المجلس الثالث في مقام التلقي لرسالة الحمد والابتلاء فيه واقع بالآيات التالية: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ. هذا مقام انفتاح الأبواب العليا!.. وما كان للرحمة الإلهية الكبرى إلا أن تنفتح لاستضافةِ عبدٍ فَرَّ إلى الله مستجيراً، ثم طرق بابه مستأذنا! فبأي شيء يمكنك أن تبادر ربَّكَ الآن يا عبد الله؟ بأي شيء وهذه نِعَمُهُ عليكَ قد سَبَقَتْ قدومَكَ! أوليس قد خلقك؟ أوليس قد رزقك؟ أوليس قد رعاك؟ أوليس قد هداك؟ فبأي لسان تتكلم اليوم بين يديه؟ أبلسان الحمد والشكر؟ وأيُّ لغةٍ في العالم قديرة على إنشاء الشكر الكامل والحمد المطلق، لرب أنعم عليك بكمال النعم وبمطلق الإحسان؟ وإنما حقيقة الشكر أن يكون على قَدْرِ النعمة أو يزيد! تلك هي القضية! ألاَ لاَ حَمْدَ للهِ ولاَ شُكْرَ إلاَّ بما حَمِدَ هو تعالى بِهِ نَفْسَهُ! فَادْخُلْ تواضعَ عبوديتِكَ لله يا عَبْدُ واقرأ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ!" اقرأ حَمْدَ اللهِ لنفسه، وثناءَ اللهِ على ذاتِه! اقرأه قرآناً كريماً مجيداً، وتَعَبَّدْ! فإنما القرآن وحده هو خطاب الكمال، وهو وحده شُكْرُ الكمال، وهو وحده حَمْدُ الكمال! فإنما هو كلام صادر عن الله ذي الجلال والجمال والكمال! وليس غريبا على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو أعرف العارفين بالله، وأعْلَمُهُمْ بِهِ جلَّ عُلاَهُ – ليس غريبا عليه أن ينطق بحكمته النبوية الرفيعة، وهو يناجي ربَّه ساجداً له، مُتَهَجِّداً في غسق الدُّجَى: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك! وبمعافاتك من عقوبتك! وأعوذ بك منك! لا أحصي ثناءً عليك، أنتَ كما أثنيتَ على نفسك!)(1). ومَنْ يُحْصِي الثناءَ على الله إلاَّ هُوَ جَلَّ جلالُه!؟ ولو لم يكن لهذا القرآن من وظيفة إلا أنه أتاح لنا أن نشكر الله ونحمده بكمال حمده وشكرانه، لكفى به نعمةً عظمى على العالمين! فـ(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ!) (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ذلك بدء الفاتحة، فاتحة القرآن العظيم! وهي كلمة شكر عظمى، جامعة مانعة. جامعة لكل حمد يليق بشؤون الربوبية العليا، بما هو الله رب العالمين! مانعة من دخول أي أحد سواه فيما يليق به - جل وعلا - من الحمد والثناء. ومعناها: الشكر والثناء خالصاً لله وحده! إنها إذن كلمة حمد وكلمة توحيد وإخلاص.. إنها ثناءٌ على الله؛ لجمال أسمائه الحسنى وصفاته العُلَى، وشكرٌ له تعالى؛ بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها عدد، ولا يحيط بِمَلَكُوتِهَا أحدٌ!(2) ووصفه تعالى بـ(ربِّ العالمين): أي رب الإنس والجن والملائكة، ورب السماوات والأرَضِينَ، وما فيهن من سائر الخلق أجمعين. قال تعالى: (وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَآئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ. مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ)(الأنعام:38). و(الرَّبُّ) - في كلام العرب – لفظ جامع لكل معاني المالِكية والهيمنة. ولذلك فهو يطلق على السيد المطاع، والْمُصْلِح للشيء، والمالك للشيء. وربنا جل ثناؤه: هو السيد الذي لا شبيه له ولا مثيل في ملكه وسلطانه، وهو المصلحُ أمرَ خلقِه، والْمُدَبِّرُ أمرَ مملكته؛ بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر! ومفتاح معنى الربوبية هو صفة الخالقية؛ ذلك أن المالك الحق للشيء إنما هو الذي خلقه. والله جل جلاله هو: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ. لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)(الزمر:62-63). ولذلك كان بحق هو رب العالمين! فكان الحمد له - وحده دون سواه - بكل تلك المعاني الكونية الشاملة، النابعة من قلب المؤمن، والمتوجهة إليه بالعبادة شكراً وثناءً، بما لجلاله العظيم من سلطان على كل العالمين! "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، سبق البيان أن اسم الجلال: "الرحمن" دال على عموم الرحمة لجميع الخلق، وأن لا شيء قائم في الوجود إلا برحمته، سواء في ذلك عالم الإنسان وغيره من العوالم الأخرى، كعالم الملائكة والجان والكواكب السيارة في الفضاءات والأفلاك الضاربة في المجهول، وما فوقها من طبقات السماوات! ثم نزولا إلى عالم الحيوان والنبات والجماد، وما بين هذه وتلك من دقائق المخلوقات، وما لا علم للإنسان به من عجائب الكائنات. فكل موجود إنما وجوده تجلٍّ من تجليات رحمانيته تعالى، خلقا وتقديرا ثم رعايةً وتدبيراً. ولولا رحمانيته لكان عدما في عدم! فبالرحمانية خُلِقَ العالم، وبالرحمانية يقع تدبيره من لدن خالقه الرحمن، وبالرحمانية تتنـزل الأرزاق على الخلق أجمعين، من سائر الأجناس والأنواع، من الإنس والجن إلى سائر الحيوان ودقائق الحشرات والجراثيم، إلى عوالم الحيتان والأسماك، إلى شتى ضروب النبات. وبالرحمانية تتصرف القدرة الإلهية في إصلاح شؤون الكون الممتد من عالم الشهادة إلى عالم الغيب وصيانته ورعايته، ومن هنا ناسب جدا أن يَرِدَ وصفُ الرحمانية في سياق الحمد لله، بما هو "رب العالمين". وبذلك كله استحق هذا الاسم العظيم من أسماء الله الحسنى، "الرحمن" أن ينال ضربا من الاستقلال في الدلالة على الذات الإلهية، بما جمعت من شؤون الربوبية وكمال الألوهية! فكاد يكون رديفا لاسم الجلال الأعظم: "الله" جل جلاله! لا يوازيه في ذلك اسم آخر مما عَلَّمَنَا اللهُ - تبارك وتعالى - من سائر الأسماء الحسنى! وهذا واضح جدا من استعمالات القرآن لاسم الرحمن بما لم يرد في اسم آخر سواه، كما في قوله تعالى: (قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى)(الإسراء: 110)، وقوله سبحانه: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)(طه:5)، وقوله سبحانه: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً. وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً)(الفرقان: 59-60). ومثل ذلك في القرآن كثير جدا؛ بما يدل على سَعَةِ هذا الاسم العظيم وشموليته لكل شؤون الربوبية العظمى تماما كما لاسم الجلال: "الله" جل علاه. وهذا واضح في السُّنة أيضان من مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن)(3). ثم سبق البيان أيضا أن اسم "الرحيم" دال على خصوص الرحمة للمؤمنين. وكفى العبدَ المؤمنَ شرفاً وتشريفاً، وكفاه فرحاً بالله وأُنْساً به تعالى، أن يكون له من ربه خصوص رحمة، مستثناة من عموم رحمانيته للعالمين! إنها الرحمة الخاصة، ذات الأسرار والأنوار، رحمة الهدى والجمال، الجمال المتجلي بالإيمان على عباد الله المؤمنين؛ حَدْواً لهم ضمن قوافل الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، إلى دار السلام والنعيم المقيم. وأما قوله تعالى: "مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ"، فقد قُرِئَ: "مَلِكِ" بمعنى الْمُلْكِ، وقُرِئَ: "مَالِكِ" بمعنى الْمِلْكِ. والدِّينُ في اللغة: الحساب والجزاء، الواقع من الله على الخلائق يوم القيامة. فمعنى الآية على القراءة الأولى: أنه تعالى المنفرد يومئذ بالْمُلْكِ، دون الملوك الجبابرة، الذين كانوا في الحياة الدنيا ينازعونه الْمُلْكَ والسلطانَ توهماً واغتراراً، ويدافعونه العظمةَ والكبرياءَ عُتُوّاً واستكباراً. فيوم الدين لا إمكان أبدا لمثل هذا الغرور ولا لمثل ذلك الاستكبار. فالخليقة كلها، ملوكها ودهماؤها، طغاتها ومستضعفوها، كلهم جميعا خاضعون اليوم لسلطانه، جاثون تحت أمره، في انتظار صدور حكمه! مجردون من كل حول وقوة، ومما ابتلوا به في الحياة الدنيا من مُلك ومالكية. فها هم اليوم حفاة عراة فقراء أذلاء، بين يدي الله الملك الحق، المالك لكل حكم وفصل في هذا اليوم الرهيب! ومنه قوله تعالى: (لِمَنِ الْمُلْكُ اليَوْمَ؟ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ!)(غافر: 16). والمعنى على القراءة الثانية متفرع عن الأولى، وهو: ألاَّ أحدَ يملك في ذلك اليوم مع الله حُكْماً، فهو جل وعلا وحده الذي يملك الحكم بين العباد، ويفصل بينهم بقضائه العدل، وألا شفاعة من أحد لأحد إلا بإذنه تعالى. فالحمد لله - في بدء السورة - واقعٌ لله بهذه المعاني جميعا، أي بما هو "رب العالمين"، وبما هو "الرحمن الرحيم"، وبما هو "ملك يوم الدين". فذلك كمال الحمد وتمامه. لطفا.. تابعوا المجلس الثالث في المشاركة التالية...
تابع المجلس الثالث لسورة الفاتحة 3- الهدى المنهاجي: وهُدَى الآيات متضمن لأربع رسالات: - الرسالة الأولى: في أن الحمد هو أول مقام وجب أن يتحقق به المؤمن العارف بالله حقا، وأول منـزل وجب أن ينـزل به، وأول خُلُقٍ وجب أن يتخلق به؛ إذ الحمد هو مقام التعرف إلى الله بما له - جل علاه - من صفات الربوبية على العالمين رحمانية ورحمة إلى يوم الدين! فكان الحمد بذلك هو أول حق من حقوق الله على العباد، فالحمد أول كلمة في القرآن، والحمد أول كلمة نطق بها آدمُ - عليه السلام - بُعَيْدَ نفخِ الروح فيه مباشرة!(4) فكان الحمد هو كلمة الاعتراف لله بالربوبية على العالمين، وكلمة الخضوع لألوهيته في كل شيء. فهو تخلق بمقام الرضا بالله ربا. - الرسالة الثانية: في أنَّ نِعَمَ الله على العباد أعظم وأوسع من مجرد الاستيعاب بالتخيل، بَلْهَ الإحصاء والاستقراء! وأن الإنسان غارق في بحرها العظيم، خلقا وتقديرا، وحفظا ورعايةً، ورزقا وهدايةً.. إلخ. وأنه متقلب في ذلك بين رحمانية الله ورحمته. فلا مناص لمن أراد أن يكون لربه شكورا إلا أن يكون له عبداً متحققا بعبديته! - الرسالة الثالثة: في أن الإنسان راحل في سفينة الكون حتما، من الوجود الدنيوي إلى الوجود الأخروي، وأن كل يوم يسلخه من عمره هو مرحلة يقطعها نحو الآخرة! وأن وظيفة الحياة الدنيا منحصرة في معنى واحد ووحيد: هو الحرث! وأن الآخرة هي موسم الحصاد! ولا بد للحارث أن يحرث، فإما خيرا وإما شرا! وإنما تمحيص ذلك هو يوم الدين! وموسمُ الحرثِ فَانٍ، فَانٍ، فَان! ويوم الدين بَاقٍ أبداً! فلا شيء يبقى للعبد إلا ما كان للباقي! - الرسالة الرابعة: في أن الحياة الدنيا لم تقم عبثا، بل هي مراقَبة على العبد، محصاة عليه لحظةً لحظةً، مسؤول عن كل وقت من أوقاتها مما يصرفه من عمره فيها بين ليل أو نهار، ما عمل وما لم يعمل، وأن تصفية حسابها - صغيرِه وكبيرِه - واقع لا محالة يوم الدين! ذلك اليوم الذي هو غاية الحياة الدنيا، والذي من أجله كان الخَلْقُ كلُّه، وكان الوجود كله، والذي من أجله تعيش البشرية أعمارَها. علم ذلك من علمه وجهله من جهله! – ولذلك كانت قراءة المسلم لهذه الآية في كل ركعة من صلواته إيقاظا له من سباته، وتنبيها له من غفلته، وتذكيرا له بحتمية اليوم الآخر، وحثه على الاستعداد له رَغَباً ورَهَباً، بالعمل الصالح، تركا للمعاصي وهجرانا للذنوب، وفعلا للصالحات وإقبالا على الطاعات. فيا نفسي الأمارة الجهولة! ليس أمامك الآن إلا أن تفري إلى الله، وتعتصمي بحبله المتين، فالعواصف الهوج على وشك الضرب بأغصانك الشاحبة! فإلى متى وأنت تُسَوِّفِينَ التوبة من يوم إلى غد؟ فكم من غد بقي لك في أيامك المعدودة المحدودة؟ هذه أنوار "الحمد" تضيء لك علامات الطريق إلى الله، وهذه أورادها العملية منتصبة بين يديك، فَعُدِّي مدارجَ العمل، الواحدةَ تلو الأخرى وانطلقي! فهذه الصلوات الخمس ونوافلها مدرسة لمجاهدة النفس الظلومة الجهولة، ولمكابدة أخلاق الرضا بالله؛ عسى أن تتحققي بمنـزلة الحامدين لله رب العالمين! فاعقدي العزيمة على تحقيق الشهود القلبي، سيرا إلى الله جل جلاله، عبر الخطوات القلبية التالية: - الخطوة الأولى: تحقيق تكبيرة الإحرام في كل صلاة؛ لضمان يقظة القلب عند أول مقام الحمد! وإلا فاتك شهوده، وضاعت منك لحظة الانطلاق؛ فكنت بذلك من المتخلفين عن ركب السائرين إلى رب العالمين! وأنى لك اللحاق وقد حلقت أجنحة الروح عبر معارج القرآن عاليا جدا؟! - الخطوة الثانية: الصلاة في محراب الكون لشهود الجماعة الكبرى بين يدي رب العالمين والانتظام في صفها الكبير ومسجدها الكوني الفسيح. - الخطوة الثالثة: مشاهدة نعم الرحمانية والرحمة من خلال تلقي أنوار الأسماء الحسنى، والاغتراف من كوثرها، وحمل النفس على الرحيل إلى منازلها؛ لتلقي تجلياتها، بدءا بما يتجلى على القلب من رحمانية الله، خالقا ورازقا ومحييا وقيوما، إلى ما يتجلى عليه من رحمته تعالى هاديا ونصيرا ثم شكورا. - الخطوة الرابعة: مجاهدة النفس على التخلق بأخلاق الرضا بالله ربا في الشدة والرخاء، وفي المرض والصحة، وفي الابتلاء والعافية. وهو مقام الشكر له والثناء عليه بمجامع الحمد المتقلب في عبودية الله على كل حال. - الخطوة الخامسة: إقامة النفس أبدا على عتبة الاستعداد للرحيل، إلى مملكة يوم الدين، والتفكر الدائم في نشرة الحساب بين يدي الملك العظيم. ــــــــــــ هوامش: (1) أخرجه مسلم. (2) وقد قيل: (الحمد لله): ثناءٌُ على الله بأسمائه وصفاته الحُسنى ، و(الشكر لله): ثناء عليه بنعمه وأياديه. والتحقيق أن (الحمد) جامع لكل ذلك جميعا. قال ابن جرير الطبري رحمه الله: (وإنما دخلت "أل" في "الحمد لله" لإفادة الشمول؛ لأن المعنى: جميع المحامد، والشكر الكامل؛ إنما هو لله دون سواه). (3) رواه مسلم. (4) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عَطِسَ، فقال: "الحمد لله!" فَحَمِدَ الله بإذنه، فقال له ربُّه: يرحمك الله يا آدم!) ..الحديث. أخرجه الترمذي والحاكم. وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير رقم: 5209. ـــــــــــانتهى.
نعمة الحمد بسم الله الرحمان الرحيم الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ثم الحمد لله على نعمة الحمد إذ ما حمده عبد إلا بتوفيقه، ثم الحمد لله على حمد نعمة الحمد،ثم هكذا دواليك في حمد متوال له سبحانه لاغاية لمداه و لا منتهى لأمده نثني عليه فيه بالحمد الموالي على التوفيق للحمد الذي سبقه. فإذا كان يعيينا إحصاء حمده على نعمة الحمد عينها فأنا لنا أن نحمده حق حمده وهو الذي شملنا بنعم لا أول لها و لا آخر (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها). فغفرانك اللهم ما عبدناك حق عبادتك ولا حمدناك حق حمدك ، سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
بسم الله الرحمان الرحيم الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله و إن للحمد عند الله من المكانة ما الله به عليم، فهو باب دخول القرآن الكريم، و هو باب دخول الصلاة، و من آداب الدعاء استفتاحه بحمد الله و الثناء عليه، و الحمد لله تملأ الميزان كما في الحديث الصحيح: (( الطهور شطر الإيمان و الحمد لله تملأ الميزان ، و سبحان الله و الحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء و الأرض ، و الصلاة نور ، و الصدقة برهان ، و الصبر ضياء ، و القرآن حجة لك أو عليك ، كل الناس يغدو ، فبائع نفسه ، فمعتقها أو موبقها )) ، و الحمد لله أول كلمة يتلفظ بها المؤمن عند تلقيه ما يسره، و هي أول ما تلفظ به آدم عليه السلام عند خلقه، و هي أول ما يقوله أهل الجنة عند دخولهم الجنة(( الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق و نودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون)) و إن متأملا في خلق الإنسان و تكوينه الدقيق و في هذا الكون الفسيح المسخر لهذا الإنسان الضعيف (( وسخر لكم ما في السماوات و ما في الأرض جميعا منه )) لينطق لسان حاله قبل لسان مقاله حامدا ربه جل و علا وشاكرا إياه وحده على هذه النعم العظيمة و الآلاء الجسيمة ممتثلا بذلك أمره و مجتنبا نهيه ، و طائرا إليه بجناحي الخوف و الرجاء، و قلب مفعم بالحب له جل ثناؤه ، ولكن المصيبة: أنه قَلَّ قَلَّ من يفعل ذلك من عباد الله، و قَلَّ قَلَّ من يحمد الله كما ينبغي لله باللسان قولا و ذكرا و بالجَنان حبا و شكرا و بالأعمال سرا و جهرا، و ذاك هو الشكر الحق (( فاتقوا الله لعلكم تشكرون ))و التقوى تجمع كل ذلك، يقول الله في ذلك (( و قليل من عبادي الشكور )) فمقام الحمد مقام عزيز قل من يدركه، نسأل الله أن يجعلنا من أهله، اللهم آمين و جزاكم الله خيرا*
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(1) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(2) مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ(3) الله الموفق وهو يهدي السبيل
إشارة لطيفة إخوتي جلساء الملائكة إن شاء الله.. السلام عليكم ورحمة الله ما شاء الله عليك أخي أوقسو..! إنها إشارة لطيفة جدا أن اكتفيت بكتابة الآيات الأولى من سورة الحمد؛ للدلالة على أن لا حمد لله على الكمال إلا بما حمد الله نفسه! وهو حق نعم، لكن يستحب في سياق المدارسة التعبير عن الخواطر وشرح ما وجدته للإخوة مما دعاك للتعبير في مداخلتك بآيات الحمد نفسها، ولأن شرح ذلك هو فائدة المدارسة، حيث ترتقي بمدارك الإخوة المتدارسين لسورة الحمد إلى منازل ومكاسب أعلى، سواء على المستوى الروحي أو العلمي.. وإن شاء الله تكون مأجورا بنقل تجربتك القرآنية الوجدانية إلى الآخرين.. فلعلنا نستطيع بالتعاون جميعا الوصول إلى مقام الحمد تخلقا به وتحققا.. فاللهم وفقنا لكون لك من الحامدين آمين!
بسم الله الرحمان الرحيم السلام عليكم ورحمة الله تجدون إن شاء الله على الرابط التالي شرح الأستاذ حفظه الله لمنزلة الحمد في ست وصلات مرئية قصيرة: http://www.youtube.com/view_play_list?p=9301EFC7269255F9 وفقنا الله لحسن الفهم آمين..
أسماء الجلال و الجمال و الكمال بسم الله الرحمن الرحيم (الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. ملك يوم الدين) الله.. الرب.. الرحمن.. الرحيم.. الملك.. أسماء و صفات له جل جلاله. تمر على اللسان في ثوان قليلة، فيحتقرها القلب و الأذن.. كلا! لا ينبغي للعبد المتلقي للقرآن أن يغفل عن الثقل الروحي الهائل الذي تحمله هذه الكلمات الخمس. بل عليه أن يتدبرها، بهيبة و حسن إصغاء. فإذا تحقق له ذلك أدرك معنى كلمة (الحمد) التي نطق بها في البداية. فيحس بالتقصير و أنه لم يحس بمعناها كما ينبغي، فينطق بقلبه آنذاك حمدا حقيقيا أحسن من سابقه. ثم يحس التقصير فيحسن حمده، و هكذا.. و الحمد لله رب العالمين!
الحمد على نعمة يوم القيامة بسم الله الرحمن الرحيم أعتذر لإدراج تعليقين متتاليين، لكنني أحببت أن أشارككم خاطرة وقعت في قلبي البارحة بعد موقف معين... يصادف الإنسان في طريقة أحداثا مؤلمة و مآسي قاسية. فيجد مثلا من الظلم و الانحراف في المجتمع ما يدمي القلب حزنا. ينظر تجاهه فيجد مساكين تكالب الناس على أخذ حقوقهم دون مراعاة للأخلاق أو الإنسانية. هذه المآسي تجعل الإنسان يكره الحياة و يضيق بها صدره. فتبدأ أحكامه في الاتجاه نحو التعميم و الغلو. و يجد الشيطان مدخلا واسعا للوسوسة.. هنالك تسطع شمس : (ملك يوم الدين)! هذه الحقيقة الكبرى، حقيقة وجود يوم الحساب، هي نعمة كبرى في واقع الأمر. فتحت أهواله تختبئ رحمة الله رب العالمين، الذي سيقضي بين الظالم و المظلوم و يرد الحقوق إلى أصحابها. فالحمد لله على أنه ملك يوم الدين! و لو كان غيره ملكا ليوم الحساب لوجد ظلم يومها كما وجد في هذه الدنيا. الحمد لله ،رب العالمين الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين.
الرحمن الرحيم بسم الله الرحمن الرحيم ليس عبثا أن تَفتَتِح أولُ سورةٍ القرآنَ بأسماء : (الله) (الرحمن) (الرحيم) وأن تُفْتَتَحَ هي نفسها بهذه الأسماء الجليلة وكل أسمائه سبحانه حسنى و جليلة:الحمد (لله) رب العالمين (الرحمن) (الرحيم) . إن العبد إذا استأذن على مولاه من بابه الرحمن الرحيم وعمته رحمته قُبِلَ ودخل ،ولا يسعه وقد دخل بفضل ربه ومولاه في التلاوة إلا أن يحمده أولا على هذا القبول ثم يمجده عليه ، وقد كان تمجيده ممكنا بغيرهذين الإسمين سبحانه ( الرحمن الرحيم ) فما الحكمة ههنا يا ترى؟ لست بالمفسر النحرير ولا بالعالم المتمكن لأقف بالدليل على ذلك ، لكن المرء يلاحظ أن الإنسان إن هو سبق إليه معروف من أحد أبناء جلدته كان أول ما يتبادر إلى ذهنه عند ذكر اسمه هو ذلك الفضل الذي بدر إليه منه ، ولله المثل الأعلى ولا مشاحة في الأمثال فكذلك العبد لما يذكر اسم الله من مطلع سورة الفاتحة فإنه لا يلبث أن يستحضرذلك الفضل الذي غمره به ربه إذ شمله برحمته عامها وخاصها حيث قبله ليدخل إلى حضرة خطابه ويكون من تلاة آيه وكتابه، وفضل أي فضل هذا الذي كان وما زال منه عليه ! فسبحانك اللهم أنت الرب الرحمن الرحيم.
الرب والملك والإله بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ: توحيد الألوهية رَبِّ الْعَالَمِينَ:توحيد الربوبيه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ: توحيد الصفات أن الله سبحانه رب كل شيء ومالكه وإلههُ : في معنى الرب : فالرب مصدر ربُّ يرَبُّ ربّاً فهو رابٌّ : فمعنى قوله تعالى } رَبِّ الْعَالَمِينَ { رابِّ العالمين ، فإن الرب سبحانه وتعالى هو الخالق الموجد لعباده ، القائم بتربيتهم وإصلاحهم من خَلقٍ ورزقٍ وعافية وإصلاح دين ودنيا . في معنى الإلهية : والإلهية كون العباد يتخذونه سبحانه محبوباً مألوهاً ويفردونه بالحب والخوف والرجاء والإخبات والتوبة والنذر والطاعة والطلب والتوكل ، ونحو هذه الأشياء . فإن التوحيد حقيقته أن ترى الأمور كلها من الله تعالى رؤية تقطع الالتفات إلى الأسباب والوسائط ، فلا ترى الخير والشر إلا منه تعالى ، وهذا المقام يثمر التوكل وترك شكاية الخلقِ وترك لومهم والرضا عن الله تعالى والتسليم لحكمه . وإذا عرفت ذلك فاعلم أن الربوبية منه تعالى لعباده والتَّأَلُّهَ من عباده له سبحانه ، كما أن الرحمة هي الوصلة بينهم وبينه عز وجل . الرب والملك والإله : ولذلك ، جاءت الاستعاذة في سورة الناس وسرة الفلق بالأسماء الحسنى الثلاثة ، الرب والملك والإله ، فإنه لما قال : } قل أعوذ رب الناس { كان فيه إثبات أنه خالقهم وفاطرهم ، فبقي أن يقال ، لما خلقهم هل كلفهم وأمرهم ونهاهم ؟ : قيل نعم ، فجاء }ملك الناس{ فأثبت الخلق والأمر . }أله له الخلق والأمر {الأعراف :54 . فلما قيل ذلك ، قيل فإذا كان ربا موجداً وملكاَ مكلفاً ، فهل يُحَبُّ وَيُرَغَّبُ إليهِ،ويكون التوجه إليه غاية الخلق والأمر . قيل } إله الناس{ ، أي مألوهم ومحبوبهم الذي لا يتوجه العبد المخلوق المكلف العابد إلا له ، فجاءت الإلهية خاتمة وغاية وما قبلها كالتوطئة لها منقول الله الموفق وهو يهدي السبيل
الحمــد لله .. أســرار وإعجــاز الدكتور فاضل السامرائي القرآن الكريم . . كتاب الله . . ومعجزته الخالدة . . تحدى به الثقلين من الإنس والجن أن يأتوا بمثله أو بشيء من مثله ، فعجزوا وما استطاعوا وما استحقوا على عجزهم لوما ولا عتابا فأنى لهم أن يأتوا بكلام كالقرآن . . كلام حف بالهيبة، وامتاز بالسمو، وتكامل فيه الشكل والمضمون وتآلفـا فكل منهما يخدم الآخر ويقويه . . فكان ذلك إعجازا ما بعده إعجاز وواضح لنا جميعا أن التحدي بالإتيان بمثل القرآن لم يكن المقصود به الإعجاز العلمي أو نحوه ، وإنما قصد به إعجاز اللغة والبيان والبلاغة ، والعرب الأوائل هم أهل ذلك ، لكنهم أمام القرآن وقفوا عاجزين يقلبون أكفهم من الحيرة وكلمة حق لا بد أن تسجل في حقهم . . لم يدعوا القدرة على ذلك أبدا . . بل كانوا يقولون: ما هذا بكلام بشـر وعندما تجرأ مسـيلمة الكذاب على التأليف لم يتمسكوا بما قال بل لم يعيروه أدنى اهتمام ، لأنهم يعلمون أنه ليس بشيء ولم يكونوا في هذا الأمر من المكابرين من ذلك الإعجاز القرآني الدقة في اختيار المفردات ، فكل كلمة تأتي في مكانها المناسب لها ، فلو غير موضعها بتقديم أو تأخير أوجمع أو تثنية أو إفراد لتأثر المعنى ولم يؤد ما أريد منه ، وكذلك لو جيء مكانه بكلمة خرى ترادفه لم تقم بالمطلوب أبدا سنرى اليوم جملة مؤلفة من كلمتين إنها ( الحمد لله ) في سورة االفاتحة ، هل كان من الممكن استعمال كلمات أخرى أو التغيير في وضعها ؟ في الظاهر . . نعم . . هناك كلمات و أساليب تحمل المعنى نفسه ، ولكن هل تفي بالمراد ؟ كان بالإمكان قول ( المدح لله أو الشكر لله ) مثلا ولكن ماذا عن المعنى العام ؟ 1ـ (المدح لله) ـ المدح هو الثناء وذكر المحاسـن من الصـفات والأعمال أما الحمد فهو الثناء وذكر المحاسـن مع التعظيم والمحبة . أيهما أقوى إذن ؟ ـ المدح قد يكون للحي ولغير الحي ، و للعاقل وغير العاقل ، فقد يتوجه للجماد أو الحيوان كالذهب والديك أما الحمد فيخلص للحي العاقل ـ المدح قد يكون قبل الإحسان وقد يكون بعده ، فقد يمدح من لم يفعل شيئا ، ولم يتصـف بحسـن أما الحمد فلا يكون إلا بعد الإحسان ، فيحمد من قدم جميل الأعمال أو اتصف بجميل الصفات يظهر لنا مما تقدم أننا عندما نقول ( الحمد لله ) فإننا نحمد الله الحي القائم الذي اتصـف بصـفات تسـتـحـق الحمد ،ونعترف له بالتفضل والتكرم فقدأسبغ علينامن إحسانه ظاهرا وباطنا ما لا يعد ولا يحصى مع إظهار تعظيمنا وإجلالنا له وتأكيد توجه محبتنا إليه 2ـ (الشكر لله) ـ يكون الشكر على ما وصل للشـخـص من النعم ، أما الحمد فعلى ما وصل إليه وإلى غيره ـ الشكر يختص بالنعم ولا يوجه للصـفات ، فنحن لا نشكر فلانا لأنه يتصف بصفة العلم أو الرحمة أو غيرها من الصفات الذاتية له ، أما الحمد فيكون ثناء على النعم وعلى الصفات الذاتية وإن لم يتعلق شيء منها بنا فالشكر إذن أضيق نطاقا ، إذ يختـص بالنعم الواصلة إلى الشـخـص الذي يشكر فحسـب مما تقدم يتضح لنا أن المدح أعم ممن الحمد ، وأن الحمد أعم من الشكر وفي الأول تعميم لا يناسب المقام ، وفي الأخير تخصيص غير مناسب أيضا وهل يمكن مثلا استعمال واحدة من هذه العبارات؟ 3 ـ أحمد الله أو نحمد الله أو احمدوا الله *** فيقال في الرد : إن هذه العبارات إن استعملت لتأثر المعنى المقصود،وقلت القوة المراد له الظهور بها ، وفيما يلي تفصيل ذلك عن الجمل المذكورة قبل قليل ــ هي جمل فعلية، الأولى يتحدث بها الشخص الواحد، والثانية تقولها جماعة من اثنين فأكثر، والثالثة أمر بإتيان فعل الحمد والجملة الفعلية تدل على الحدوث وتجدد الفعل أما (الحمد لله ) فجملة اسمية والجمل الاسمية تدل على الدوام والثبوت لذا فمن القواعد المعروفة في اللغة أن الجملة الاسمية أقوى من الجملة الفعلية لأن الأولى تدل على الثبوت ، وأيضا لأمور أخرى سنتعرف عليها فيما يلي ــ الجملة الفعلية تختص بفاعل معين ،فالفاعل في الجمل المذكورة أعلاه هو المتكلم المفرد في الأولى ،ولكن ماذا عن غيره من الناس ؟ وفي الجملة الثانية جماعة المتكلمين والسؤال لازال قائما ماذا عن غيرهم ؟ وفي الثالثة الجماعة التي تؤمر بالحمد وأيضا تظل قاصرة أما الجملة الاسمية فتفيد الحمد على الإطلاق من المتكلم وغيره دون تحديد فاعل معين ، ولعلنا نستشهد على ذلك بقوله عز من قائل سبحانه ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) فبالإطلاق الوارد في الجملة الاسمية يحدث الشمول الذي لا يشمل البشر فقط بل يتجاوزهم إلى كل ما في الكون ــ والجملة الفعلية ترتبط بزمن معين مما يعني أن الحمد لا يحدث في غير هذا الزمن الذي يتم فيه الحمد وزمن الإنسان زمن محدد معين ، يرتبط أو يساوي عمره على أقصى تقدير ، فلا يتجاوزه إلى ما بعده ولا يبدأ قبله، فيكون الحمد أقل مما ينبغي بكثير أما في الجملة الاسمية فالحمد مطلق،مستمد غير منقطع،مناسب بلا نقصان ــ كما أن الجملة الفعلية لا تفيد أن المفعول مستحق للفعل، فقد نشكر من لا يستحق الشكر،وقد نهجو من لا يستحق الهجو أما الجملة الاسمية فتفيد استحقاقه للحمد تأكيدا والجملة الفعلية لا تعني أنه مستحق للحمد لذاته بينما تفيد الجملة الاسمية أن الحمد والثناء حق لله تعالى ،وملك له سبحانه،فهو ثابت له،وهو يستحقه لذاته ولصفاته ولما أنعم من آلائه ــ وإن كان الفعل للأمـر( احمد أو احمدوا ) فإن هذا أيضا لا يؤدي المعنى المطلوب،لما هو واضح من أن المأمور قد يفعل ما أمر به دون اقتناع،وإنما خوفا من الآمر أو رغبة في شيء ولأن المأمور به لا يكون مستحقا للفعل دوما ــ والحمد صفة القلب ،وهي اعتقاد كون المحمود متفضلا منعما مستحقا للتعظيم والإجلال،فإذا تلفظ الإنسان بالجملة الفعلية ذات الفاعل والزمن المحددين،وكان قلبه غافلا عن معنى التعظيم اللائق كان كاذبا،أما إن تلفظ بالجملة الاسمية فإنه يكون صادقا وإن كان قلبه غافلا لاهيا،لأنها تفيد أن الحمد حق لله ،وهذا حاصل سواء أعقل أم غفل 4 ـ الحمدَ لله ـ قراءة الحمد بالنصب جائزة على تقدير فعل محذوف، فتكون جملة فعلية ـ والجملة الفعلية تدل على التجدد والحدوث، بينما تدل الجملة الاسمية على الثبوت، وهو أقوى ـ والجملة الفعلية تختص بفاعل معين وزمن معين، وفي هذا ما فيه من نقص الدلالة على المعنى المراد كما تقدم في رقم 3 ـ يستوي الأمر إذا قدرنا فعلا مضارعا أو فعلَ أمر، لأن الأمر بالشيء لا يعني أن المأمور به مستحق للفعل، وقد يفعل المأمور ما أمر به دون اقتناع إما لعدم استحقاق من المأمور للفعل، أو لأنه يراه كذلك، فقراءة الرفع (الحمدُ لله) تفيد ثبوت الشيء على جهة الاستحقاق ثباتا دائما، فهي أولى من قراءة النصب في حالي الإخبار (أحمدُ الله ونحمد الله) والأمر ( احمد الله واحمدوا الله) 5 ـ حمدا لله ـ وهي جملة فعلية نقدر لها فعلا محذوفا، والجملة الاسمية (الحمدُ لله) أقوى من الجملة الفعلية لما تقدم في رقم 3 ـ (الحمد لله) معرّفة بأل، و (أل) تفيد العهد وتفيد استغراق الجنس، فإن أفادت العهد كان المعنى: الحمد المعروف بينكم هو لله، وإن أفادت الاستغراق كان المعنى: إن الحمد كله لله على سبيل الإحاطة والشمول. ويظهر أن المعنيين مرادان ـ أما (حمدا لله) فنكرة لا تفيد شيئا من المعاني المتقدمة 6 ـ إن الحمد لله ـ (إن) تفيد التوكيد، وليس المقام مقام شك أو إنكار يقتضي توكيدا ـ (إن الحمد لله ) جملة خبرية تحمل إلينا خبرا واضحا محددا (ثبوت الحمد لله تعالى) ولا تحتمل إنشاء ـ أما ( الحمد لله ) فتفيد الإخبار بثبوت الحمد لله ، فهي خبرية من هذه الجهة، ولكنها تفيد إنشاء التعظيم ، فهي ذات معان أكثر 7 ـ لله الحمد ـ (لله الحمد) فيها تقديم الجار والمجرور ، وفي التقديم اختصاص أو إزالة شك، والمقام لا يطلب لذلك ، فليس هناك من ادعى أن ذاتا أخرى قد تشترك معه في الحمد، فنزيل الاحتمال والظن عنده، وليس هناك من ادعى أن الحمد لغير الله لنخصه به؟ ـ والحمد في الدنيا ليس مختصا لله وحده، وإن كان هو سببه كله، فالناس قد يحمد بعضهم بعضا، وفي الحديث (من لم يحمد الناس لم يحمد الله)، فيجوز توجيه الحمد لغير الله في ظاهر الأمر، فلا حاجة للاختصاص بالتقديم 8 ـ اختصاص الاسم العلم (الله) بالذكر، دون سائر أسمائه االحسنى وصفاته فكان يمكن أن يقال (الحمد للحي، الحمد للرحيم، الحمد للبارئ، ..) ولكن لو حدث ذلك لأفهم أن الحمد إنما استحقه لهذا الوصف دون غيره، فجاء بالاسم العلم ليدل على أنه استحق الحمد لذاته هو لا لصفة من صفاته ـ ثم إن ذكر لفظ الجلالة (الله) يناسب سياق الآيات، فسيأتي بعدها بقليل "إياك نعبد وإياك نستعين" ولفظ الجلالة (الله) مناسب للعبودية، لأنه مأخوذ من لفظ الإله أي المعبود، وقد اقترنت العبادة باسمه أكثر من خمسين مرة في القرآن كقوله تعالى: " أمرت أن أعبد الله " الرعد ـ هذا والمجيء بوصف غير لفظ الجلالة ليس فيه تصريح بأن المقصود هو الله عز وجل فمن منا مهما بلغ من فصاحة وبلاغة وبيان.. من منا يستطيع أن يأتي بكلام فيه هذا الإحكام وهذا الاستواء مع حسن النظم ودقة الانتقاء، فكل كلمة في موقعها جوهرة ثمينة منتقاة بعناية لتؤدي معاني غزيرة بكلمات يسيرة، كل واحدة واسطة عقد لا يجوز استبدالها ولا نقلها ولا تقديمها ولا تأخيرها وإلا لاختل المعنى أو ضعف أو فقد بعض معانيه؟ إنه الإعجاز الإلهي الذي يتجلى في الكون كله، ويحف بالقرآن كله، مجموعه وجزئياته، كلماته وحروفه، معانيه وأسراره، ليكون النور الذي أراد الله أن يهدي ويسعد به كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد والحمد لله رب العالمين مقدمة وإعداد وتنسيق: أنــوار الأمــل http://www.lamasaat.8m.com /
الموقع البديع لاية "الرحمة" بسم الله الرحمان الرحيم إن إدراك الإنسان عند قراءته ل "الحمد لله رب العالمين" لتقصيره أمام نعم الله المتتالية التي لا يدركها العقل و لا يحصرها العد " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" قد تجعله يحس بنوع من الفزع وهو يرى أن عمله مهما بلغ من الكثرة و الإتقان لن تمكنه من شكرها و أداء حق العبودية الكامل. فتأتي اية "الرحمان الرحيم" ندية رطبة تحمل إكسير الحياة لهذه الروح المعذبة الحائرة لتخبر هذا الإنسان أن الله سبحانه و تعالى كما أمده بهذا النعم بسر اسمه "الرحمان" فإنه يتجاوز عن تقصيره بسر اسمه "الرحيم". فكانت بذلك اية "الرحمة" بعد اية "التذكير بنعم الله" لتجعل الإنسان يدرك أن "رحمة الله أرجى من عمل المرء" (ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالى" قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته). ثم تأتي بعد ذلك اية "ملك يوم الدين" لتخبر عن حقيقة عظمى ينساها الإنسان في غمرة أحداث يومه المتلاحقة وهي حقيقة "اليوم الاخر", و لا ريب أن أول إحساس يكتنف المؤمن المتدبر لهذه الاية هو إحساس الخوف, فشاء الله عز و جل برحمته أن يجعلها مسبوقة باية "الرحمة" (رحمتي سبقت غضبي), فكانت بذلك اية الرحمة ذات موقع بديع بين ايتين عظيمتين لتجعل القارىء يرفرف في هذه السياحة القرانية بجناحي "الخوف و الرجاء". و الله عز و جل أعلى و أعلم
بسم الله الرحمن الرحيم صدق قول الله العظيم ومن أصدق منه قيلا (وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع) وقوله سبحانه(وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) حيث يقرر سبحانه لحقيقة أن الحياة الفعلية إنما تكون في الآخرة وهذا دليل نقلي كاف لمن كان له قلب يفقه به.وأما منطقا فلا يختلف عاقلان أن كل شيء قابل للعد فإن له حدا ينتهي إليه وعمر الإنسان قابل للعد وإذن فإن له حدا ينتهي إليه. إذا تقرر هذا تبين ما ليوم الدين من أهمية لأن ما يليه من سعادة أو شقاوة تبع له ، وهذا ربنا يثبت لنفسه عزوجل ملكية هذا اليوم أي أنه سبحانه مالك الحياة الحقيقية والحاكم الفصل في سعادتها أو شقاوتها. فحق لنا أن نتعرف عليه سبحانه في هذه السورة الفاتحة بما هو ملك أو مالك يوم الدين.
رد: المجلس الثالث لسورة الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وبعد، فهذا مفتاح الخيرات وسر البركات وحافظ النعمات وجالب الحاجات، إنه حمد رب السماوات ذو الكرم والرحمات. فلا يحق للعبد الذي فر إلى الله مستجيرا ثم طرق بابه مستأذنا إلا أن يبدأ بحمد الله الذي خلقه ورزقه وهداه...وها هو المستحق للحمد يعرفنا بنفسه جل علاه فهو رب العالمين، وهو الرحمان الرحيم، وهو ملك يوم الدين، وتشعر وأنت تقرأ الآيات وكأنه يبين لك سبب استحقاقه الحمد دون سواه، فلأنه رب العالمين ولأنه الرحمان الرحيم ولأنه ملك يوم الدين فله الحمد. فلا تقل قولا ولا تنطق حرفا ولا تطلب طلبا ولا تدع دعاء ولا تفعل شيئا قبل أن تقول الحمد لله أولا.. وكن واثقا بأن الرحمة هي الوثاق الرابط بين الخالق وخلقه والرحاب الجامع بين الرب وعباده،وادخل بابه مستأذنا باسم الله وأنت مطمئن لأنه هو الرحمان الرحيم، ثم احمده الآن لأنه هو الرحمان الرحيم. ولأنه ملك يوم الدين فلن يكون ظلم ولن تكون محاباة ولن يكون غش ولن يكون خداع...وسيلقى كل واحد جزاء عمله في يوم الفصل حيث يقضي الحق بين عباده،فلن يضيع حق ولن يبقى ضيم ..ولكن في نفس الوقت لا ينبغي أن يغيب عن ذهنك أن هذا اليوم آت لا ريب فيه، فماذا أعددت له؟ وماذا تزودت له؟ وبم ستجيب الملك عند السؤال:أين أفنيت عمرك؟ وأين أبليت شبابك؟ ومأذا عملت بعلمك؟ ومن أين اكتسبت مالك وفيم أنفقته؟ ماذا تجيب حين تقرأ في غد***صحيفة فيها ترى الفضائحا وكيف ترضى أن تكون خاسرا***يوم يفوز من يكون رابحا { لقد كنت فارا من العدو المتربص، وطرقت باب الرحيم بصدق، وأنت تدخل إلى رحاب الله رب العالمين فتجد الأمن من الرحمان الرحيم، فلا يحق لك أن تقول شيئا بعد هذا إلا "الحمد لله رب العالمين".}-
رد: المجلس الثالث لسورة الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم. (الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم) تأملت في عظمة ملكوت الله، في الأرض و في السماء الدنيا. ما أكبر هذه المملكة! و ما أشد علو هذه السماء، التي لا يزال العلماء يكتشفون من أجزائها قطعة وراء قطعة، ثم لا تنتهي بعد! يا للعلو! سنوات ضوئية فوق بعض. ثم ماذا فوقها؟ سنوات ضوئية أخرى! وهكذا... شيء لا يكاد يصدق. أي ملك هذا؟ أي سلطان، أي علو؟ إلى هنا كان الأمر حسنا. لكن الشيطان الحسود أبى إلا أن يلقي بوساوسه. كيف لا و أنا لم أستعذ بالله منه بادئ الأمر؟ قال لي : "كيف لعبد مذنب مثلك أن يكون من أهل الجنة، أهل رضوان هذا الخالق العظيم؟ هذا محال! بل كيف تستطيع عيناك العاصيتان النظر إلى ربك في الجنة؟؟ اعرف قدرك، بل اعرف قدر ربك!" لكن (الرحمن الرحيم) أدركتني فانتشلتني مما أنا فيه. نعم، و لم لا أدخل الجنة؟؟ إن الله يعطي على قدر رحمته، و أنا لا أحيط برحمته! ثم إن الذي ينكر هذا الفضل -فضل دخول الجنة و فضل النظر إلى الله- هو الذي لا يقدر الله حق قدره في الحقيقة. لأنه يحاكم الله إلى مقاييس دنيوية قاصرة. و الله أرحم و أكرم. فالحمد لله الذي أنجاني من هذه الوسوسة التي كادت ترديني إلى مهالك أهل الضلال. و لعل هذا ينفع الإخوة معي حتى يدركوا كيد الشيطان فيستعيذوا بالله منه. و السلام عليكم و رحمة الله.
سر الحمد في بداية سورة الفاتحة السلام عليكم و رحمة الله و بركاته لماذا ابتدأت سورة الفاتحة بالحمد؟ إن من المعلوم في علم التزكية و السير إلى الله عز و جل أن أول الدرجات و المنازل هي منزلة اليقظة و أول أركانها: لحظ القلب إلى النعمة. فكان ابتداء هذه السورة العظيمة ب"الحمد" هو إيقاظ للقلب بمطالعته لنعم الله عز و جل. ثم بعد الحمد مباشرة التعريف بالله عز و جل و قدره و عظمته حتى ينكسر هذا القارىء المتدبر و يخضع و يخشع فيصبح مؤهلا لتلقي حقائق الآية الموالية و الدخول في منازل "إياك نعبد و إياك نستعين". فكانت هذه الآية (آية الحمد) هي مفتاح الولوج و سر الدخول إلى زمرة "الذين أنعمت عليهم, غير المغضوب عليهم و لا الضالين". اللهم اجعلنا منهم. آمين و الله أعلى و أعلم
رد: المجلس الثالث لسورة الفاتحة أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه و نفخه و نفثه. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله و آله و صحبه. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، الحمد لله رب العالمين : تأملت هذه الكلمة فتساءلت، هو سبحانه رب العالمين، رب الأنبياء ورب الأولياء ورب الأصفياء ورب الصلحاء أمثالكم في كل زمان ومكان، عباده سبحانه كثر، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، لم يبدلوا ولم يغيروا بل ثبتوا على العهد، أما أنا، فمن أنا بين هؤلاء؟! ما صنيعي أمام ما صنعوا ؟! وما زادي أمام ما قدموا؟ ...؟ وتتوالى الآيات أمام ناظري، يقول تعالى:"أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ " يقول تعالى:"قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا " يقول تعالى:" أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ" يقول تعالى:"لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" ... حتى أظن أني هلكت ... الرحمان الرحيم :فيتجدد الأمل، و والله إن المرء ليطرق حياء أمام هذا المقام، فهو سبحانه المتفضل إبتداء بما هو رب للعالمين ثم بعد ذلك بما هو رحمان رحيم، فما أسعدنا به من رب كريم، ولئن كان العبيد يتفاخرون بأسيادهم، فحقيق بالمسلم أن يكون أشدهم فخراً، ويا خسارة من هداه الله وضل السبيل. فمن له رب مثل ربي ومن له سيد مثل سيدي، يأبى سبحانه أن يسلمني لغيره مع علمه بكساد حالي. -وكما ذكره إبن القيم- تجده سبحانه، وفي هدأة الليل البهيم يدعو كل مذنب تائب، جبرا لكسرة قلبه وينادينه كما نادى أبانا من قبل: يا إبن آدم، لا تجزع من كأس زلل كانت سبب كيسك، فقد استخرج بها منك داء لا يصلح أن تجاورنا به، وألبست بها حلة العبودية يا إبن آدم، إنما ابتليتك بالذنب لأني أحب أن أظهر فضلي، وجودي وكرمي، على من عصاني "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم". يا إبن آدم، إذا عصمتك وعصمت بنيك من الذنوب، فعلى من أجود بحلمى؟ وعلى من أجود بعفوي ومغفرتي وتوبتي وأنا التواب الرحيم؟. "يا ابن آدم، إنك ما دعوتنى ورجوتنى، غفرت لك على ما كان منك ولا أبالى، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتنى غفرت لك، يا ابن آدم، لو لقيتنى بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بى شيئا أتيتك بقرابها مغفرة". ملك يوم الدين: وهنا سبحان الله إشارة منه عز في علاه، إلى مفتاح النجاة، إشارة حانية من رحمان رحيم، إلى كل ذي قلب سليم: أن يا عبدي انسلخ من دنياك، اجعلها في يدك ولا تدخلها قلبك، أوفك حقك يوم الدين و أجازك على القليل من أعمالك بالكثير ... أمام هذه التأملات يجد العبد نفسه يلهث تلقائيا بالحمد والثناء، قائلا، يا من قل عند نعمته شكري فلم يحرمني ،ويا من قل عند بليته صبري فلم يخذلني ،و يا ذا المعروف الذي لا ينقضي أبدا،و يا ذا النعمة التي لا تحصى عددا،أسألك، أسألك مسألة المساكين وابتهل إليك إبتهال الخائف الذليل من خضعت لك رقبته ورغم لك أنفه وفاضت لك عبرته، أن ترحم ضعفي وذلتي بين يديك وتعينني بفضلك على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. يا خجلة العبد من إحسان سيده *** يا خسارة القلب من ألطاف معناه فكم أسأت وبالإحسان قابلنى *** واخجلتى واحيائى حين ألقاه يا نفس كم بخفى اللطف عاملنى *** وكم رآنى على ما ليس يرضاه يا نفس كم زلة زلت بها قدمى *** وما أقال عثارى إلا هو يا نفس توبى إلى مولاك واجتهدى *** وصابرى فيه يقينا بلقياه [للفضيل بن عياض] والحمد لله رب العالمين.
مقام الشكر أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه و نفخه و نفثه. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله و آله و صحبه. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، طال الحديث عن مقام الشكر بين أرباب المعارف، فمنهم من أجمل ومنهم من فصل، وقد شدني قول الجنيد في هذا الباب، "الشكر أن لا تعصي الله بنعمه" اللهم إنا نسألك لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وجسداً على البلاء صابرا. أعانكم الله.