قضايا تتعلق بفهم وتدبر كتاب الله تعالى

الموضوع في 'منتدى الـدراسـات القـرآنـيـة' بواسطة الدكالي محمد, بتاريخ ‏1 يونيو 2009.

  1. الدكالي محمد

    الدكالي محمد عضو جديد

    بسم الله الرحمن الرحيم
    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

    أما بعد

    فهذه بعض الفقرات تتعلق بفهم وتدبر كتاب الله تعالى
    وهي تتكون من ست فقرات


    الفقرة الأولى :القرآن الكريم مفتاح مغاليق الفطرة

    نعم إن القرآن الكريم هو أفضل مفتاح لمغاليق الفطرة البشرية، لأنها من صنع الله – والقرآن كلام الله ، ولا تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله ؛ ولا تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يخرج من يده - سبحانه عز وجل - وقد جعل في منهجه وحده مفاتيح كل مغلق ، وشفاء كل داء: ( ) وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ( ) (( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) ( )


    الفقرة الثانية : من العلوم التي تبين إعجاز القرآن الكريم علم البيان والمعاني

    علماء التفسير قديما وحديثا استعانوا ( بعلمي البيان والمعاني ) لأنهما الوسيلة الفاعلة لإظهار خصائص الإعجاز البلاغي القرآن الكريم ، وما تشتمل عليه الآيات من تفاصيل المعاني ، وإظهار وجه الإعجاز البياني ، فقد كان هذان العلمان يسميان في القديم علم دلائل الإعجاز، قال جار الله الزمخشري في تفسيره الكشاف : ( علم التفسير الذي لا يتم لتعاطيه وإجالة النظر فيه كل ذي علم ، فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام ، والمتكلم وإن بز الدنيا في صناعة الكلام ، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القرية أحفظ ، والواعظ وإن كان من الحسن البصري أوعظ ، والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه ، واللغوي وإن علك اللغات بقوة لحييه ، لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق ، ولا يغوص على شئ من تلك الحقائق ، إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن وهما علما البيان والمعاني ( )


    الفقرة الثالثة : اختلاف أفهام المفسرين رحمة وتنويرا للبصائر والأفهام

    اختلف علماء التفسير في كثير من المعاني القرآنية ولكن عند التتبع والاستقراء
    نجد أن هذا الاختلاف يتلخص في أن كل مفسر قال في معنى الآية بما ظهر له منها باستنباطاته الخاصة ، بناء على تكوينه العلمي، ثم ما فتح الله عليه من مكنون سره ، وهنا نحتاج إلى ذكر ماجاء في صحيح الإمام البخاري عن أبي جحيفة قال

    ( قلت لعلي : هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله ؟ قال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن ( ) وقد دعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لعبد الله بن عباس فقال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل( ) واتفق العلماء على أن المراد بالتأويل تأويل القرآن ،
    هنا سؤال يطرح بعنوان ( هل كثرة القراءة بلا تفهم أنفع ، أم التفهم أنفع وإن كان مع قلة القراءة ؟

    قال الإمام محمد الطاهر بن عاشور ( لقد ذكر فقهاؤنا في آداب قراءة القرآن أن التفهم مع قلة القراءة أفضل من كثرة القراءة بلا تفهم ، واحتج بما ذكره حجة الإسلام الغزالي فقال: ( قال الغزالي في الإحياء التدبر في قراءته ، وإعادة النظر في الآية والتفهم أن يستوضح من كل آية ما يليق بها كي تتكشف له من الأسرار معان مكنونة لا تتكشف إلا للموفقين ( )


    الفقرة الرابعة : الصبر والتحمل أساس التكوين في الدراسات القرآنية

    ولابد من الصبر والجد والاجتهاد ، كي يتمكن طالب العلم من تفسير القرآن الكريم ، ومعرفة أحكامه ومعانيه ، فقد كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم كذلك ، فمثلا سورة البقرة لَكَثْرَة أَحْكَامهَا وَمَوَاعِظهَا . تَعَلَّمَهَا عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِفِقْهِهَا وَمَا تَحْتَوِي عَلَيْهِ من كثرة الحكم والمعاني ، فِي اِثْنَتَيْ عَشْرَة سَنَة , وَابْنه عَبْد اللَّه فِي ثَمَانِي سِنِينَ . قَالَ الإمام اِبْن الْعَرَبِيّ المعافري رحمه الله : سَمِعْت بَعْض أَشْيَاخِي يَقُول عن سورة البقرة : فِيهَا أَلْف أَمْر، وَأَلْف نَهْي ، وَأَلْف حُكْم ، وَأَلْف خَبَر، ( ) وَبَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا وَهُمْ ذوُو عَدَد فقَدَّمَ عَلَيْهِمْ أَحْدَثهمْ سِنًّا لِحِفْظِهِ سُورَة الْبَقَرَة , وَقَالَ لَهُ :
    ( اِذْهَبْ فَأَنْتَ أَمِيرهمْ )( ) ثم إن التكوين والتعمق في فهم مقاصد القرآن يتطلب منا أن نطلع على فنونه الكثيرة ،وأن نفهم مغازيه البعيدة المدى المترامية الأطراف ، فهي موزعة على آياته الجليلة العظيمة ، فالأحكام مبينة في آيات الأحكام ، والآداب في آياتها ، والقصص في مواقعها ، وهكذا ( )


    الفقرة الخامسة : من مقاصد الشريعة النهي عن التعمق في التفسير ، ولذلك وجب تبسيطه وتقريبه من أفهام الناس جميعا
    قال الإمام الشاطبي : ( التعمق في البحث وطلب ما لا يشترك الجمهور في فهمه ، خروج عن مقتضى وضع الشريعة الأمية ، فإنه ربما جمحت النفس إلى طلب ما لا يطلب منها ، فوقعت في ظلمة لا انفكاك لها منها ، ولله در القائل ( وللعقول قوى تستن دون مدى ، إن تعد تها ظهرت فيها اضطرابات) ( ) والإمام الشاطبي هنا يقصد أن يؤخذ فهم الشريعة على قدر فهم الأميين، وكل تكليف فيها يؤخذ على هذا الأساس ، ولا يذهب به إلى أبعد من ذلك، وأن ما لا يدخل تحت قدرة الأميين العقلية في فهمه ولا تحت قدرتهم البدنية في امتثاله والعمل به؛ لا يمكن أن يكون داخلاً في الشريعة، وكذلك لا يحتاج في فهمها وتعرف أوامرها ونواهيها إلى التغلغل في العلوم الكونية والرياضية،


    الفقرة السادسة :
    أمر البشرية مرهون برد قفل الفطرة إلى صانعه
    واعجبا لهذه البشرية المتعبة والمنهكة ، والتي أسقطت حساب الآخرة من قاموسها ، وركنت إلى الدنيا ( فيصدق فيها قول الحق عز وجل ) إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون ( 7 ) أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون ( 8 ) ) ( ) هذه البشرية التي لا تريد أن ترد القفل إلى صانعه ، ولا أن تذهب بالمريض إلى مبدعه وخالقه ، ولا تسلك في أمر نفسها ، وفي أمر إنسانيتها ، وفي أمر سعادتها أو شقوتها . . ما تعودت أن تسلكه في أمرالأجهزة والآلات المادية الزهيدة التي تستخدمها في حاجاتها اليومية الصغيرة ( ) وهي تعلم أنها تستدعي لإصلاح الجهاز مهندس المصنع الذي صنع الجهاز . ولكنها لا تطبق هذه القاعدة على الإنسان نفسه ، فترده إلى المصنع الذي منه خرج ، ولا أن تستفتي المبدع الذي أنشأ هذا الجهاز العجيب ، الجهاز الإنساني العظيم الكريم الدقيق اللطيف ، الذي لا يعلم مساربه ومداخله إلا الذي أبدعه وأنشأه: ( إنه عليم بذات الصدور،ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) ( )ومن هنا جاء ضلال البشرية ، وجاءت شقوتها وحيرتها ، فالبشرية. المسكينة الحائرة ، التي لن تجد الرشد ، ولن تجد الهدى ، ولن تجد الراحة ، ولن تجد السعادة ، إلا حين ترد الفطرة البشرية إلى صانعها الكبير ، كما ترد الجهاز الزهيد إلى الشركة التي صنعت الجهاز ، أو بتعبير أدق إلى صانع الجهاز الصغير ( )
    أسال الله تعالى ، أن يوفقنا جميعا لما يحب ويرضى ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

    _______________________________
    في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب 1 / 32
    الإسراء الآية 82
    االإسراء الآية 9
    التحرير والتنوير للإمام محمد الطاهر بن عاشور ج / 1 / ص 32
    البخاري ج / 3 ص [ : 1110
    مسند الإمام أحمد المجلد الأول، مسند عبد الله بن عباس
    التحرير والتنوير 1/ 37
    الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي ج / 1 ص 160
    صحيح مسلم ج1/ص549 برقم 798.
    التحرير والتنوير ج / ص 30
    الموافقات للإمام الشاطبي 2 / 23
    سورة يونس 7 و8
    في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب ج / 1 / 32
    سورة الملك 14 و14
    في ظلال القرآن الأستاذ سيد قطب ج 1/ ص 33 بتصرف


     
    آخر تعديل: ‏1 يونيو 2009
  2. محمد

    محمد مشرف ساحة القرآن الكريم في حياة الرسول صلى الله عل

    رد: قضايا تتعلق بفهم وتدبر كتاب الله تعالى

    السلام عليكم ورحمة الله

    جزاكم الله خيرا شيخنا الدكالي ، إن كل فقرة من هذه الفقرات الست من الأهمية بمكان
    وهي تستحق التناول بالعناية والتحليل فقرة فقرة لا ريب في ذلك .و قد وجدت الفقرة الرابعة " الصبر والتحمل أساس التكوين في الدراسات القرآنية " مفصلية في باب ما نحن مقبلون عليه هنا على منتديات الفطرية لسيما منها منتدى مجالس القرآن فأحببت لفت الإنتباه إليها.

    وفقكم الله أستاذنا لمزيد من العطاء ونفع بكم ووفقنا جميعا لتدبر كتابه آمين.
     
  3. الدكالي محمد

    الدكالي محمد عضو جديد

    رد: قضايا تتعلق بفهم وتدبر كتاب الله تعالى

    جزاك الله خيرا ياأخ محمد مارأيت تعليقك إلا قبل قليل جزاك الله خيرا على هذا الاستنباط الجيد ن من خلال قراْتك للموضوع استنتجت هذا الكلام الجيد الذي عبرت به هنا ( الصبر والتحمل أساس التكوين في الدراسات القرآنية " مفصلية ، في باب ما نحن مقبلون عليه هنا على منتديات الفطرية لاسيما منها منتدى مجالس القرآن فأحببت لفت الإنتباه إليها.)) وفقك الله أخي الكريم وسسد خطاك
     
  4. أمين

    أمين مشرف

    رد: قضايا تتعلق بفهم وتدبر كتاب الله تعالى

    السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته


    بارك الله فيك أستاذ على هذا الموضوع

    لقد قمت بتثبيته وتكبير الخط لتسهل قراءته


    نتمنى ألا تبخل علينا بما أنعم الله عليك من علم


    والسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته



     
  5. الدكالي محمد

    الدكالي محمد عضو جديد

    رد: قضايا تتعلق بفهم وتدبر كتاب الله تعالى

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أخي أمين حفظك الله ورعاك ، حاضر أخي الحبيب سأشارك بكل ماأستطيع ، وأسالكم الدعاء
     
  6. أيوب

    أيوب مشرف ساحة مشاريع الفطرية

    رد: قضايا تتعلق بفهم وتدبر كتاب الله تعالى

    بارك الله فيك أستاذنا الجليل، و جزاك خيرا على هذا البحث الجليل، نتمنى أن تبذل معنا جهدك بما من الله عليك من علم و فهم، و أن تصبر معنا في ذلك فإننا لفي أمس الحاجة إلى أمثال هذه البحوث
     
    آخر تعديل: ‏26 فبراير 2010

مشاركة هذه الصفحة