بسم الله الرحمن الرحيم المجلس الأول من تدارس سورة القلم آيات الابتلاء: تقديم عام للسورة : لقد كانت غرسة الإيمان تودع في الأرض لأول مرة في صور رفيعة، وكانت غريبة على حس الجاهلية السائدة، لا في الجزيرة العربية وحدها بل كذلك في أنحاء الأرض جميعا. وفي هذه السور المكية نرى أن الله كأنما يحتضن - سبحانه - رسوله والحفنة المؤمنة معه، ويواسيه ويسري عنه، ويثني عليه وعلى المؤمنين. ويبرز العنصر الأخلاقي الذي يتمثل في هذه الدعوة وفي نبيها الكريم. وينفي ما يقوله المتقولون عنه، ويطمئن قلوب المستضعفين بأنه هو يتولى عنهم حرب أعدائهم، ويعفيهم من التفكير في أمر هؤلاء الأعداء الأقوياء الأغنياء! ويضرب لهم أصحاب الجنة - جنة الدنيا - مثلا على عاقبة البطر تهديدا لكبراء قريش المعتزين بأموالهم وأولادهم ممن لهم مال وبنون؛ الكائدون للدعوة بسبب مالهم من مال وبنين. وفي نهاية السورة يوصي النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر الجميل: " فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت.. "ومن خلال هذه المواساة وهذا الثناء وهذا التثبيت، مع الحملة القاصمة على المكذبين والتهديد الرهيب، يتولى الله - سبحانه - بذاته حربهم في ذلك الأسلوب العنيف . من خلال هذا كله نتبين ملامح تلك الفترة، فترة الضعف والقلة، وفترة المعاناة والشدة، وفترة المحاولة القاسية لغرس تلك الغرسة الكريمة في تلك التربة العنيدة! البيان العام للآيات : ( ن ) من الحروف المقطعة . قيل : هي أسماء للسور ، وقيل : هي فواتح يُفتح بها القرآن وبعضهم قال غير ذلك وقيل : هي حروف هجائية ليس لها معنى. وأما الحكمة منها : فأرجح الأقوال أنها إشارة إلى إعجاز القرآن العظيم. و رجح هذا الشيخ الشنقيطي: أن الحروف المقطعة ذكرت في أوائل السور التي ذكرت فيها بياناً لإعجاز القرآن ، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله ... ثم قال رحمه الله : ووجه استقراء القرآن لهذا القول : أن السور التي افتتحت بالحروف المقطعة يذكر فيها دائماً عقب الحروف المقطعة الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وأنه حق ، قال تعالى في البقرة ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) ، وقال في آل عمران ( الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق ) ، وقال في الأعراف ( المص كتاب أنزل إليك ) ، وقال في يونس ( الر تلك آيات الكتاب الحكيم ) ، وقال في هود ( الر كتاب أحكمت آياته .. ) ، وقال في يوسف ( الر . تلك آيات الكتاب المبين . إنا أنزلناه قرآناً عربياً ) . ( وَالْقَلَمِ ) الواو للقسم ، والقلم مقسم به. قال ابن كثير : ( والقلم ) الظاهر أنه جنس القلم الذي يكتب به كقوله (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) فهو قسم منه تعالى ، وتنبيه لخلقه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم . وقيل : المراد هاهنا بالقلم الذي أجراه الله بالقدر حين كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة .كما في حديث النبي ( أول ما خلق الله القلم ، فقال له : اكتب ، قال : يا رب ما أكتب ؟ قال : اكتب القَدَر ، قال : فجرى القلم في تلك الساعة بما كان ، وما هو كائن إلى يوم القيامة ) . ( وَمَا يَسْطُرُونَ ) ( ما ) موصوله : أي والذي يسطرون، والضمير عائد إلى أصحاب القلم المدلول عليهم بذكره. ( مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ) قال القرطبي : قوله تعالى ( مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ) هذا جواب القسم وهو نفي ؛ وكان المشركون يقولون للنبيّ صلى الله عليه وسلم إنه مجنون ، وهو قولهم ( يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) فأنزل الله تعالى ردّاً عليهم وتكذيباً لقولهم ( مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ) أي برحمة ربك. ففيه الرد المشركين الذين يصفون النبي صلى الله عليه وسلم بالجنون ، قال تعالى (وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) . وقال تعالى (فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ ) . وهكذا عادة المكذبين يصفونهم بالجنون كما قال تعالى (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ) . وفي قوله تعالى (بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ) إشارة إلى عظيم نعمة الله عليه، وأنه بهذه النبوة والرسالة منعم عليه مصطفى من بين العالمين . وفي الآية دفاع الله عن نبيه حيث نزهه عن الجنون ، ودفاع الله يتمثل بأمور : أولاً : الرد عليهم بالآيات : كما قال تعالى (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) وقال تعالى ( وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ ) . ثانياً : قوله ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) فالمجنون سفيه لا يعي ما يقول ولا يحسن أن يتصرف، والخلق العظيم أرقى منازل الكمال في عظماء الرجال ، فأخلاق المجانين مذمومة بل لا أخلاق لهم ، وهنا أقصى مراتب العلو . ويقول السيد قطب رحمه الله :كانت هناك اعتبارات أخرى نفعية وطبقية ونفسية من ركام الجاهلية في المشاعر والتصورات والأوضاع كلها تحاول قتل تلك الغرسة الجديدة في مغرسها بكل وسيلة قبل أن تثبت جذورها وتتعمق، وقبل أن تمتد فروعها وتتشابك] ...[ والرسول عليه الصلاة والسلام ولو أنه نبي، ولو أنه يتلقى من ربه الوحي، ولو أنه يتصل بالملأ الأعلى . . هو بشر، تخالجه مشاعر البشر. وكان يتلقى هذه المقاومة العنيفة، وتلك الحرب التي شنها عليه المشركون، ويعاني وقعها العنيف الأليم، هو والحفنة القليلة التي آمنت به على كره من المشركين. وكان صلى الله عليه وسلم يسمع والمؤمنون به يسمعون، ما كان يتقوله عليه المشركون، ويتطاولون به على شخصه الكريم، " ويقولون: إنه لمجنون " ولم تكن هذه إلا واحدة من السخريات الكثيرة، التي حكاها القرآن في السور الأخرى. وغير الأذى الذي كان يصيب الكثيرين منهم على أيدي أقربائهم الأقربين! والسخرية والاستهزاء ( وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ) أي : بل لك الأجر العظيم والثواب الجزيل الذي لا ينقطع ولا يبيد على إبلاغك رسالة ربك إلى الخلق ، وصبرك على أذاهم ، فمعنى غير ممنون : أي غير مقطوع . ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) قال ابن عباس : إنك لعلى دين عظيم وهو الإسلام . وقد سئلت عائشة عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت (كان خلقه القرآن ). قال ابن كثير : ومعنى هذا أنه صلى الله عليه وسلم صار امتثال القرآن - أمراً ونهياً - سجية له وخلقاً تطبعه ، مهما أمره القرآن فَعَلَه ، ومهما نهاه عنه تَرَكَه ، هذا مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم ، والحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم وكل خلق جميل . وقال الجُنَيْد : سُمِّيَ خلقه عظيماً لأنه لم تكن له همة سوى الله تعالى ،وقيل : سُمِّيَ خلقه عظيماً لاجتماع مكارم الأخلاق فيه ؛ يدلّ عليه قوله عليه السلام : إن الله بعثني لأتمم مكارم الأخلاق ، وقيل : لأنه امتثل تأديب الله تعالى إياه بقوله تعالى (خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين) ( فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ) أي : فستعلم يا محمد ، وسيعلم مخالفوك ومكذبوك ، وهذا وعيد للمشركين ، وفضح لما هم فيه من ضلال، وأنه سيأتي يوم تنكشف فيه حالهم ، ويرون فيه سوء أعمالهم ، كما سيرون ما كان عليه ضلالهم فى رسول اللّه ، وفى مقولاتهم الباطلة فيه ، وهذا مثل قوله تعالى ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) . ( بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ ) من المفتون الضال ، اختلف في معنى ذلك : فقيل ؛ وقيل : الباء ليست بزائدة بمعنى في ؛ أي فستبصِر ويبصرون في أي الفريقين المجنون ، وقيل : المفتون المعذَّب، من قول العرب: فتنت الذهب بالنار إذا حَمّيته، ومنه قوله تعالى ( يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ ) أي يعذّبون. قال ابن عاشور : ويجوز أن تكون الباء للظرفية والمعنى : في أيّ الفريقين منكم يوجد المجنون ، أي من يصدق عليه هذا الوصف فيكون تعريضاً بأبي جهل والوليد بن المغيرة وغيرهما من مدبري السوء على دهماء قريش بهذه الأقوال الشبيهة بأقوال المجانين ذلك أنهم وصفوا رجلاً معروفاً بين العقلاء مذكوراً برجاحة العقل والأمانة في الجاهلية فوصفوه بأنه مجنون فكانوا كمن زعم أن النهار ليل ومن وصف اليوم الشديد البرد بالحرارة ، فهذا شبه بالمجنون ولذلك يجعل (المفتون) في الآية . ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) . أي : هو سبحانه يعلم من هو الشقي المنحرف عن دين الله ومن هو التقي المهتدي إلى الدين الحق . والحمد لله رب العالمين.
رد: المجلس الأول من تدارس سورة القلم هذه سورة مكية! تعج بأمارات القرآن المكي و خصائصه الأسلوبية.. حيث تفتتح بحرف تهجٍ (ن) ، و يليه "قسم" بالقلم و ما في ذلك من دلالة غيبية عن القدر الذي كٌتِب.. و ما في ذلك من إثبات لهذه العقيدة الغيبية و الإيمان بها..، و نجد كذلك تثمينا لخلق النبي و أخلاقه الفاضلة.. نعمة من الله حباه بها..، و في المطلع نجد أيضا وعدا مستقبليا للنبي "فستبصر و يبصرون.." تأكيدا على أن ما كان ما هو إلا بداية و أن ما سيكون من تمكين و عزة آت لا محالة..، ثم حديث عن اليوم الآخر و ذكر للجنة و النار و ما سيكون من أحاديث أهاليهما.. وعد و وعيد.. حتى الآية: "فاصبر لحكم ربك و لا تكن كصاحب الحوت.." أمر ينزل بردا وسلاما و يقينا على قلب النبي الأكرم صلى الله عليه و سلم بالصبر و الاحتساب.. و ضرب مثل من قصص المرسلين السابقين.. سورة مكية بامتياز! قوية الألفاظ ،موجزة العبارات، قصيرة الفواصل.. و فيها من العبر و الدروس و الأمور التربوية و الإخبارية الكثير..
رد: المجلس الأول من تدارس سورة القلم من تأملات لذ. عبد المجيد الغيلي/ افتتحت سورة القلم بقوله تعالى: (مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ)، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يربط بين مقدمتين ونتيجة، أما المقدمة الأولى فهي الإنسان الذي يتفاعل مع نعم ربه، وأما المقدمة الثانية فهي النعمة التي يتعامل الإنسان معها، والإنسان هنا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنعمة هي ما وهبه الله من أدوات يسخرها لمعرفة ربه وللدعوة إليه، والنتيجة هي نفي الجنون عنه صلى الله عليه وسلم. واستخدم القرآن لفظ (الجنون) حيث نفى الله جل جلاله عن رسوله صلى الله عليه وسلم الجنون، والجنون: زوال العقل أو فسادٌ فيه، والمجنون من أصيب عقله بذلك. والمجنون لا يستطيع أن يتعامل تعاملاً صحيحاً مع نعم الله جل جلاله لوجود الانقطاع بين الوسيلة (العقل) والنعمة، إما بزوال أو فساد. ومن المعلوم أن الله جل جلاله قد نفى عن الكفار صحة العقل "صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ"[البقرة171]، وهم أنفسهم سيقولون:"لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ"[الملك10]. إذن فالجنون هو التعامل الخاطئ مع نعم الله جل جلاله. وفي مقابل نفي الجنون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يثبت له القرآن أمرا آخر، وهو الخُلق العظيم. والجنون في الآيات مقابل الخلق العظيم، حيث ثبت الثاني للرسول وانتفى الأول، وإذ عرفنا بأن الجنون هو التعامل الخاطئ مع نعم الله جل جلاله، فإن الخُلُق هو التعامل الصحيح مع نعمه، وهو مراتب، وأعلى هذه المراتب ما وصل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا وُصف بأنه على خلق عظيم، وأمر الله جل جلاله المؤمن بالائتساء به:"لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ"[الأحزاب21].
رد: المجلس الأول من تدارس سورة القلم عن الشيخ صالح بن عواد المغامسي {مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ } العلماء اختلفوا في الباء هنا علام تدل على أقوال 1- فقال قوم إن الباء سببية، فيصبح معنى الآية: {مَا أَنتَ} أيها النبي الخاتم والرسول الكريم {بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} أي: بسبب نعمة ربك {بِمَجْنُونٍ}، فالنعمة التي أفاءها الله عليك سببٌ في انتفاء الجنون عنك الذي تدعيه قريش. 2- وقيل أن الباء للإلصاق، ويصبح المعنى: {مَا أَنتَ} وحالك متلبسٌ {بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} بمجنون، أي: محال أن تكون مجنوناً وأنت متلبس بنعمة الله. 3- وقيل إن الباء للقسم، أي: {مَا أَنتَ} و{نِعْمَةِ رَبِّكَ} هذا قسم، فتحل الباء محل الواو، {مَا أَنتَ} و{نِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}. والمعنى يدل أن الله جل وعلا ينزه نبيه صلوات الله وسلامه عليه عن كل دعوىً باطلة ادعاها عليه خصومه من كفار قريش.
رد: المجلس الأول من تدارس سورة القلم السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته تبتدأ السورة الكريمة بقسم الله عز و جل بالقلم، الذي قد يدل على ما سطرته الملائكة من أقدار بني آدم أو ما يكتب في صحائفنا من أعمال نلقاها منشورة أمام أعيننا يوم القيامة، فنفرح لما أحسنا فيه و نبتئس لما أسأنا فيه.... فهل نحن ممن يستحضر في كل حين اسم الله الرقيب؟ و هل نحن ممن يعمل جاهدا للوصول للمنزلة التي حدث بها النبي صلى الله عليه و سلم فيما روى عن ربه تعالى: ما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه, فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها فكيف تكون صحيفة من استحضر رقابة الله تعالى في ما يسمعه و ما يشاهده و ما يسخر إليه حركته؟ و كيف تكون مكانته في الدنيا و الآخرة؟ و قد يدل قسم الله عز جل بالقلم الذي قد يحيل إلي القلم الذي يستخدمه الإنسان للكتابة، قد يدل على أهمية العلم والسعي في طلبه و تدوينه، و في ذلك تعظيم لشأن العلم و العلماء..... ثم يرسل الله عز و جل بعد ذلك لنبيه صلى الله عليه و سلم رسالة تثبيت و طمأنة، و وعد بعظيم أجر و ثواب لنبي استحمل و ضحى و صبر أمام الإهانات و الأذى من أقرب الناس إليه، ليبعث بذلك الأمل و العزم و اليقين في قلبه، و يعينه على البذل أكثر فأكثر و يزيده قربا و اصطفاء.... صلى الله و سلم على حبيبنا الذي لم يهمه غير تبليغ الرسالة حين قال " والله لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى شمالى على ان اترك هذا الامر ماتركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه "، و أعطى البشرية درسا في الإصرار و التحدي و الثبات و العزم مهما كانت المعوقات، راجيا رضى الله عز وجل غير آبه بآلامه حين قال في الطائف: إنْ لَمْ يَكُنْ بِك عَلَيّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي ، وَلَكِنّ عَافِيَتَك هِيَ أَوْسَعُ لِي ، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِك الّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَك ، أَوْ يَحِلّ عَلَيّ سُخْطُكَ، لَك الْعُتْبَى حَتّى تَرْضَى ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِك... صلى الله عليك يا حبيبي يا رسول الله.... و بعد ذلك يمدح الله عز و جل رسوله الكريم حين يقول: و إنك لعلى خلق عظيم، و للننتبه جيدا هنا: ماذا اختار الله عز و جل من حسن الصفات ليمدح به نبيه في سياق التثبيت؟ اختار عز و جل حسن الخلق... و في ذلك دلالة عظمى على مكانة الأخلاق عند الله عز و جل، و قد جاء في ذاك العديد من الآيات و الأحاديث: إن من أحبكم إلىَّ أحسنكم أخلاقاً و قال رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ: ( إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق ) و عن عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن خلق النبي صلى الله عليه و سلم قالت: كان خلقه القرآن وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله ثم ائتني، فانطلق الأخ حتى قدمه وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر ، فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق ) و يكفي أن عظم خلق النبي صلى الله عليه و سلم أهله للإصطفاء و النبوة: يقول عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ : " إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته " و الله أعلم
رد: المجلس الأول من تدارس سورة القلم الهدى المنهاجي في سورة القلم / الجزء الأول لفضيلة الأستاذ الدكتور الشاهد البوشيخي الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، هذا اللقاء الثالث هو مع الهدى المنهاجي في سورة القلم، وكالعادة أقول في كل سورة إن كتاب الله عز وجل لايمكن –بحال- لأحد أيا كان أن يستخرج منه كل ما ينبغي أن يستخرج، ولذلك فهذا ما تيسر بفضل الله سبحانه عز وجل وهو مما في هذه السورة من الهدى المنهاجي، نسأل الله سبحانه عز وجل أن ينفعنا به، وينفعنا بكتابه وسنة نبيه. ثم بعد ذلك أقول: أول مستفاد: 1-من سنن الدعوات اتهام الرأس بما يصرف الناس عن دعوته في البدايات، وأفضل سلاح للرد: الثبات، والتخلق بأحسن الأخلاق: فالله تعالى يبرز في الآيات الأربع الأولى حسن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم " ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم". وقبل في سورة العلق كان الله عز وجل يدافع عن رسوله صلى الله عليه وسلم تجاه طاغية بعينه، فالسورة دفاع عن عبد الله حين يخلص عبادته لله عز وجل، فيكون على الهدى، آمرا بالتقوى. ومتى كان عبد الله تعالى كذلك فالله يتولاه ويدافع عنه. أما هنا فالسورة متصدية للدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تجاه جمع من الطغاة، وليس تجاه واحد بعينه، بل العبارة شاملة للجميع من أول السورة إلى آخر السورة تقريبا، لأن الذي يغلب عليها ويطغى عليها هو التعبير بصيغة الجمع فيمن يواجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا إطار كبير للسورة يشملها بكاملها. أما النقطة الأولى وهي الاتجاه للرأس، فهو أنه فعلا في النظام العام لسير الدعوات –والأسوة والقدوة هم الرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم من حمل أمانتهم عبر التاريخ مقتديا بسيرتهم- دائما يكون التوجه إلى الرأس، وهذا الذي يجلي: لم يهتم نماذج من الطغاة في هذا العصر بالنشطاء؟ لم يهتمون بالرؤوس؟ لأن قطع الرأس يقضي على الدعوة من جذورها، كما يقال في المثل الدارجي " اقطع الرأس تنقطع الخصومة" لكن التوجيه الذي يجب التزامه أمام هذه الظروف، وأمام هذا المجال هو الثبات على الحق أولا، هذه نقطة أساسية، حذار حذار من التولي، الثبات على الحق أقوى سلاح يتحدى به الرسل وأتباعهم خصوم الدعوة. ثم بعد ذلك التخلق بأحسن الأخلاق، لمه؟ لأن رسالة الدعوة تزكية الإنسان وتحسين أخلاقه، فإذا وجد الشيطان مدخلا، أو ثقبا ينفذ منه فإنه سيوسع الفتق لتشويه الدعوة، ولذلك كان الخلق الحسن بالنسبة للداعي إلى الله عز وجل هو السلاح الحقيقي الذي به يواجه كل هجوم، وكل تهمة كيفما كان نوعها، ولا يستطاع أن ينفذ إليه مهما ألصق به من الأكاذيب ومن الافتراءات ومن الترهات، لأن كيانه له مناعة خلقية تحميه تلقائيا من كل ذلك. والله عز وجل يختار من عباده –ولا سيما من الأنبياء والرسل- من البداية ذوي الخلق الحسن المؤهلين لحمل أمانة الدين. فاختيار النماذج الرفيعة خلقا للدعوة هو من أول الهدى الذي يواجهنا في السورة. إذ فواتح سورة القلم من أول ما نزل، وحسب الحديث الحسن هي ثاني ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا منسجم فعلا، إذا تأملنا العلاقة بين مضمون هذه الآيات الأربع، ومضمون الآيات الخمس الأولى في سورة العلق، معنى هذا الكلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يشهد له هنا بأنه على خلق عظيم معناه أنه كان على خلق عظيم في بداية الدعوة، وهذا يوجه إلى أن هذه النماذج البشرية الرفيعة ذات الخلق الحسن هي التي يجب أن تختار وأن تصطفى لأنها تكون –في الوسط الذي تعيش فيه- في وضع المحبوب، في وضع المطلوب، في وضع الشامة، في وضع النموذج حتى قبل أن تحمل أمانة الدين. هذه النقطة مهمة جدا. ثم إن المفسرين-عادة- يتجهون في فهم هذه الآية إلى الحديث المشهور: سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت " كان خلقه القرآن" هذا الحديث ورد متأخرا، وهذه الآية نزلت قبل أن ينزل القرآن بكامله، بل نزلت قبل أن ينزل أغلبه. آيات قليلة فقط، ومع ذلك شهد الله عز وجل لرسوله بهذا الخلق. واستعمل لفظة "على" للدلالة على التمكن كما استعملها قبل في "على الهدى" " وإنك لعلى خلق عظيم" فهو هناك في سورة العلق متمكن من الهدى، وهو هاهنا أيضا متمكن من الخلق، وليس خلقا كريما عاديا، بل خلق عظيم، إشارة إلى عدم محدودية هذا الخلق، وتحجيمه في جانب كذا أو جانب كذا. ونظير هذا على بصيرة في قول الله تعالى "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني" يوسف/108. فالرسول صلى الله عليه وسلم كان على الهدى، وعلى خلق عظيم، وعلى بصيرة من أمر الدين، وأمر الدعوة، وأمر التربية للأتباع، فعلى ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكونوا متمكنين أيضا من كل ذلك، وأن يتسلحوا بما تسلح به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجميع من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم طريق واحد هو الدعوة إلى الله عز وجل على بصيرة، والمنتظر ولا سيما في البدايات أن يصيبهم ما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعليهم أن يتسلحوا بما تسلح به رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يتحصنوا من منافذ الشيطان. 2-الحل في المستقبل والله تعالى الأعلم بالأهدى والأضل: "فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين" في الآيات إشارة توجيهية إلى تكفل المستقبل بالحل، أي الزمن جزء من العلاج. فستبصر ويبصرون. متى؟ يوم القيامة؟ الكلام أساسا في هذه الدنيا، سيقع هذا الأمر في الدنيا، سيتجلى للناس كما يقول الله تعالى في آية أخرى "ولتستبين سبيل المجرمين" سيتضح الأمر بجلاء، سيبصر الناس جميعا، الذين يكذبون بالدين، والذين يعارضون الدعوة إلى الله عز وجل، إذا ثبت رجالها، إذا صبر أهلها، سيأتي الوقت الذي يميز الله فيه الحق من الباطل، ويتميز الخبيث من الطيب، ويتضح كل شيء، آنذاك "فستبصر ويبصرون" لست وحدك تبصر، ولكن، فستبصر أنت، وسيبصرون هم كذلك "بأيكم المفتون" بأيكم تكون الفتنة للناس؟ من هو الذي يفتن الناس عمليا؟ من؟ لفظ المفتون جاء على صيغة اسم مفعول، ولكن معناه معنى المصدر كما قال بعض المفسرين، وهو الأفضل في المعنى، كأنه بمعنى "بأيكم الفتنة، بأيكم تكون الفتنة للناس، وإذا تركنا اللفظ على ما هو عليه يقبل أن يفهم منه المرادعلى ما هو عليه "بأيكم المفتون" المفتون بأيكم هو؟ المفتون الذي سيفتن، الذي تصيبه الفتنة، الذي يصبح مفتونا، بأيكم سيكون؟ هل هو بهذا أم بغيره؟ فسيبصر هذا، سيصبح واضحا، من الفتان حقيقة؟ فخلاصة هذه النقطة هي أن المستقبل فيه الحل، فيجب الثبات والانتظار. هذا معنى الكلام. الزمن كما قيل جزء من العلاج. فقط ينبغي الصبر والاستمرار، الثبات والاستمرار، هذه هي النقطة، كل الأمور تبنى على هذه النقطة التي جلتها الآيات في جهة أخرى "وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون" السجدة/24. إذا كان اليقين بما جاء من عند الله عز وجل ثم كان الصبر عليه، والثبات عليه، كل النتائج بعد ذلك تأتي في إبانها. لكن إذا وقع اضطراب، إذا وقع اهتزاز، إذا وقع نكوص، إذا وقع، إذا وقع، إذ ذاك تتخلف النتائج وتأتي العقوبات، بدل أن تأتي البشائر والنتائج السارة. فإذن المقصود هنا هو أن الزمن له تأثير، والمستقبل كشاف، والحل يأتي مع الزمن، فيجب الصبر، والصبر أنواع منها: انتظار الفرج، بعد تحمل جميع ما يمكن أن يأتي في الطريق، سواء كان ذلك اختيارا أو اضطرارا، فهذه نقطة مهمة جدا أن في المستقبل الحل، وأن الزمن جزء من العلاج. نشر بجريدة المحجة الصادرة بفاس بتاريخ 27 صفر الخير1428 / 17 مارس 2007/ العدد 273
رد: المجلس الأول من تدارس سورة القلم بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مبرووووووك من الاعماق والى الامام وبالتوفيق يارب