المجلس الخامس والأخير لسورة الفاتحة في مقام التلقي لرسالة الهدى والابتلاء فيه واقع بالكلمات التالية: 1- كلمات الابتلاء: "اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ". 2- البيان العام: هذه خاتمة المناجاة بينك وبين ربك، الرحمن الرحيم، وبتمامها يغمرك سبحانه بفضله ورحمته، فيقول لك: (هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ!) لقد وصلتَ الآن إلى الغاية، فتمتع بنور الهداية! هنيئا هنيئا! فإنما الهدى جائزة المكابِدين لمنازلِ: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"! أما وقد وصلتَ؛ فَلَكَ الآن يا صاح أن تسأل ما تريد..! فماذا تسأل؟ وهل في نِعَمِ الله بهذه الدنيا شيءٌ أعظم من نعمة الهدى؟ ذلك النور العظيم الذي ليس بعده إلا جحيم الظلمات وشقاء الضلال! فافتح قلبك للتلقي يا صاح! ولندخل جميعا تحت أنوار هذا البيان! " اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ"، تعني: أرشدنا يا ربنا إلى معرفة الطريق المستقيم الموصل إليك تحقيقا، ووفقنا للاستقامة على منهاجه تثبيتا. فإنما الهداية الكاملة إرشادٌ للعقل وتثبيتٌ للقلب! وتلك هي حقيقة الْهُدَى. فالصراط المستقيم: هو الطريق الواضح البَيِّنُ الذي لا اعوجاج فيه. وقد يكون المرء على طريق الإسلام على الإجمال، لكن لا يكون على هدى "الصراط المستقيم"؛ بما قد يعتريه من النقص والانحراف في الاعتقاد أو في السلوك، أو فيهما معا؛ مما ينتج عنه اضطراب في المنهاج واختلال، يزيد وينقص على حسب حجم ذلك الاضطراب ونوع ذلك الاختلال. فالْهُدَى هنا إذن أخص من عموم الهداية الحاصلة بالإسلام، وإن كانت هذه مقدمة لذاك، ومنطلقا له. إلا أن هدى "الصراط المستقيم" هو الغاية من كل سلوك، وهو المقصود من كل عبادة، إنه كمال الإيمان وصفاء الإخلاص. فهو معرفة يقينية بمسلك الوصول إلى الله، بعيدا عن فتن القيل والقال، من المشارب المختلطة بالابتداع العقدي والانحراف السلوكي، مما قد يعتري المنهاج العام للمسلم على الإجمال. فالصراط المستقيم: إنما هو طريق أهل اليقين وكمال الإيمان، ودونه ما دونه من مفاوز المجاهدة والمكابدة! فمن تحقق به فقد نال تاج النعم، وكمال الهدى! فأكرم به وأنعم! ولذلك وجب السعي إليه في كل صلاة، دعاءً أبديا يستغرق العمر كله! وإلى نحو ذلك ذهب غير واحد من المفسرين. ورجَّحه ابن عطية الأندلسي بعدما ذكر اختلافهم في معنى "الصراط" بين معنى القرآن، وبين معنى الإسلام، وبين معنى سنة الرسول – صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه أبي بكر وعمر، قال رحمه الله: (ويجتمع من هذه الأقوال كلها أن الدعوة إنما هي في أن يكون الداعي على سَنَنِ المنعَمِ عليهم، من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، في معتقداته، وفي التزامه لأحكام شرعه، وذلك هو مقتضى القرآن والإسلام، وهو حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – وصاحبيه (...) وأقول: إن كل داع به فإنما يريد: "الصراط" بكماله، في أقواله وأفعاله ومعتقداته، فيحسن على هذا أن يدعو في الصراط على الكمال مَنْ عنده بعضُه.)( ) يعني: أن الجدير بهذا الدعاء الذي يراد به طلبُ الكمال، إنما هو مَنْ عنده بعض معناه، وهو عموم الإسلام مهما شابه من نقص، أي: ولو لم يكن في التزامه إياه على تمام الكمال؛ ولذلك ناسب أن يسعى إلى غايته ومنتهاه بهذا الدعاء. فيكون طلب الهداية إلى الصراط المستقيم طلبا لكمال الهدى وتمام الاستقامة! وخصوص هذا المعنى من مفهوم "الصراط المستقيم" واضح من بيانه الوارد بعدُ مباشرة في السورة، على سبيل التعريف: "صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ"، وهؤلاء وقع الكشف عنهم في سورة النساء، بسياق دال على كل كمال التثبيت على الحق، مع صنف خاص من المؤمنين وهم: الكُمَّلُ من أهل السبق واليقين، من طبقة الأنبياء ورفيقهم! وذلك قوله تعالى في حق بني إسرائيل: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً. وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيماً. وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً. وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيئِينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً!)(النساء: 66- 69)، وتقييد الدعاء بهذا الوصف المبعد لفئة المغضوب عليهم، ولفئة الضالين، "غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ" – رغم بُعْدِ المسافة الفاصلة بينهم وبين المنعم عليهم - دال على أن المسلم غير المتحقق بصراط أهل اليقين، وغير المتأسي بهديهم، لا يأمن على نفسه أن تزيغ به الشهوات والأهواء؛ فيتردَّى في جحيم العذاب؛ بما يقع عليه من غضب الله، أو يضيع في متاهات الضلال؛ بما يعبد من هواه! تماما كما وقع لليهود من قبل، وكما وقع للنصارى بعدهم! فقوله تعالى: "غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" أي غير طريق المغضوب عليهم وهم "اليهود" الذين وصفهم الله بقوله: " فَبَاؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ"( ). وقوله سبحانه: "وَلاَ الضَّالِّينَ." أي وغير طريق الضالين، وهم "النصارى"، الذين وصفهم الله بقوله: " قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ"( ). وموجبات الغضب والضلال كلها أمراض معدية، لا أحد بمنأى عنها، ولو كان من المسلمين! اللهم إلا من عصمه الله بالتثبيت على هدى "الصراط المستقيم"، ووفقه إلى التزام منهاجه القويم. فلا غرو إذن أن يكون ذلك دعاءَنا عند مناجاة الرحمن، في كل ركعة من كل صلاة، سائرين إليه عبر مواقيتها، متقلبين في أحوال العبودية بين يديه تعالى، متقربين ومتزلفين، ما بين منازل الليل والنهار، ونحن نتوجه إليه بطلب نعمة الهدى، ونجأر إليه بأصدق ما يكون الْجُآرُ والاستغاثة؛ رجاءَ بشارة الاستجابة، بما تفيض به من نور، وتتنـزل به من أمان وسلام: آمين! لطفاً.. تابع معنا ورقة المجلس الخامس في المشاركة التالية:
رد: المجلس الخامس والأخير لسورة الفاتحة (تتمة ورقة المجلس الخامس لسورة الفاتحة) 3- الهدى المنهاجي: دعاء الهدى من هذه الآيات هو الغاية التي تنتهي إليها سورة الفاتحة. فإذا كانت آيةُ "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" هي خلاصتها وروحها، فإن دعاء: "اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ!" هو ثمرة تلك الخلاصة، وبشارتها المتنـزلة على العبد، هديةً تملأ قلبَه بالأمن والسلام؛ تحيةً من الله السلام! وإذناً منه - جل علاه - بدخول جنات القرآن! فكانت هذه الآيات هي مصب روافد سورة الفاتحة، ومجمع بحورها، وخزانة أسرارها. والفاتحة متضمنة لكل رسالات القرآن! فأنى لنا استيعابها في كلمات؟ كيف وها الله - جل جلالُه – قد أثقلها بما أثقلها به من كنوز، وجعل فيها ما جعل من عمران، يختصر قصة الوجود ومسيرة الإنسان! ثم طواها لنا طَيّاً، تيسيرا لتلاوتها في لحظات برحمته، وثناها لنا ثنياً معجزا؛ حتى كانت الفاتحة هي "السبع المثاني والقرآن العظيم"!( ) فانطوت بذلك على كل حقائق الإيمان، واختصرت كل قصة السير إلى الرحمن! فمن ذا قدير على تلقي رسالات الهدى من خاتمتها في لحظات؟! وإنما لنا أن نبقى مع رحمة الثَّنْيِ؛ بما تحيل عليه من رسالات القرآن العظيم، وترشد إليه من مسالك وممالك، وفيما تعرضه من عمران، وتَبْنِيهِ من مدارج ومعارج، ترتقي بالعبد إلى منازل الجوار العظيم، سيرا على صراط المنعم عليهم، من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين. فجعلنا هذه الآيات - لذلك - متضمنةً على الإجمال الكلي لخمس رسالات، هي: - الرسالة الأولى: بما أن دعاء الهدى من هذه السورة، وُضِعَ لِيُتْلَى معها في كل صلاة؛ تجديدا للإيمان، وإلحاحا على الله تعالى بالحاجة والافتقار؛ فقد حق على العبد الالتزام بأوراد الأدعية والأذكار على كل حال – كما أشرنا إليه في المجلس السابق - وتكرارها بالليل والنهار! والحكمةُ المرجوة منها بهذا المجلس هي أن تكون روافدَ روحيةً لدعاء الهدى في الفاتحة، ورافعةً للعبد إلى مقام شهوده، بما له من تميز وخصوص. وبيان ذلك هو كما يلي: قد تواتر أولا أن الصلاة هي عماد الدين، وأنها خير العبادات، ثم تواتر أن الفاتحة هي أهم أركانها، وأنها أم القرآن وخلاصته، ثم تحقق أن الدعاء هو ثمرتها ونتيجتها، كما أن الدعاء هو مخ كل عبادة، وقد صح قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة!)( ) فآل أمر الدين في نهاية المطاف إلى حكمة الدعاء، بما هو سير إلى الله بالافتقار الصادق، الذي يربي القلب على صفاء الإخلاص. فلزم من ذلك كله وجوب سير العبد إلى الله بالدعاء على الإجمال، يحققه في كل عبادة، ويتخذ لنفسه منه أورادا – مهما قَلَّتْ - على حسب مواقيت الليل والنهار، وعلى حسب أذكار اليوم والليلة. ذلك صريح منطوق القرآن في قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ!)(غافر:40-60) وعلى هذا يفهم قوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ لاَ يَدْعُ اللهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ!)( ) أي: بما هو قد استغنى عن الله! فكأنما الحديث تفسير للآية. ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها : (سَلُوا اللهَ كلَّ شيء! حتى الشِّسْعَ! فإن الله - عز وجل - إن لم يُيَسِّرْهُ لم يَتَيَسَّرْ!)( ) وهو تعبير بليغ عن حقيقة التوحيد وإخلاص الدين لله؛ عقيدةً وعملاً. وذلك هو جماع مقاصد القرآن، وخلاصة غاية الدين، (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ. أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)(الزمر: 2-3). فالدعاء هو التعبير الجامع عن حقيقة الإخلاص، بما هو توجه إلى الله بالافتقار الصادق، رغباً ورهباً، توحيداً وتفريداً. وما من عبادة إلا وهي تؤول إلى هذا المعنى العظيم، الذي هو مخ الدين! وعليه؛ فكما أن سائر العبادات خادمة للصلاة، باعتبار أن الصلاة هي "عمود الدين"، وأنها خير أعمال المؤمن، كما تواترت بمعناه الأحاديث( )؛ فإن سائر الأدعية خادمة لدعاء الهدى، باعتبار أن هذا أعلى مقام يناله العبد من ربه! فيحتاج لشهود مقامه إلى سير إليه عبر أدعية شتى بالليل والنهار! فانظر كم هو تعيس من يغفل عن أوراد الدعاء! - الرسالة الثانية: في أنَّ هُدَى الصراط المستقيم هو أعظم نعمة نازلة من رب العالمين على الإطلاق! وأعظم رحمة تجلت عن اسميه الكريمين: الرحمن الرحيم؛ فكان ذلك هو خير ما يطلبه المؤمن من مولاه؛ لأن به أو بعدمه يتحدد مصيره الأخروي في مملكة الحق، عند ملك يوم الدين. فيا لتعس من خسر ذلك المصير! ويا لسعد من فاز بنجاته وسلامه، وصار إلى مقام جماله! فيا نفسي الجهولة! إلى متى وأنت منشغلة بسفاسف الأهواء والشهوات؟ وإلى متى وأنت مُعْرِضَةٌ عن برامج الأوقات والصلوات؟ ولاهية عن مجاهدة الخطايا والزلات؟ ثم إلى متى وأنت متراخية عن التشمير عن ساعد الجد في طلب الهدى، وحث الخطى للحاق بقافلة الْمُنْعَمِ عليهم، من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين؟ فبأي رفيقٍ انشغلتِ عن صحبتهم؟ وبأي فتنةٍ عَمِيتِ عن مشاهدتهم؟ وبأي شيطان انقطعتِ عن متابعهم؟ ثم بأي دعوة فاجرة انصرفتِ عن صراطهم المستقيم؟ إنكِ يا نفسُ إن لم تدخلي في العمل الواقف الآن بحقه عليكِ، فعلى دينك السلام! وإنكِ يا نفسُ إن لم تبادري إلى التوبة من التنقل بين السُّبُلِ هلكتِ! فراية القرآن واحدة، ورسالة الهدى لها زمن معلوم هو معيارها، إن فَاتَكِ إبَّانُه فَاتَكِ كلُّ شيء! فالبِدَارَ البِدَارَ قبل فوات الأوان! - الرسالة الثالثة: في أن الحياة سير قهري إلى الله، وإنما الاختيار واقع بين طريق مستقيم موصل إلى رحمة الله، وبين طريق معوج موصل إلى عذاب الله. إننا كادحون إلى الله كدحا فملاقوه! لا خيار للبشرية في ذلك أبدا! وإنما وصية الله جاءت ببيان الصراط المستقيم هُدًى للعالمين؛ حتى يكون الكدح سيرا إلى رضى الله لا إلى عذابه! (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(الأنعام: 153). فيا صاح! إنك راحل إلى الله حتما، وما عمرك هذا المتناثر من بين يديك صباح مساء إلا دلالة صريحة على السير الحثيث، فبعد قليل ستنتهي الرحلة، ونقف على محطة القبر – أنا وأنت! - لنلج عالمَ البرزخ، في انتظار اجتماع أجيال الخلائق لليوم الموعود! - الرسالة الرابعة: في أن الهدى - بوصفه توفيقا وتـثبيتا، وبوصفه نعمة ورحمة - لا يكون إلا من الله وبه! هو وحده تعالى مصدر الهدى، وهو وحده مصدر التوفيق إليه، والإرشاد إلى صراطه المستقيم، والتثبيت على التزامه، والتحقق من صفاته وشروطه؛ لذلك فلا إمكان للوصول إلا بما دل عليه هو تعالى من آيات وعلامات. فمن رجا أن يهتدي بغير هدي الله فقد ضل ضلالا بعيدا! فلا يغرنك قول فلان أو علان ممن نصب نفسه دالا على الله بغير منهاج الله! وإنما منهاج الله هو هذا القرآن العظيم. وبذلك جاء الجواب للداعي - بعد ختام دعاء الهدى في الفاتحة مباشرة – بياناً له، في أول سورة البقرة: (اَلَمِّ. ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ!)(البقرة:1). ثم ورد البيان النبوي بعد ذلك بعرض منهج الاشتغال بالقرآن وتصريف آياته في الحياة. فيا قلبي العليل! هذا دواؤك الشافي! فلا تلتفت عنه إلى ما تزينه لك الأهواء، وما يلقيه الشيطان في خواطرك المضطربة، من العدول عن الحق الواضح المبين – في الدعوة والتربية والسلوك - إلى بدع أصحاب الأهواء! فإنما تلك فتنة عمياء وضلالة صماء! ورب شيخ نصب نفسه دالا على الله، وما هو في الحقيقة إلا حِجَابٌ ثقيلٌ من الْحُجُبِ الصَّادَّةِ للخلق عن الله! فالقرآنَ القرآنَ!.. القرآن زاد الدعوة والدعاة، والقرآن منهاج العبادة والحياة، والقرآن صراط الهدى المستقيم الموصل إلى الله، فماذا تلقيتَ يا صاح بقلبك من هداه؟ وماذا قَدَحْتَ من نوره بين يديك؛ لضبط السير ومعرفة الاتجاه؟ فيا طالب الشفاء للنفس، ويا طالب الغذاء للروح، ويا طالب الصلاح للبلاد والعباد! ذلك هو الحق الذي لا حق سواه! (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ؟ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ؟!)(يونس:32). - الرسالة الخامسة: في أن من علامات الهدى، ومن شروط السير على صراطه المستقيم، الاقتداءَ الجميل والتأسي الحسن بمجاهدات الْمُنْعَمِ عليهم، والسير على سَنَنِهِمْ، من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين. والتشمير عن عزائم الصبر؛ للالتزام بمسلكهم، والدخول في صحبتهم، ونقل الخطى إلى مجالسهم؛ للغَرْفِ من علمهم، والتخلق بسمتهم، وتلقي حكمتهم، والانضمام إلى قوافلهم السائرة إلى الله. فقوافلهم لا تنقطع أبداً، ومدرستهم مفتوحة سَرْمَداً، فسجل قلبك بفصولها، وادْخُلْ مجالس القرآن! لطفا.. تتبع تتمة الورقة في المشاركة التالية:
رد: المجلس الخامس والأخير لسورة الفاتحة أخر ورقة سورة الفاتحة! 4- مسلك التخلق: وأما الدخول في مسالك هذه الآيات، على سبيل الابتلاء بكلماتها، والتخلق بِحِكَمِهَا، بما هي باب الدخول إلى عالم القرآن، وفاتحة النور الهادي إلى الرحمن، فهو قائم على قطع خمس خطوات منهجية، وهي الكالتالي: - الخطوة الأولى: تحقيق شهود الافتقار إلى الله عند تلاوة دعاء "اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ!" ومجاهدة النفس أن تشرد في متاهات الغفلة، عند تلقي أنوار التلاوة للكلمات. - الخطوة الثانية: مطالعة معالم الهدى ومشاهدة جماله، في نماذج الْمُنْعَمِ عليهم من السابقين، وعلى رأسهم أسوة الخلق أجمعين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم مَنْ كان معه من الصحابة الميامين، وخاصة منهم خلفاءه الراشدين. فوجب أن نتلقى منه - عليه الصلاة والسلام – هَدْيَهُ في كل شيء، وأن نتعرف على معالم سيرته، ومنهاج سنته، في تعامله مع ربه بالليل والنهار، وتعامله مع أهله، وأصحابه، وأعدائه، في كل أحواله. ثم وجب أن نتدارس سنة خلفائه المهديين الراشدين من بعده، ساداتنا: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، رضوان الله عليهم أجمعين، ففي سنتهم من معالم الهدى ما وجب أن نعض عليه بالنواجد! - الخطوة الثالثة: الحرص على شهود صلاة الجماعة بمساجدها؛ لأنها من أهم معالم الهدى، ومقياس دقيق لمعرفة موقعك من هدى الصراط المستقيم. فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه – قَالَ: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ! فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى! وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ! وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ؛ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً، وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً. وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلاَّ مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ! وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ!)( ) - الخطوة الرابعة: مجاهدة النفس بالقرآن؛ حتى لا تَفْتَتِنَ عن منهاج الفطرة، ونور الصراط المستقيم، بالالتفات إلى بهارج الهياكل والألقاب، وملاهي الطوائف والأحزاب. ويتم ذلك بالدخول إلى مجالس التلقي للقرآن الكريم، والالتزام بمواعيدها، فهي خير من الدنيا وما فيها! ففي رياضها تتنـزل الرحمة والسكينة، وبفضائها تحتف الملائكة، أنوارا تصل أرواح الجلساء بالسماء، لتلقي الهدى من الله، ونيل شرف الذكر في الملأ الأعلى! فأكرم به مجلسا وأنعم! ذلك بيان الرسول لمنهاج تلقي القرآن، في قوله صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. ومن أبطأ به عملُه لم يسرع به نسبُه!)( ) فيا جليسَ الملائكةِ أَبْشِرْ بالهدى والصلاح! - الخطوة الخامسة: تخصيص وقت خالص - من حين لآخر - للخلوة إلى النفس، لتنظر فيما بينك وبين ربك؛ حتى يصفو لك النظر إلى سيرك؛ فترى موقعك من صراط الله المسقيم، قُرْباً أو بُعْداً، واستقامةً أو حَيْداً، فتحاور نفسك وتناقشها، مساءلةً عما فات، وبحثا فيما أضمرت من مقاصدها لما هو آت، على سبيل التقويم والمحاسبة. ومقاييسك النقدية التي تحاسب بها نفسك، وتقوم اعوجاجها، عبارةٌ عن مرآة ثلاثية الأبعاد، تكشف لك الصورة الحقيقية لنفسك الأمارة، وتظهر لك كل ما بها من غش وثلمات، أو ما بها من ضعف وهَنَات. فالمقياس الأول: هو مرآة الصلوات والأوقات. والمقياس الثاني: هو برنامج القرآن. والمقياس الثالث: هو مدى انقطاعك عن كبائر المحرمات. وتلك أمور سبق بيان مسالكها العملية ومواردها التطبيقية. حتى إذا رأيت ما رأيت من نفسك وأحوالها، وشاهدت ما شاهدت من أمراضها وأدرانها، رسمت خطتك للانتقال من حال إلى حال، ووضعت طريقتك للتدرج من مقام إلى مقام. ثم تعزم – بعد ذلك – عزمتك، وتتوكل على الله، مستعيذا به تعالى من كل شيطان رجيم، ثم تهرع بالمبادرة إلى صلاتك! - فهي أول مداخل التصحيح والتقويم - تَجْأَرُ فيها إلى خالقك، وتدعوه رَغَباً ورَهَباً: "اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ!" آمين! خاتمة تلك بعض معالم الهدى المتلقَّى من سورة الفاتحة، وتلك بعض رسالاتها. وإنما تتحقق حكمتُها لمن كَابَدَهَا، إذ لا حظ من الحكمة ولا من التخلق، لقارئٍ بغير مكابدة ومعاناة! فهذه مسالك العمل واضحة بين يديك، وهذه حجة الله قائمةٌ أبداً عليَّ وعليك! وهذا العمر يتصرم منا اللحظةَ تِلْوَ الأخرى! فالبِدَارَ البِدَارَ قبل وقوع الْخَسار..! ذلك، وإنما الموفَّق من وفقه الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله! ــــــــانتهت بحمد الله.
رد: المجلس الخامس والأخير لسورة الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم إخوتي الكرام.. ها نحن على وشك أن نختم مدارسة سورة الفاتحة.. فهذه هي الورقة الأخيرة.. الحقيقة أنني أشفق على نفسي من طي هذه الصحات..! لأنني أخشى أن أغادرها بغير زاد..!
رد: المجلس الخامس والأخير لسورة الفاتحة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم تستوقفني هذه الآية الكريمة حين أتذكر أحوال الصحابة وأحسست بنعمة الهدى الذي أنعمه الله عليهم حين صدقوا طلب معرفته وأجادوا السير إليه، فينتابني شعور بالشوق اليهم وإلى طهارة ما عاشوا عليه. والآية انما تعلمنا كلمات دعاء هو من أفضل ما ندعو به (كما بينه شيخنا الفاضل). كما أنها تحثنا على طلب ما كان عليه الأفاضل (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون). وهي تؤكد على أن هذا "الصراط المستقيم" انما هو من الممكنات الميسرات بإذن الله إن صدقنا الطلب، وبيانه أن هناك بالفعل من هدي إليه ممن سبقنا من الصالحين... فيا سبحان الله! كيف للقلب أن يلين لأنوار هذه الآيات ويجمع العزم للمضي في طلب الصراط المستقيم بلا عجز أو كسل أو كلل؟!. لأن نقرأ هذه الآيات في كل صلاة ثم لا نحس بها ولا ننهل من أنوارها. لمن أعظم الابتلاءات. فرفقا بنا فإننا لا زلنا نتلمس طريقنا في الظلام. هدانا الله إلى طريق مرضاته وجنانه.
رد: المجلس الخامس والأخير لسورة الفاتحة بسم الله الرحمان الرحيم نسأل الهداية بصيغة الجمع لبيان أن الصراط المستقيم هو خلاص للفرد وخلاص للأمة ولا نجاة للفرد إلا بمشروع يشمل كل الأمة إضافة الصراط إلى ساليكيه من النبيئين والصديقين تظهر أن هذا الصراط ليس مجرد انتماء ولكنه أحوال يعيشها المرء في ليله ونهاره في مقامه وترحاله بينها الله في النمادج التي ساقها في كتابه من المنعم عليهم وهذا يبين أن هذا الصراط أحوال ومقامات لا تدرك ولا تفهم إلا بتذوقها ومعايشتها اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق ولا تكلنا لأنفسنا طرفة عين
بسم الله الرحمن الرحيم لقد تعرفت إليك ربي بما أنت رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين ثم إني أشهدك أني لا أعبد سواك ثم إني أستعينك في كل أموري دقيقها و عظيمها حتى عبادتي لك فلولا عونك ما وفقت إليها ثم ها أنذا ببابك منطرح بأعتابك أسألك أن تهديني وإخوتي ممن أسلم لك وجهته إلى الصراط المستقيم الذي زاغت عنه اليهود رغم كثرة العلامات وضلت عنه النصارى بإرادتها. فإذا كان من عبادك من اختار فلوات التيه ومنهم من سلك دروبا ضيقة مظلمة الأهواء فإنا نسألك أن ترشدنا إلى الطريق المعبد المضيء الذي من دخله وصل بحولك وقوتك. رب اهدنا سواء السبيل.آمين.
رد: المجلس الخامس والأخير لسورة الفاتحة هنيئا لنا بختم مدارسة سورة الفاتحة ، مع أني لم أحضر مجالسها كلها ، ولكن بفضل الله ، استدركت مافاتني وقرأت جل المجالس الأخرى ، أيها الأحبة هنيئا لكم بهذا الخير العميم، والفضل الكبير ، مدارسة القرآن الكريم ، في منتدى يدعو إلى صحوة قرآنية ، وذلك لعمري سبيل تقدم الأمم ونهضتها من كبواتها المتعددة ، أذكركم والذكرى تنفع المؤمنين ، بهذه الكلمات الرائعة ، وتطبيقها في مسيرتنا القرآنية ،((رسمت خطتك للانتقال من حال إلى حال، ووضعت طريقتك للتدرج من مقام إلى مقام. ثم تعزم – بعد ذلك – عزمتك، وتتوكل على الله، مستعيذا به تعالى من كل شيطان رجيم ))
رد: المجلس الخامس والأخير لسورة الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم. بما أن المسلم يقرأ هذا الدعاء (اهدنا الصراط المستقيم) في اليوم سبع عشرة (17) مرة على الأقل.. و بما أن هذا الدعاء من الأدعية المستجابة، بنص الأحاديث السالفة الذكر في هذه المجالس.. و بما أن هذا الدعاء - من بين سائر الأدعية- يؤمن عليه عدد ضخم من المصلين في كل مرة (يؤمن المصلي على نفسه، و تؤمن الجماعة على إمامها، و يؤمن المصلون في العالم أجمع على بعضهم البعض).. فبالله عليكم، ما ظنكم بحال عبد يدعو بدعاء الهداية هذا أكثر من ست آلاف (6000) مرة في السنة (360 يوما)؟؟؟ الجواب واضح لا شك. سيتغير حاله بشكل جذري نحو الأحسن. و لن يكون للشيطان عليه سلطان. لكن هذا لن يتحقق إلا إن دعونا الله و نحو موقنون بالإجابة. و نحن نتضرع إلى الله بصدق. فهلموا معا إخوتي، نتعاهد على أن نستفرغ الوسع حتى نحقق الصدق في هذا الدعاء في كل صلاة. و ظننا بالله أن حالنا بعد سنة سيختلف كثيرا على هو عليه الآن. و إن غدا لناظره لقريب.
رد: المجلس الخامس والأخير لسورة الفاتحة بسم الله الرحمان الرحيم الحمد لله الذي حبى اهل القران بالقران وصل وسلم على من انزل عليه القران محمدا صلى الله عليه وسلم وعلى اله وصحبة الكرام بمدارستهم للقران اما بعد :فمشاركتي عبارة عن كلام لحجة الاسلام الغزالي 505 في كتابة احياء علوم الدين وبدأ حديثة عن ما سيعرضة في "كتاب أسرار الصلاة ومهماتهاوهو الكتاب الرابع من ربع العبادات " بقوله "ونحن الآن في هذا الكتاب نقتصر على ما لا بد للمريد منه من أعمالها الظاهرة وأسرارها الباطنة وكاشفون من دقائق معانيها الخفية في معاني الخشوع والإخلاص والنية ما لم تجر العادة بذكره في فن الفقه،" وتحدث عن فاتحة الكتاب وينبه علة عمل الشيطان "وجل واعلم أن من مكايده أن يشغلك في صلاتك بذكر الآخرة وتدبير فعل الخيرات ليمنعك عن فهم ما تقرأ فاعلم أن كل ما يشغلك عن فهم معاني قراءتك فهو وسواس فإن حركة اللسان غير مقصودة بل المقصود معانيها. " ويفصل " ترجمة المعاني أنك إذا قلت بسم الله الرحمن الرحيم فانو به التبرّك لابتداء القراءة لكلام الله سبحانه وافهم أنّ الأمور كلها بالله سبحانه وأنّ المراد بالاسم ههنا هو المسمى وإذا كانت الأمور بالله سبحانه فلا جرم كان الحمد لله ومعناه أن الشكر لله إذ النعم من الله ومن يرى من غير الله نعمة أو يقصد غير الله سبحانه بشكر لا من حيث إنه مسخر من الله عز وجل ففي تسميته وتحميده نقصان بقدر التفاته إلى غير الله تعالى. فإذا قلت الرحمن الرحيم فأحضر في قلبك جميع أنواع لطفه لتتضح لك رحمته فينبعث بها رجاؤك ثم استثر من قلبك التعظيم والخوف بقولك مالك يوم الدين أما العظمة فلأنه لا ملك إلا لهوأما الخوف فلهول يوم الجزاء والحساب الذي هو مالكه ثم جدد الإخلاص بقولك إياك نعبد وجدد العجز والاحتياج والتبري من الحول والقوة بقولك وإياك نستعين وتحقق أنه ما تيسرت طاعتك إلا بإعانته وأن له المنة إذ وفقك لطاعته واستخدمك لعبادته وجعلك أهلا لمناجاته ولو حرمك التوفيق لكنت من المطرودين مع الشيطان اللعين ثم إذا فرغت من التعوذ ومن قولك بسم الله الرحمن الرحيم ومن التحميد ومن إظهار الحاجة إلى الإعانة مطلقا فعين سؤالك ولا تطلب إلا أهم حاجاتك وقل إهدنا الصراط المستقيم الذي يسوقنا إلى جوارك ويفضي بنا إلى مرضاتك وزده شرحا وتفصيلا وتأكيدا واستشهادا بالذين أفاض عليهم نعمة الهداية من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين دون الذين غضب عليهم من الكفار والزائغين من اليهود والنصارى والصابئين ثم التمس الإجابة وقل آمين فإذا تلوت الفاتحة كذلك فيشبه أن تكون من الذين قال الله تعالى فيهم فيما أخبر عنه النبي ﭬ: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل ) يقول العبد الحمد لله رب العالمين فيقول الله عز وجل حمدني عبدي وأثنى علي وهو معنى قوله سمع الله لمن حمده الحديث الخ " ودكر معنى الحوار بين العبد وسيده جل جلالة "فلو لم يكن لك من صلاتك حظ سوى ذكر الله لك في جلاله وعظمته فناهيك بذلك غنيمة فكيف بما ترجوه من ثوابه وفضله " ويقدم نصيحة لتعامل مع كتاب الله عزوجل"ينبغي أن تفهم ما تقرؤه من السور كما سيأتي في كتاب تلاوة القرآن فلا تغفل عن أمره ونهيه ووعده ووعيده ومواعظه وأخبار أنبيائه وذكر مننه وإحسانه ولكل واحد حق فالرجاء حق الوعد والخوف حق الوعيد والعزم حق الأمر والنهي والاتعاظ حق الموعظة والشكر حق ذكر المنة والاعتبار حق إخبار الأنبياء" وختم المحولر بمن عاش بالقران وتغذى عليه . وروى أن زرارة بن أوفى لما انتهى إلى قوله تعالى: ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ {} خر ميتا. وكان إبراهيم النخعي إذا سمع قوله تعالى ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ {} اضطرب حتى تضطرب أوصاله. وقال عبد الله بن واقد: رأيت ابن عمر يصلي مغلوبا عليه. وحق له أن يحترق قلبه بوعد سيده ووعيده فإنه عبد مذنب ذليل بين يدي جبار قاهر " وحصول "هذه المعاني بحسب درجات الفهم ويكون الفهم بحسب وفور العلم وصفاء القلب ودرجات ذلك لا تنحصر والصلاة مفتاح القلوب فيها تنكشف أسرار الكلمات فهذا حق القراءة وهو حق الأذكار والتسبيحات أيضا" من كتاب احياى علوم الدين دار الفكر الجزء الثاني
رد: المجلس الخامس والأخير لسورة الفاتحة نعم، إن القرآن العظيم هو الصراط المستقيم الهادي إلى الله. مستقيم، واضح، منير.. لا كباقي السبل الأخرى. و إن السير على هذا الصراط يشبه السير على صراط يوم القيامة، من حيث أن الثبات عليه صعب إلا بتوفيق الله و تيسيره. و هذه الشدة تظهر جلية في زمننا هذا، الذي كثرت فيه السبل و التوجهات إلى حد يجعل الحليم حيرانا، فكيف بغير الحليم مثلي؟؟! و تزداد المحنة عندما أنظر إلى نفسي فلا أجد نتائج "ملموسة". فأحس باليأس في بعض الأحيان، و تحين مني التفاتة أو التفاتات إلى اليمين و اليسار... لكن مهلا. إن القرآن هو هدى الله، و (إن هدى الله هو الهدى). فإلى أي شيء تلتفت؟ ليس لك خيار، فإن الزمن يمضي بك، و إنك إن التفت لغير صراط القرآن -و إن ادعيت أنك ستسلك سبيلا أخرى "للإصلاح"- فإنك في واقع الأمر ستجد نفسك، و لو بعد سنوات أو عقود، قد أوغلت في صراط المغضوب عليهم أو الضالين. و التجربة خير برهان. فاثبتي يا نفسي، و اعلمي أن هذا الصراط مضمون. ألم يقل رسول الله صلى عليه و سلم : (فإن هذا القرآن طرفه بيد الله و طرفه بأيديكم. فتمسكوا به فإنكم لن تهلكوا و لن تضلوا بعده أبدا)؟ إذن فاسألي ربك التوفيق و الثبات عليه في كل صلاة. و اعلمي أن تأخر النتائج "الملموسة" إنما هو بسبب نقص الإخلاص أو انعدامه أصلا. فحققي أولا (إياك نعبد و إياك نستعين)، و هي الشرط بينك و بين ربك. فإن أوفيت فاعلمي أن دعائك (اهدنا الصراط المستقيم) سيجاب عنه ب: "هذا لعبدي و لعبدي ما سأل". و بالله التوفيق.
رد: المجلس الخامس والأخير لسورة الفاتحة أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه و نفخه و نفثه. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله و آله و صحبه. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، صدقت أخي الكريم، بارك الله فيكم جميعاً. وفي نفس السياق نجد قوله تعالى "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها" وهذا النور الذي تكلف المولى عز وجل بأن يجعله للأحياء من الناس هو -و كما ذكرت- نتاج ثبات كل منهم على الجادة بإخلاص وصبر ويقين، ثم يزداد وهج ذاك النور بتحقق تلك المعاني الربانية في قلب كل شخص. ولنتأمل كيف بينت آيات قرآنية و أحاديث أخر للمصطفى صلى الله عليه وسلم ذلك، -عن الحياة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت". إذاً وقبل أن يتفضل سبحانه على عبده بتمام منته وإحياء قلبه، كما أوجبه على نفسه سبحانه جل في علاه في حديثه القدسي "ابن آدم ، إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي ، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير منهم ، وإن دنوت مني شبرا دنوت منك ذراعا ، وإن دنوت مني ذراعا دنوت منك باعا ، وإن أتيتني تمشي أتيت إليك أهرول"، أوجب سبحانه على عبده شبراً يثبت به صدق نيته قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ } -عن الثبات و الصبر على مشقة الطريق: قال صلى الله عليه وسلم "تعاهدوا هذا القرآن، فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها"، هذا الشبر. -عن النور: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"بشّر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة" وهذا شبر آخر. - وعن التوفيق: إستحضار قوله تعالى {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }. وانما الموفق من وفقة الله. جزاكم الله خيراً.
رد: المجلس الخامس والأخير لسورة الفاتحة اللهم بارك في جهود هذا المنتدى واجعله يارب نبراس نور وخير يشرق على كل افراد المجتمع حتى تستنير قلوبهم وتدلف الى باب القران الكريم
رد: المجلس الخامس والأخير لسورة الفاتحة السلام عليكم و رحمة الله و بركاته نعود مرة أخرى إلى هذه الآيات الجليلة من سورة الفاتحة: "اهدنا الصراط المستقيم, صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم و لا الضالين" آمين و أحب أن أتوقف بالضبط عند استخدام الجمع (اهدنا) في طلب الهداية بدل المفرد (اهدني)! إن الإنسان في هذه الآية لا يدعو لنفسه فقط, بل يدعو لجميع إخوانه المسلمين, بل و للبشرية جمعاء بالهداية! و لهذا كان هذا الدعاء أحرى بالإجابة -كما قرر العلماء- لأنه من جنس الدعاء عن ظهر غيب! و ما يثير الدهشة هنا أن صلاتنا لا تصح إلا بالدعاء للآخرين عن ظهر غيب! و في هذا تدريب عجيب للنفس و توطين لها على أن تحب للآخرين ما تحبه لنفسها! فلنتصور كيف يتحول اهتمام الإنسان بالآخرين و هو يستحضرهم و يدعو معهم على الأقل 17 مرة في اليوم! و هذا الدعاء بما أنه يساعد الإنسان على أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه, فهو يساعده على تتمةإيمانه تصديقا لحديث المصطفى صلى الله عليه و سلم: "و الله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" هذا من جهة, و من جهة أخرى: فإن هذا الدعاء يصنع شخصية المسلم الداعية و يصقلها, فيستحضر دائما نفسه و إخوانه في صلاته, و يتأسف على الضالين منهم و يطلب لهم الهداية, و يتذكر تقصيره في دعوتهم, ليخرج من صلاته و هو أشد عزما على السير في طريق الدعوة إلى الله! "و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يامرون بالمعروف و ينهون عن المنكر, و أولئك هم المفلحون" مسلك التخلق: 1) الإكثار من الدعاء للغير عن ظهر غيب, و لا تنس أنك لا تدعو لأخيك دعوة إلا و لك مثلها عند الله يؤمن عليها ملك من الملائكة! 2) التشمير عن ساعد الجد للحاق بقافلة الدعاة إلى الله, و نفض ما يعلق بالنفس من وساوس الشيطان المثبطة كالتذرع بقلة العلم ووو. و لنا في إخواننا من جماعة الدعوة و التبليغ أبلغ مثال رغم قة الزاد العلمي عند أغلبهم! هذا و الله أعلى و أعلم
رد: المجلس الخامس والأخير لسورة الفاتحة السلام عليكم و رحمة الله و بركاته نعود مجددا لاستخلاص بعض الرسائل من الآيات المقترحة في المجلس الأخير: الرسالة الأولى: "إن الله يحب معالي الأمر و أشرافها و يكره سفسافها" كما اخبر الصادق الأمين (صلى الله عليه و سلم), و هذا ما يتضح لنا جليا في الدعاء الذي أمرنا الله أن ندعوه به في صلاتنا "[font="arabswell_1"]اهدنا الصراط المستقيم, صراط الذين أنعمت عليهم", و هؤلاء الذين انعم الله عليهم كما جاء في القرآن الكريم هم:"[font="arabswell_1"]وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ[/font]". فالله يأمرنا أن نطلب منه أن يلحقنا بالنبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و هي مرتبة عظيمة لا يصلها إلا ذوو الهمم العالية, و لا تتحقق إلا ب "و من يطع الله و الرسول" كما جاء في الآية السابقة . فهذه دعوة من الله عز و جل إلى عباده بالتطلع لعظائم الأمور و الترفع عن الصغائر, و تحضرني هنا قصة ذلك الصحابي الذي طلب منه رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يسأله شيئا, فلم يتردد و لم يتلعثم بل أجاب على البديهة: "أسألك مرافقتك في الجنة" فلم يسأله مطلبا دنيويا رخيصا زائلا, كما لم يكن جوابه وليد لحظة تفكير خاطفة بل هو نتيجة هم و تفكير في الآخرة قديمين يعايشانه. و أختم بحديث لرسول الله صلى الله عليه و سلم يحضنا فيه على طلب أعلى الدرجات : " إن في الجنة مائة درجة ، أعدها الله للمجاهدين في سبيله ، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض ، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس ، فإنه أوسط الجنة ، وأعلى الجنة ، وفوقه عرش الرحمن ، ومنه تفجر أنهار الجنة" الرسالة الثانية: جاء في الرسالة السابقة أن "الشهداء" هو من زمرة المنعم عليهم من رب العالمين, و في هذا تذكير لنا بعظم منزلة الجهاد في سبيل الله (التي شوهها الإعلام و ألصقها بالإرهاب و التكفير) و دعوة لنا إلى إحيائها في هذا الزمن و تجديدها على النحو الذي بينه لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم, خاصة في ظل ما يتعرض له المسلمون من القهرو الظلم و انتهاك العرض و المال و محاولة القضاء على الإسلام. و لقد جاء ذكر منزلة الجهاد و الشهادة و الشهداء في القرآن الكريم و السنة النبوية مرات كثيرة. (قبل التطرق للرسالتين التاليتين أحب أن أقف عند مصطلح "المغضوب عليهم" و "الضالين" لأننا سنحتاجهما حيث ورد أن سبب تسمية اليهود ب "المغضوب عليهم" هو انصرافهم عن الحق بعد معرفته, و النصارى ب "الضالين" لأنهم تاهوا و ضلوا عن الحق لجهلهم به) الرسالة الثالثة: دعائنا لله بأن يبعدنا عن "صراط المغضوب عليهم" هو رسالة لنا "بالعمل بما نتعلمه و عدم الإعراض عنه بعد معرفته" كما فعل اليهود فاستحقوا غضب الله. و رضي الله عن الصحابة حن وصف ابن مسعود حالهم في تعلم العلم فقال: "كنا نتعلم من رسول الله صلى الله عليه و سلم العشر فلا نجاوزها الى العشر الآخر حتى نعلم ما فيها من العلم والعمل". كما أنه رسالة لنا بأن العلم نعمة لمن أحسن استغلاله و عمل به و علمه, و نقمة لمن تعلمه لغير الله كأن "يباهي به العلماء أو يماري به السفهاء" او يطلب به حظوظ الدنيا, و هذا حال علماء السوء. الرسالة الرابعة: جاء في ذكر "الضالين" و إرشادنا إلى الإبتعاد عنهم, رسالة مفادها "وجوب طلب العلم االنافع -الذي يعرف به الإنسان ربه و دينه و نبيه- على كل مسلم و مسلمة" حتى لا يقعوا فيما وقع فيه النصارى من الضلال بسبب الجهل, و هذا للأسف حال كثير من المسلمين اليوم خاصة جهلة الصوفية و الفرق المنحرفة. و إذا عدنا إلى الآية التي "تشرح لنا طبيعة المنعم عليهم" نجد في أولها "[font="arabswell_1"]و من يطع الله و الرسول[/font]", و في هذا إشارة إلى أن العلم النافع المنقذ من الضلال هو المبني على كتاب الله و سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم, و أنه لا يقدم عليهما قول كما فعل أيضا النصارى حين "[font="arabswell_1"]اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ[/font]". إن شاء الله تعالى سأحاول فيما بعد تتمة مسلك التخلق الخاص بهذه الرسالات. سبحانك اللهم و بحمد أشهد أن لا إله إلا انت أستغفرك و أتوب إليك [/font]
رد: المجلس الخامس والأخير لسورة الفاتحة السلام عليكم.كلمات ربانية من شيخ رباني أسأل الله الرحمان الرحيم أن يكرم الشيخ الأنصاري بجنة الفردوس.ءامين.ياأرحم الراحمين.