بسم الله الرحمن الرحيم المجلس الأول من تدارس سورة القلم آيات الابتلاء: البيان العام: ( فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ) أي : فلا تطع رؤساء الكفر والضلال الذين كذبوا برسالتك وبالقرآن .قال ابن الجوزي : وذلك أن رؤساء أهل مكة دعوه إلى دين آبائه فنهاه الله أن يطيعهم .وقد نهاه الله عن طاعتهم في مواضع : قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) . وقال تعالى (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ) . وقال تعالى (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ) . ( وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) .قيل : لو ترخص فيرخصون . وقيل : لو تكفر فيكفرون . قال ابن جرير الطبري :وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : معنى ذلك : ودّ هؤلاء المشركون يا محمد لو تلين لهم في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم فيلينون لك في عبادتك إلهك كما قال جل ثناءه (وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً . إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً ) . ( وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ ) أي : لا تطع يا محمد كثير الحلف بالحق والباطل . وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف ومثله قوله ( وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأيمانكم ) . ونهاه عن ذلك لأمور : أولاً : لأن ذلك يدل على الاجتراء على الله . وثانياً : ولأنه استهانة بأسمائه وصفاته . ثالثاً : وهو من صفات المنافقين كما قال تعالى ( اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ) . ( هَمَّازٍ ) أي : مغتاب يأكل لحوم الناس بالطعن والعبث . والغيبة عرفها النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال ( ذكرك أخاك بما يكره ) وهي حرام ومن كبائر الذنوب . ويدل على تحريمها : قوله تعالى ( ولَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ) . وهذا التشبيه التمثيلي من أروع الأساليب القرآنية وأشدها تأثيراً في نفس المكلف ، ولهذا التشبيه أوجه عدة بين المشبه والمشبه به : أولها : أن الذي يُغتاب لا يعلم أن أخاه يغتابه تماماً ، كما أن الميت لا يعلم من يأكل لحمه . ثانيها : أن الذي يَغتاب أخاه الحي قد هتك حرمة أخيه تماماً كما أن آكل لحم أخيه ميتاً قد هتك حرمته . ثالثها : أن الغيبة أمر مستقذر في الطبائع السليمة تماماً كما أن أكل لحم الميت أمر مستقذر طبعاً . قال تعالى : (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) . وقال تعالى : (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) . وعن أبي موسى . قال : قال رسول الله ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) . ( مَّشَّاء بِنَمِيمٍ ) أي : يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم . والنمام الذي ينقل الكلام بين الناس من أجل الإفساد بينهم . والنميمة من كبائر الذنوب ومن أسباب عذاب القبر كما في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وعن حذيفة قال : قال صلى الله عليه وسلم ( لا يدخل الجنة نمام ) ( مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ ) مناع للخير : أي يمنع ما عليه وما لديه من الخير .قال ابن عاشور : شديد المنع ، والخير : المال ، أي شحيح ، والخير من أسماء المال قال تعالى ( وإِنه لحُب الخير لشديد ) وقال ( إنْ تَرَكَ خَيْراً ) ، وقد روعي تماثل الصيغة في هذه الصفات الأربع وهي ( حَلاّفٍ ، هَمّازٍ ، مشَّاءٍ ، منَّاعٍ ) وهو ضرب من محسن الموازنة. ويحتمل المراد بمنع الخير : منعه عمن أسلَمَ من ذويهم وأقاربهم ، قال الله تعالى في شأن المنافقين ( هم الذين يقولون لا تنفقوا على مَن عند رسول الله حتى ينفضّوا ) . وأيضاً فمِن منعِ الخير ما كان أهل الجاهلية يعطون العطاء للفخر والسمعة فلا يعطون الضعفاء وإنما يعطون في المجامع والقبائل قال تعالى ( ولا يَحُضّون على طعام المسكين ) . ( مُعْتَدٍ ) أي ظالم للناس معتد على أموالهم وأنفسهم وأعراضهم . ( أَثِيمٍ ) أي : كثير الإثم والذنوب المتعلقة في حق الله .( عُتُلٍّ ) العتل : الفظ الغليظ الصحيح الجموع المنوع . وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( ألا أنبئكم بأهل النار : كل عتل جواظ مستكبر ). ( بَعْدَ ذَلِكَ ) أي : علاوة على ما عُدّد له من الأوصاف هو سيّئ الخِلقة سيِّئ المعاملة ، فالبعدية هنا بعدية في الارتقاء في درجات التوصيف المذكور ، فمفادها مفاد التراخي الرتبي كقوله تعالى ( والأرض بعد ذلك دحاها ) .(زَنِيمٍ) قيل : أنه الدعيّ في قريش وليس منهم ، قال ابن كثير : الأقوال في هذا كثيرة وترجع إلى ما قلناه وهو أن الزنيم هو المشهور بالشر الذي يعرف به من بين الناس وغالباً ما يكون دعياً ولد زنا ، فإنه في الغالب يتسلط الشيطان عليه ما لا يتسلط على غيره . هذه الآيات قيل نزلت في الوليد بن المغيرة. ( أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ) أي : لأن كان ذا مال وبنين قال في القرآن ما قال ، وزعم أنه أساطير الأولين ، وكان ينبغي أن يقابل النعمة بالشكر لا بالجحود والتكذيب . كما قال تعالى (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى . أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى ) وقال تعالى (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ ) . وقال تعالى (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ) . ( إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) أي : إذا قرئت آيات القرآن على ذلك المكذب قال مستهزئاً ساخراً: إنها خرافات وأباطيل المتقدمين اختلقها محمد . ( سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ) الخرطوم الأنف. قيل : سيبين أمره بياناً واضحاً حتى يعرفوه ولا يخفى عليهم كما لا يخفى عليهم السمة على الخراطيم . وقيل : سنسمه سمة أهل النار يعني تسود وجهه يوم القيامة وعبر عن الوجه بالخرطوم . ابن كثير أنه لا مانع من اجتماع الجميع عليه في الدنيا والآخرة . والحمد لله رب العالمين.
رد: المجلس الثاني من تدارس سورة القلم حينما يكون الإنسان ثابتا على الحق، ولا يجد المكذبون ثغرة في خلقه أو سلوكه ليبعدوا الناس عنه، فإنهم يلجأون لأسلوب المداهنة، هنا يأتي الابتلاء: هل يركن إليهم الإنسان؟ أم يثبت ويستمر في دربه غير مطيع لهم؟ هذا الأمر قد يظنه البعض سهلا، لكن دونه التضحيات الجسام، وبالمقابل هو إيذان بأن الإنسان في الطريق الصحيح، وأن الله تعالى ناصره بإذن الله. وقد يظن الإنسان أن مثل هذه المواقف لا تحصل إلا قليلا، وتخص أناسا بعينهم كأصحاب السياسة ورجال الأعمال... لكن هذا الموقف نتعرض له يوميا بل في كل لحظة مع الشيطان أولا ومع أصدقائنا وعائلاتنا... فعلى سبيل المثال صفات المكذبين التي جاءت: ألا نداهن الشيطان والناس فيها حينما يتعلق الأمر بالغيبة والنميمة ومساعدة الناس والاربتاط بالدنيا ومتاعها...؟ فعلى المؤمن أن يصبر في مثل تلك المواقف ولا يطيع المكذبين، فإن المداهنة معهم قد تكون عواقبها وخيمة. --- من جهة أخرى هناك أمر أحببت الوقوف عليه، جاء في قوله تعالى "أن كان ذا مال وبنين" : حينما يرزقنا الله تعالى مالا فإننا نكنزه ونظن أننا بذلك مأمنون، وحينما لا نتوفر عليه يصيبنا الهلع والخوف حينما يرزقنا الله تعالى مالا نتباهى به أمام الناس و ننظر إلى المساكين بنظرة دونية، وحينما لا نتوفر عليه نحس بأننا لسنا ذوي قيمة وأن الآخرين أحسن منا ... حينما يمن الله علينا بأن نكون في مجموعة قوية يها عدد كبير من الناس نحس بأننا الأقوى في الساحة ونتباهى بأعدادنا و"عضلاتنا" وإن كنا في مجموعة دعوية، وحينما نكون لوحدنا يصيبنا اليأس ونحس بالانهزامية والضعف ... ملاك هذا أن نربط النعم بالمنعم، ونحول ارتباطنا إليه لا للنعم، فننساه ويصيبنا مرض الاستغناء الذي تكلمنا عنه في سورة العلق، نظن أننا ملكنا تلك النعمة وهي عطاء من المنعم يأخذه متى يشاء وكيف شاء، ومن استغنى على الله خسر كل شيء، لأن الأمر كله لله. فالله أسأل أن يجعل قلوبنا خاضعة له في كل شيء فهو الصمد القيوم الذي إليه الملجأ وبيده مقاليد الأمور
رد: المجلس الثاني من تدارس سورة القلم 4-من أسباب التكذيب القوة المالية والبشرية لماذا يكذب المكذبون؟ القوة المالية والعسكرية –بتعبير اليوم- هي السبب، الله عز وجل قال "أن كان ذا مال وبنين" إذا تتلى عليه آياتنا " قال أساطير الاولين" أي خرافات الناس السابقين. المال قوته معروفة، فهو يرمز اليوم للقوة الاقتصادية أما البنون فهم رمز للقوة البشرية، وهم رمز للقوة العسكرية اليوم، ومن اجتمعت عنده القوة الاقتصادية والعسكرية توفرت له أسباب الطغيان، يظلم ولا يظلم، ويذل ولا يذل، يخضع الناس لحكمه، ولا يخضع لحكم أحد، بل لا يخضع لحكم الله "المال والبنون زينة الحياة الدنيا" "أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الاولين". سبق في السورة السابقة "إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى" حين يوجد المال، وتوجد القوة العسكرية، فإن الإنسان يطغى مباشرة، ولا يبالي بما جاء من عند الله عز وجل. فرعون من ههنا أتي، فراعنة العصر من ههنا أتوا، الجميع في كل زمان وفي كل مكان يطغى بسبب القوة الاقتصادية والعسكرية العمياء "أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الاولين". الدكتور الشاهد البوشيخي - عن جريدة المحجة
رد: المجلس الثاني من تدارس سورة القلم في المعجم الوسيط نجد: الخُرْطُومُ : الأَنفُ . و الخُرْطُومُ مُقدَّمُ الأَنف . يقال : خُرْطُومُ الفيل وخُرْطوم الخنزير . ويقال : وَسَمَهُ على الخرطوم : أذَلَّهُ . وفي التنزيل العزيز : "سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُوم ". وخراطيم القوم : سادَتُهم . آخر آية في هذا المقطع من السورة "سنسمه على الخرطوم"، فيها وعيد من الله تعالى بإذلال نوع من المجرمين أساء التعامل مع نعم الله.. فقد آتاه المال و البنين فتقوى بهما و استكبر.. و هذا الوصف يسري على الدول و المجتمعات أيضا التي أمدها الله بوسائل الازدهار و القوة المادية و البشرية فطغت.. و ما زادت بهاتين النعمتين إلا بعدا عن الله و استغناء "كلا، إن الإنسان ليطغى، أن رءاه استغنى.." و استعارة "الخرطوم" بمعنى الأنف و مقدمة الأنف تكون للحديث عن خلق التعالي و الغرور و التكبر الذي يصيب هؤلاء.. عرض مرضي لا يكف عن التضخم في نفوسهم فتطول أنوفهم –مجازا- و يزداد طغيانهم.. فلا يرون إذ ذاك إلا أنفسهم.. "عتل.. زنيم" غلاظ قلوب منحطو أخلاق، بعد أن عاثوا في الأرض فسادا و عبثوا بحقوق المعبود و العباد.. إن تعاملوا مع الناس تعاملوا بدناءة و حقارة و والوا الباطل و حلفوا على صحته.. يمشون بين العباد بالغيبة و النميمة، يمنعون الخير و يعتدون بالشر و يأثمون و يكثرون من كل ذلك.. و إن جاءوا لآيات الله استهزءوا و قذفوا و اتهموها بأساطير الأولين.. هؤلاء العميان للقلب و الأخلاق.. لا بد لهم من وسم لأنوفهم و جذع لكبريائهم.. يتوعدهم الله بذلك في الآخرة و في الدنيا أيضا.. و هذه آيات الله في كتابه العزيز تقص علينا قصصا عديدة ممن جُذعت أنوفهم من السابقين.. و في أيامنا كم شاهدنا بأم العين من "وسم رباني" لمثل هؤلاء.. ألا إن في ذلك لعبرة..!! "و لا تطع..." هكذا أمر الله تعالى نبيه الكريم و أوصانا من خلاله بعدم الطاعة لهذا الصنف الذميم.. و الطاعة استسلام و انقياد و موافقة و موالاة و استئناس.. فحذار من طاعة هؤلاء.. و حذار من الاستئناس بهم.. و من تتبع خطواتهم و التساهل في مثل أفعالهم.. نعوذ بالله من الغرور و الكبر و الطغيان و نكران النعم.. و نسأله العفو و العافية.. آمين.
رد: المجلس الثاني من تدارس سورة القلم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله و اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين مبرووووووك من الاعماق والى الامام وبالتوفيق يارب