعرت أنني قد خلقت لغير ما خلق له أولئك الناس من المشايخ و الطلاب .. فما كانت حياتي تسير بتخطيط مني و لا تدبير .. فرضيت بقوت العيش القليل أدفع به شدة الفقر و ضنك الحياة ..
و الحقيقة يا ولدي أن تلك كانت طبقة من طبقات معراجي الروحي، الذي من عناقيده العليا صنعت شرابي، فإذا شئت ارفع إلي كأسك، حتى إذا أحسست بفيضه بين يديك فاشرب .. و ذلك أول السير فتأمل ..
قال لي :
عندما تركت الحياة المدرسية و عدت إلى كنف الوالد – رحمه الله – في " نورس " كان عمري آنئذ أربعة عشر عاماً فقط .. ثم دخلت مدرسة روحية بنيتها داخل نفسي لنفسي .. أتلقى أحوال الإيمان و مشاهد الإحسان، حتى اخضر الربيع من ذلك العام، و أذن بخروج الأزهار من أكمامها فكان ما كان ..
*..*..*
هذه القيامة قد قامت الآن .. و إني لأرى الكائنات تبعث من جديد .. و على الأرض نبات غريب من خلائق شتى تخرج من أجداثها .. كان الموقف من الهول بما تعجز العبارة عن الإحاطة به وصفاً .. فما كان مني إلا أن ذكرت سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم .. و تساءلت في نفسي : كيف أتمكن من زيارته ؟ ثم تذكرت أن علي الانتظار في بداية الصراط .. هنالك ستمر كل الخلائق .. و إذن بمجرد ما أراه أسرع إليه .. هكذا وقع بقلبي .. و إني لكذلك إذ أشاهدت عدداً من ا أن لأنبياء و الرسل الكرام .. و أكرمني الله بزيارتهم واحداً واحداً على ما هيء لي أن أراه .. وقبلت أيديهم جميعاً عليهم الصلاة و السلام .. ثم ..
ثم ما أن شعرت بأن الإذن بزيارة سيدنا محمد قد وقع نوره بقلبي حتى تجلى شخصه صلى الله عليه و سلم أمامي .. بأبي أنت و أمي يا رسول الله .. أحقاً ما أرى ..؟ و هويت على يديه الكريمتين سلاماً و تقبيلاً .. و عجبت من نفسي ساعتها، كيف أن الناس لحظتها إنما يطلبون الشفاعة، و ما وقر بقلبي أن أطلب منه لحظتها إلا شيئا واحداً : العلم .. عجبا .. ؟ لقد قصدته بوصفه معلماً عسى أن يقبلني بين يديه متعلماً ..
هكذا .. و بعد وقوع القيامة ؟ عجباً .. فما كان من حبيبي عليه السلام إلا أن التفت إلي مبشراً وقال : " سيوهب لك علم القرآن ما لم تسأل أحداً " .. فكانت تلك يقظتي الأولى في حياتي يا ولدي .. و عشت بعدها عجائب و غرائب .. فجرت هذه الرؤيا شوقاً عظيماً في قلبي إلى طلب العلم فاستأذنت الوالد رحمه الله للذهاب إلى ناحية " أوراس " لتلقي العلم من " الملا محمد أمين أفندي ".
ثم توجهت تلقاء " دوغو بايزيد " .. و كان بدء الأحوال العجيبة .. ؟
__________________
------------

بأي لغة أستطيع تقديم الجمال؟ وها الكلمات كسيرة حسيرة، في زمن تصدرت فيه جمالية الأشباح على حساب جمالية الأرواح، وغطت الأصباغ الكاذبة جمال الفطرة الصادقة، فنصر الناس التمثال على الطبيعة، وضلت الحقيقة في الظلمات

فريد الانصاري رحمه الانصاري

محمد لغزيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-09-2010, 03:27 PM   #4
محمد لغزيل
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
مشاركات: 70
افتراضي رد: رواية " آخر الفرسان "، مكابدات بديع الزمان سعيد ألنورسي

الفصل الثاني : مكابدات " سعيد القديم "
مكثت سنتين ضيفاً على الوالي : " عمر باشا " – رحمه الله – بمدينة " بتليس "، بناء على إصراره الشديد، لفرط حبه للعلم و العلماء. و خصص لي غرفة في الطابق العلوي ممن بيته. وكان له ست بنات كما عرفت بعد : ثلاث منهن صغيرات، و ثلاث بالغات كبيرات .. و مع أني كنت أعيش معهن في سكن واحد طوال سنتين، إلا أنني لم أكن أميز بين الثلاث الكبيرات، إذ لم أسدد النظر إليهن قط، أنا إذ ذاك الفتى الشاب .. إلى أن نزل أحد العلماء يوماً ضيفاً علي، فعرفهن في ظرف يومين فقط .. و ميز بينهن واحدة واحدة .. فأخدت الحيرة الذين من حولي، لعدم معرفتي إياهن .. و سألوني :
لماذا لا تنظر إليهن ؟
فكان جوابي الذي جرى على لساني تلقائي :
صون عزة العلم يمنعني من النظر الحرام ..
كانت تلك مشاهدة وجدتها في حياتي، حفظت عيناي من الحرام بحمد الله حفظاً .. فارتقت روحي – بإذنه تعالى – إلى ما فتح الله به علي من أسرار الحفظ و الإدراك لحقائق العلوم .. و كان من بركات ذلك أنني خزنت في قلبي حقائق تسعين كتاباً في ظرف ثلاثة أشهر، أي بمعدل ثلاث ساعات يومياً من التخزين و المطالعة .. و جعلت أخرج من حافظتي ما أشاء، كما أشاء، وقت ما أشاء .. وما تزال ذاكرتي تستحضر بقوة و حيوية ما شاهدته أو سمعته، و كل ما ترآى أمامي من الصور و المعاني و الأصوات .. كأنما هو شريط سينمائي جاهز، كلما دعوته استجاب .. و هذا حالي طوال عمري الذي ناهز الثمانين كما ترى .. و لأمر ما حرمني الله نعمة الكتابة السوية فلا أستطيع رسم الخط إلا بمشقة .. و لك أن تقول إنني صاحب خط أمي .. و الحقيقة أنني شاهدت بعد كيف أن ذلك كان نعمة عظمى .. إذ لو كنت أجيد الكتابة لما كانت المسائل تستقر في القلب ذلك الإستقرار العجيب .. ؟ فما من علم بدأت بمطالعته إلا و شرعت في كتابته على دفاتر روحي، بما كان يملأني من شوق إلى العلم، و بما كان ينتابني من شعور بحرماني من الكتابة الجيدة و الخط السليم. و كم من نقمة في طيها نعمة .. و ما كان ذلك من أمري .. و لكنه قدر سيق إلي .. أو .. سقت إليه، بحكمة ربانية عالية.
*..*..*
اطلعت على مكايد الأعداء التي بدأت تحاك ضد الأمة الإسلامية .. فاقتنعت يقيناً أن أسلوب علم الكلام القديم قاصر عن رد الشبهات و التشكيكات المحاكة اليوم حول الدين، فهب بقلبي عاصف خوض بحار العلوم الحديثة أيضاً .. و طفقت ألتهم ما يعترض طريقي منها .. من تاريخ و جغرافيا، و رياضيات، و جيولوجيا، و فيزياء، و كيمياء، و فلك، و فلسفة .. الخ، حتى اكتمل لي منها أسس كلية، و تصورات شاملة. و كان ذلك أثناء مدة قصيرة جداً، بالنسبة لما يدرسون و ما يبرمجون .. جرى ذلك على عادتي الروحية : بلا معلم و لا أستاذ، و إنما بما يفيض على روحي من فتوحات ربانية، ما كنت لأدرك مغزاها إلا بعد .. دائماً ..
فمثلاً حفظت عن ظهر قلب خلال أربع و عشرين ساعة كتاباً في الجغرافيا، قبل أن أناظر في اليوم التالي مدرساً للجغرافيا و ألزمه الحجة في دار الوالي " طاهر باشا " .. و كان الإلحاد الأسود قد بدأ ينفث ظلماته الرهيبة على الأرض .. فكانت العلوم الحديثة التي طالعت كافية لتفتح لي آفاق الولوج إلى عالم العصر الجديد، لكن عبر بوابة القرآن الكبرى .. فكان ما كان من أمر بديع الزمان .. و ما كنت في الحقيقة يا ولدي سوى عبداً استعملني الله بمحض فضله في خدمة رسائل النور .. فكل سر التجليات راجع إلى مدى الإخلاص المستبطن في قصد الخدمة .. ذلك يا ولدي فتدبر ..
__________________
------------

بأي لغة أستطيع تقديم الجمال؟ وها الكلمات كسيرة حسيرة، في زمن تصدرت فيه جمالية الأشباح على حساب جمالية الأرواح، وغطت الأصباغ الكاذبة جمال الفطرة الصادقة، فنصر الناس التمثال على الطبيعة، وضلت الحقيقة في الظلمات

فريد الانصاري رحمه الانصاري

محمد لغزيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-09-2010, 03:28 PM   #5
محمد لغزيل
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
مشاركات: 70
افتراضي رد: رواية " آخر الفرسان "، مكابدات بديع الزمان سعيد ألنورسي

الفصل الثلث : اسطنبول بين الأولياء و الأشقياء ..
كنت نائماً في الطابق العلوي في أكاديمية " شاملجا " .. عندما أيقظني أرق متوتر، نظرت إلى الساعة في هاتفي النقال، فعلمت أن الليل قد انسلخ نصفه الأول فحسب، حاولت الاسترخاء من جديد، استجداءً للنوم، و لكن بلا جدوى فقد قويت الواردات على خاطري. كنت قد نمت – بعد صلاة العشاء – على وقع كلمات الأستاذ " محمد فتح الله كولن " في درس نوري بأحد مساجد اسطنبول، كان يفت فيه ما بقي من أشلاء قلبه العليل و يبكي ..
كانت الليلة حارة جداً، و لا أثر لهبة من ريح أو نسيم .. شعرت بالاختناق، فخرجت إلى الشرفة المطلة على الجسر الكبير الممتد فوق البوسفور. و غير بعيد يبدو جانب من بحر مرمرة .. كانت صورة " فتح الله " و هو يبكي تلاحقني فتملأ قلبي كاملاً .. أغمضت عيني برهة ثم فتحتها على أنوار المدينة المترامية الأطراف أمامي، كان مشهدها بالليل جميلاً، و كأن نجوم السماء تبعثرت لآلئها في الأرض .. و فجأة رأيت كأن حصاناً يخرج من عرض بحر مرمرة، ثم ينطلق راكضاً يشق فضاء الليل نحوي .. فزعت و تقهقرت قليلاً إلى وراء، ثم بدا لي فارس يمتطي صهوة الحصان يرفع يده عالية .. فكرت في الهروب إلى غرفتي، و لكني لم أجد قوة على الحركة، فقد انهارت كل قواي تماماً .. كان الفارس قد اقترب مني قليلاً .. حاولت التعرف على هويته، فبدا كأنه الأستاذ فتح الله نفسه .. كان يلبس لباس الوعظ : عمامة بيضاء، و بردة سوداء مطرزة بنسيج ذهبي .. فذهب عني الروع يا سادتي، فوجهه الهادئ الجميل ينسي الخائف ما هو فيه من هول، و لو كان حقيقة .. حاولت أن أتذكر عبارة تركية من قليل ما تعلمت لأتقرب بها إليه، ثم تذكرت أنه عالم جليل يتكلم بلسان عربي مبين، فحظر ببالي سؤال لطالما وجهته لكثير من طلابه، و لا أحد منهم روى غليلي .. ثم ناديت :
سيدي فتح الله .. الأمر قضاء الله، و لا غالب إلا الله، و نحن عباد الله، فلماذا أنت في كل دروسك تبكي .. ؟
تحركت شفتاه و كأنما هو يحاول أن يجيب، و لكني رأيت الصورة أمامي تضطرب ثم تضمحل قليلاً، دون أن تغيب تماماً .. فإذا بملامح الرجل تتغير شيئاً فشيئاً، حدقت فيه بعيني جيداً، و جعلت أتفرس في وجهه، و أتساءل : أحقا ما أرى أم أنني أتخيل ؟ كانت ملامحه قد تداخلت بملامح بديع الزمان النورسي حتى لكأنه هو تماماً، بل قل : إنه هو .. و أدركت بعد ذلك أنهما واحد .. ذلك ما كنت أرى، و زاغ البصر مني و ما طغى ..
ثم انتهى المشهد إلى تجلي الصورة بملامح سعيد النورسي خالصة ..
قال لي :
" لقد سحقتني آلام أمتي البئيسة " .. فقد أحرق العدو كل حقولها .. و إنما أنا الآن أحرث و أزرع من جديد. ذلك هو واجب الوقت يا ولدي فتعلم ..
قلت :
زدني .. ؟
قال :
و الحقول التي لا تروى بالدموع لا تثمر سنابلها أبداً ..
ثم قال :
اسطنبول سيدة العاشقين .. نعم .. و لكنها مطمع الشياطين أيضاً .. و لم تكن ترضى في مهرها بغير أعراف الخيل تخوض عباب البوسفور .. و لكن أين الأمير ..؟ أين سليل الجلوات و الخلوات، و عابر البحار و الفلوات يقدح سنابك الخيل بشرر التكبير في مقدمة الفاتحين .. و الخيل تنخرط أعناقها في عرق التهجد مع المحبين ركعاً سجداً في ميادين الوغى، يبتغون فضلاً من ربه ورضواناً، إلى أن يسفر الفجر الصادق على البلاد ؟ فما كان للظلام الموحش – يا ولدي – أن يبقى إلا قليلاً .. لو قدحت ذرة نور واحدة .. فتدبر .. ؟
و لكن، انكسفت " أنوارها – وا أسفاه – بين ضعف الصالحين و كيد الشياطين .. و بقيت وحدي ألهث بين الدروب، أطرق المنازل الصغيرة لأوزع الشموع على الفقراء، و لكنهم – وا حسرتاه – لا يفتحون الأبواب .. و منذ ذلك العهد و أنا أبكي، حتى تمزق شريان قلبي ..
__________________
------------

بأي لغة أستطيع تقديم الجمال؟ وها الكلمات كسيرة حسيرة، في زمن تصدرت فيه جمالية الأشباح على حساب جمالية الأرواح، وغطت الأصباغ الكاذبة جمال الفطرة الصادقة، فنصر الناس التمثال على الطبيعة، وضلت الحقيقة في الظلمات

فريد الانصاري رحمه الانصاري

محمد لغزيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-09-2010, 03:29 PM   #6
محمد لغزيل
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
مشاركات: 70
افتراضي رد: رواية " آخر الفرسان "، مكابدات بديع الزمان سعيد ألنورسي

لفصل الرابع : تجليات الموت ..
قال لي :
كان الجنود الأرمن يذبحون أطفال المسلمين في عدد من المناطق .. و كان بعض جهلة المسلمين يقابلونهم بالمثل، فيذبحون أبناءهم أيضاً .. إلى أن كانت حادثة عجيبة .. دحرنا العدو عن أحد مواقعه دحراً، و وقع بين أيدينا عدد كبير جداً من أطفالهم .. كان جنودي يحاصرونهم من كل الجهات .. و كنت أتفرس في الفزع الصارخ من تلك الوجوه الصغيرة البريئة .. كانت الطفولة تستغيث ربها .. و تجأر إليه فزعاً من الموت الرهيب .. هذا النور الصغير الصافي المتدفق مثل جدول البستان، من عيون لا يد لها و لا رجل في إيقاد أوزار الحرب و فتنتها، كيف تكون هي أول من يصطلي بنارها و كلها أمل في الحياة .. ؟ أي شيطان هذا الذي أملى على الإنسان اغتيال الجمال المشرق في هذه الوجوه اللطيفة .. ؟
و صرخت من أعماقي نفسي : كلا .. كلا .. كانت الجبال تميد من حولي و تتمطى متأوهة، و هي تبتلع أهداء صوتي الجارح الحزين ..
ثم التفت من على صهوة حصاني و ناديت في الجنود بأعلى صوتي :
لا تتعرضوا لهؤلاء الأطفال بشيء .. أطلقوا سراحهم جميعاً ..
سمعت صوتاً و كأنه يستدرك :
و لكن .. ؟
فصرخت و كأني لم أسمع شيئاً :
جميعاً .. جميعاً .. ويلكم .. إن قتل الأطفال في الدين حرام .. حرام .. ثم سقناهم محروسين آمنين مطمئنين إلى أمهاتهم خلف الخطوط الروسية .. و قلنا لهم بلا خطب و لا كلمات : هذا ديننا – أيها الروس – فليتكلم دينكم .. و رجعنا شاكرين ذاكرين.
و كان حواراً إيمانياً عجيباً .. أخرس وحوش الحرب اللئيمة .. كان ذلك درساً قيماً و عبرة بليغة للأرمن، مما دفعهم إلى الإعجاب بأخلاق المسلمين، فتخلى جنودهم عن عادتهم السيئة في تذبيح أطفال المسلمين .. و كان عهداً حقيقياً بيننا، بلا وثيقة و لا بروتوكول ..
__________________
------------

بأي لغة أستطيع تقديم الجمال؟ وها الكلمات كسيرة حسيرة، في زمن تصدرت فيه جمالية الأشباح على حساب جمالية الأرواح، وغطت الأصباغ الكاذبة جمال الفطرة الصادقة، فنصر الناس التمثال على الطبيعة، وضلت الحقيقة في الظلمات

فريد الانصاري رحمه الانصاري

محمد لغزيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-09-2010, 03:30 PM   #7
محمد لغزيل
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
مشاركات: 70
افتراضي رد: رواية " آخر الفرسان "، مكابدات بديع الزمان سعيد ألنورسي

الفصل الخامس : مكابدات " سعيد الجديد " ...
قال لي :
دار الحكمة يا ولدي كانت في حياتي برزخ تحولات كبرى ... عندما عينت بعضويتها كنت يومئذ على تخوم سن الأربعين ... و كان لذلك في نفسي قصة أخرى ..
الأربعون .. هذا البرزخ الزمني الرهيب .. أيقظ في قلبي شعوراً قوياً بالموت .. و إحساساً شديداً بالفناء .. صحيح أن الأربعين هي لحظة القوة و الشدة من عمر الإنسان، و لكن .. أليست لحظة البدء أيضاً لخطوة الانكسار من مخطط عمره المحدود ؟ أليست هي بدء العد العكسي في اتجاه النهاية ؟ تلك هي القضية إذن .. و ذلك هو الأرق الشديد الذي داهمني فجأة، ثم لازمني ليلاً نهاراً .. فمن يخلصني .. ؟
...
نظرت إلى هذا العصر الغريب و ظلماته الرهيبة .. فشاهدت السالكين إلى الله على طرق شتى، كانت شموعهم جميعاً تتبدد في حلكة الظلمات الشديدة .. و كنت وحدي أضرب بنور القرآن في مسلكي فرداً ..
نعم يا ولدي ففي زماني هذا وجدت أنني قد سلكت طريقاً غير مسلوك، في برزخ بين العقل و القلب ..
قال لي :
لا تحسبن أن ما أكتبه شيء مضغته الأفكار و العقول .. كلا .. بل هو فيض .. فاض على روح مجروح و قلب مقروح، شلال نور تلقته مواجدي الحرى من القرآن الكريم رأساً .. فلا تظنه حالاً تتذوقه القلوب حيناً ثم يزول .. كلا .. بل هو مقام أنوار متوهجة أبداً، و حقائق إيمان ثابتة سرمداً. إنها ليست لي .. فأنا لست بمدع .. و إنما هي شمس القرآن انعكست على عقل عليل، و قلب مريض، و نفس حيرى .. فانبعث من رماد " سعيد القديم " : " سعيد الجديد "، يبشر العالم بالنور .. ذلك قدري يا ولدي، فانظر .. هذه آية الطريق لك معلمة ..
__________________
------------

بأي لغة أستطيع تقديم الجمال؟ وها الكلمات كسيرة حسيرة، في زمن تصدرت فيه جمالية الأشباح على حساب جمالية الأرواح، وغطت الأصباغ الكاذبة جمال الفطرة الصادقة، فنصر الناس التمثال على الطبيعة، وضلت الحقيقة في الظلمات

فريد الانصاري رحمه الانصاري

محمد لغزيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-09-2010, 03:31 PM   #8
محمد لغزيل
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
مشاركات: 70
افتراضي رد: رواية " آخر الفرسان "، مكابدات بديع الزمان سعيد ألنورسي

الفصل السادس : منفى " بارلا " مولد النور و الجمال ..
" بارلا " يا سادتي قرية جبلية صغيرة، معزولة عن ضجيج العالم، لم تزل مجهولة في جمالها البكر، متخفية بين قرى ولاية " إسبارطة "، في الجنوب الغربي من بلاد الأناضول .. متحصنة بين جبال " طوروس " الغابوية .. تطل على بحيرة " أكريدر " البرية ذات المياه العذبة، و الأسماك البلورية الجميلة .." بارلا " هذه العذراء ذات الجمال الخارق، تكتسي ما بين الفصول أحوالاً من السناء و البهاء .. تشرب العين منها لذة الوجد، و تشاهد فيها تجليات الروح .. ففي الشتاء تتنزل حلل الثلوج على القمم الشاهقة، و تطرز نقشها البراق على صدر غابات الصنوبر و أعطاف البساتين .. ثم تنفخ رياحها الباردة مياه البحيرة فتجعل صفحتها الصافية جليداً جميلاً، كلما أشرقت عليه الشمس عكس منها آلاف الشموس و الشعاعات، فصار الفضاء مهرجاناً للأنوار المتجلية بكل ألوان الطيف ..
*..*..*
.. كان ذلك ذات يوم، في غمرة الاشتغال بالنسخ و الاستنساخ .. قام وسط طلابه .. بحكمته البالغة .. بحرارة الناظر إلى المستقبل .. و انطلقت الكلمات تروي قلوب المستمعين بالنور ..
" إخوتي الأعزاء ..
إن أستاذكم ليس معصوماً من الخطأ، بل من الخطأ الاعتقاد أنه لا يخطئ .. و لكن وجود تفاح فاسد في بستان لا يضر بالبستان و وجود نقد مزور في خزينة لا يسقط قيمة الخزينة. و لما كانت السيئة تعد واحدة بينما الحسنة بعشر أمثالها، فالإنصاف يقتضي : عدم تعكير صفو القلب تجاه الحسنات .. اعلموا يا إخوتي و يا رفاقي في الدرس .. أنني أسر إن نبهتموني بكل صراحة لأي خطأ وجدتموه عندي .. بل أقول : ليرض الله عنكم إذا قلتموه لي بشدة .. و إذ لا ينظر إلى أمور أخرى بجانب الحق .. إنني مستعد لقبول أية حقيقة يفرضها الحق .. و إذا كنت أجهلها فسأقبلها وأضعها فوق العين و الرأس، و لن أردها مهما كانت مخالفة لأنانية النفس الأمارة ..
اعلموا أن هذه الوظيفة الإيمانية و في هذا الوقت بالذات جليلة و مهمة .. فلا ينبغي لكم أن تضعوا هذا الحمل الثقيل على كاهل شخص ضعيف مثلي، و قد تشتت فكره .. بل عليكم معاونته قدر المستطاع .. "
__________________
------------

بأي لغة أستطيع تقديم الجمال؟ وها الكلمات كسيرة حسيرة، في زمن تصدرت فيه جمالية الأشباح على حساب جمالية الأرواح، وغطت الأصباغ الكاذبة جمال الفطرة الصادقة، فنصر الناس التمثال على الطبيعة، وضلت الحقيقة في الظلمات

فريد الانصاري رحمه الانصاري

محمد لغزيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-09-2010, 03:32 PM   #9
محمد لغزيل
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
مشاركات: 70
افتراضي رد: رواية " آخر الفرسان "، مكابدات بديع الزمان سعيد ألنورسي

الفصل السابع : تجليات الحزن الجميل ..
نصف قرن من الزمان و ألنورسي يقاسي شتى أنواع المعاناة من أجل شيء واحد، و هو حرية الكلمة .. نصف قرن و هو يهرب تغاريده من شجرة إلى شجرة، و من تلة إلى أخرى .. نصف قرن و هو يجاهد كيد الاستبداد و أشباح الظلام. منذ العهد الأول، أيام الحكم الصوري للسلاطين و سيطرة الاتحاديين على قرارات القصر، حتى العهد الجمهوري و المواجهات المباشرة معهم هم أنفسهم، و لكن باسم الدولة و القانون ..
و ما كان بديع الزمان يسعى إلا لإلقاء البلاغ القرآني، و نشر كلمة النور .. ألا ما أسوأ أن تتحد الغربان ضد عصفور صغير من أجل أنه غرد على غير هواها، فطاردته بشراسة رهيبة خمسين سنة من الزمان .. فناضل العصفور من أجل ذلك و جاهد حتى أذن الله للشمس بالشروق من جديد، فتعبت الغربان و ما تعب العصفور ..
*..*..*
" أنقرة " اليوم تختم دائرة الشمس، و ترسم الشعاع الأخير .. كان الطلاب متحلقين حول قطرها الوهاج، و كان الشيخ يتقطر جبينه عرقاً .. فهذه آخر الومضات، هو الآن يطرزها بشفتين مرتعشتين، لتكون آخر فسيفساء لرسائل النور، و مصابيح تنير آخر الطريق بقوة، عسى أن يبقى بريقها قوياً في أعين الجيل، حفظاً له من الانجراف وراء الخدع المقبلة ..
كانت الكلمات تتنزل مثل الشحنات الكهربائية على المجلس المتلقي بخشوع :
" إخواني الأعزاء ...
إن وظيفتنا هي العمل الإيجابي البناء و ليس العمل السلبي الهدام .. إننا مكلفون بالتجمل بالصبر، و التقلد بالشكر، تجاه كل ضيق و مشقة تواجهنا .. و ذلك بالقيام بالخدمة الإيمانية البناءة التي تثمر الأمن و الاستقرار الداخليين. نعم، إن في مسلكنا قوة، إلا أننا لم نقم باستعمالها إلا لضمان الأمن الداخلي، أو في مواجهة الهجمات الخارجية. إن أعظم شروط الجهاد المعنوي هو عدم التدخل في شؤون الربوبية، أي فيما هو موكول إلى الله ..
إخواني .. إن مرضي قد اشتد كثيراً .. و لعلي لأموت قريباً، أو أعجز عن الكلام مطلقاً. فلا تهاجموا العلماء الذين ظنوا بعض إلجاءات العصر ضرورة، و ركنوا إلى البدع .. لا تصادموا هؤلاء المساكين .. فنحن لا نقوم باستعمال قوتنا في الداخل ..
إننا لا نلتفت إلى الدنيا. فإن نظرنا فمن أجل مساعدة أهلها، و لذلك فإننا نسامحهم حتى و لو ظلمونا. و قد ثبت أن الديمقراطيين منهم من لا يعادون الدين، فعلى إخوتي في الآخرة أن يمتنعوا عن الهجوم على أخطائهم، و ليعدوها من قبيل أهون الشرين، و ليقوموا بالعمل الإيجابي دائماً، لأن العمل السلبي ليس من وظيفتنا. و ما دام قسم من السياسيين لا يلحقون الضرر برسائل النور، بل متسامحون قليلاً، فانظروا إليهم كأهون الشرين من أجل التخلص من أعظمهما. لا تمسوهم بسوء .. بل حاولوا أن تنفعوهم ..
إخواني .. ربما أموت قريباً .. فخذوا حذركم .. إن لهذا العصر مرضاً داهماً، ألا و هو الأنانية وحب النفس .. و إن أول درس نوري تلقيته من القرآن الكريم هو: التخلص من الأنانية .. فلا يتم إنقاذ الإيمان إلا بالإخلاص الحقيقي .. و ما دام الإخلاص التام هو مسلكنا فلا بد من التضحية و الفداء .. ليس بالأنانية فحسب، بل حتى لو منح لكم ملك الدنيا كلها وجب عليكم تفضيل حقيقة إيمانية واحدة على ذلك الملك .. "
... انتهى بفضل الله و منه ...
مع تحيات أخوكم و خادمكم المحب :
بومدين محمد
رجاء .. تذكرونا بالدعاء الصالح .. و لا تنسوا أن الملك يرد على دعائكم قائلاً : " و لكم بالمثل "
__________________
------------

بأي لغة أستطيع تقديم الجمال؟ وها الكلمات كسيرة حسيرة، في زمن تصدرت فيه جمالية الأشباح على حساب جمالية الأرواح، وغطت الأصباغ الكاذبة جمال الفطرة الصادقة، فنصر الناس التمثال على الطبيعة، وضلت الحقيقة في الظلمات

فريد الانصاري رحمه الانصاري

محمد لغزيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع البحث في الموضوع
البحث في الموضوع:

البحث المتقدم
اسلوب عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

منتديات الفطريـة
الساعة الآن 12:39 AM.
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd For alfetria.com