الرئيسية / المقالات / نظرات في مفهوم الحوار في القرآن الكريم

نظرات في مفهوم الحوار في القرآن الكريم

 
بسم الله الرحمان الرحيم و صلى الله و سلم على سيدنا محمد و على آله و صحبه ، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ربنا آتنا من لدنك رحمة و هيئ لنا من أمرنا رشدا ، اللهم انفعنا بما علمتنا و علمنا ما ينفعنا و زدنا علما ، اللهم افتح لنا أبواب الرحمة

و انطقنا بالحكمة و اجعلنا من الراشدين فضلا منك و نعمة .
أيها الأحبة مدار هذه الكلمة المتواضعة المعنونة بنظرات في مفهوم الحوار في القرآن الكريم ، مدارها على النقط التالية :
مقدمة في الخصوصية الدلالية للألفاظ في القرآن الكريم .
النظرة الأولى: في ورود اللفظ في القرآن الكريم .
النظرة الثانية : في معنى الحوار في المعاجم العربية .
النظرة الثالثة: في مكونات مفهوم الحوار في القرآن الكريم
النظرة الرابعة : في علاقة الحوار بمرادفاته في القرآن الكريم
النظرة الخامسة : في كون الحوار فضاء أفسح للتواصل
ثم خاتمة في ضرورة التعاون العلمي و المالي على مشروع المعجم المفهومي للقرآن الكريم .
أيها الأحبة : أبدأ بالتنبيه على أن هذه الكلمة هي مجرد تأملات أولية في الآيات التي تضمنت لفظ الحوار كما وردت في القرآن الكريم ، ثم إنها لم تكد تتجاوز ما يفهم من هذا اللفظ ، حيث ورد في كتاب الله عز وجل،

مقدمة في الخصوصية الدلالية للألفاظ في القرآن الكريم : هذا الكتاب كما تعلمون أنزل بلسان عربي مبين ، الألفاظ التي استعملها و الجمل و التراكيب والأساليب و كل ذلك من البيان العربي ، لكن هذا الكتاب انطلق من الألفاظ بدلالتها المعروفة المألوفة لكنه منذ بدأ نزوله حتى انتهاء نزوله ضمن الألفاظ مفاهيم و وضعها في سياقات بعينها جعلها في النهاية تنتقل دلاليا من المعاني التي كانت لها في اللسان العربي إلى آفاق جديدة إلى مفاهيم جديدة تنسجم مع هذه الرؤية الشمولية الربانية التي جاءتنا من الله جل جلاله و التي يجب أن نستدرجها بين جنوبنا و نصدر عنها في كل ما نأتي و ما نذر ، لذلك فالألفاظ و إن كانت عربية و توجد في المعاجم العربية و في الكتب العربية إلا أن درسها الحقيقي ينبغي أن يتركز بعد التعريج على كل ذلك و استيعاب كل ذلك ، ينبغي أن يتركز على استعمالاتها في القرآن الكريم لتستخلص الخصوصيات الدلالية لهذه الألفاظ ليتمهد الطريق إلى فقه عالم القرآن بصفة عامة .

النقطة الأولى : في ورود اللفظ في القرآن الكريم
مادة هذا اللفظ وردت أربع مرات مما له صلة بموضوعنا، ورد الفعل المضارع الثلاثي ،في قوله جل جلاله بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ، فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا و ينقلب إلى أهله مسرورا ، و أما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ، و يصلى سعيرا ، إنه كان في أهله مسرورا ، إنه ظن أن لن يحور ، بلى إن ربه كان به بصيرا) ظن أنه لن يحور: ظن أن لن يرجع .
في سورة الكهف في قصة صاحب الجنتين : ( و اضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب و حففناهما بنخل و جعلنا بينهما زرعا كلتا الجنتين آتت أكلها و لم تظلم منه شيئا و فجرنا خلالهما نهرا و كان له تمر فقال لصاحبه
و هو يحاوره أنا أكثر منك مالا و أعز نفرا و دخل جنته و هو ظالم لنفسه ……)
إلى أن يقول العبد المؤمن الصالح في جواب هذا المغتر: ( قال له صاحبه و هو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم سواك رجلا لكنا هو الله ربي و لا أشرك بربي أحدا و لولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أقل منك مالا و ولدا فعسى ربي أن يوتيني خيرا من جنتك و يرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا ) و كانت هذه النتيجة ( و أحيط بثمره )
بعد هذا وردت أيضا في سورة المجادلة في الآية الأولى : ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها و تشتكي إلى الله
و الله يسمع تحاوركما ) إذن ورد :” يحور” ، و “يحاور” مرتين و تحاوركما مرة واحدة، معناه أن هذه المادة وردت أساسا في الصورة الفعلية في صورة الثلاثي و صورة الرباعي “حاور ” التي منها ، و لا بأس أن أقول إن الحوار هذا اللفظ لم يرد هكذا بهذه الصيغة في القرآن الكريم و هو في المعاجم العربية هو اسم من المحاورة و هو قياسيا أيضا مصدر الفاعل التي لها مصدران مشهوران المفاعلة و الفعال كالمقاتلة و القتال ، و هو أيضا اسم من حار يحور كذلك .
فأيضا الحوار له صلة بهذه المادة الثلاثية الأصل .

و” التحاور” هذا الخماسي هكذا وردت المادة في الصورة الفعلية و في الصورة الاسمية و لا بأس من الإشارة إلى أن ورود المادة في الصورة الفعلية يعني فيما يعني اشتغال القرآن بالجانب العملي لا بالجانب النظري ، و كثيرا ما حدث هذا في عدد من المفاهيم .

النظرة الثانية : في معاني الحوار في المعاجم العربية
مداره على ثلاثة معاني، يقول ابن فارس : الحاء ، و الواو، و الراء ، في المقاييس ثلاثة أصول لا يعنيني الأول ، أحدها….. ، و الآخر الرجوع و الثالث أن يدور الشيء دورانا .
المدار في الحقيقة على ثلاثة معان هي الرجوع ، و لكنه نوع من الرجوع خاصة نص عليه في بعض المعاجم كقول صاحب اللسان: “و أصل الحوار ، الرجوع إلى النقص” ليس رجوعا مطلقا ، بل الرجوع الذي يكون من درجة فيها زيادة إلى درجة فيها نقص ، و لذلك قال صلى الله عليه و سلم في الحديث المشهور ، في دعائه المشهور: ( اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور) الكور : الذي يكون للعمامة ، و الحور : الذي يأتي عكس ذلك
و هذا له صلة بمعنى المحاورة أيضا ، لأن أي محاور ينطلق من محاولة الوصول…. – و سيأتي هذا في الهدف –إلى أمر عمليا يدخل فيه النقصان على الطرف الثاني و تكون عنده زيادة من جانبه ، فهذا الرجوع ، هذا المعنى الذي هو الرجوع و لا سيما إلى النقصان هذا معنى بارز للمادة ، كذلك معنى الدوران الذي منه المحور كذلك معنى بارز للمادة ، كذلك معنى التردد ، و هذا الذي وقف عنده الراغب خاصة الراغب الاصفهاني في المفردات – هو معنى التردد ، الشيء يتردد بين شيئين بصفة عامة يتردد بين حالين .
هذا المعنى هو الذي جعل منه المحاورة و فسرها بالمرادة في الكلام ، يرد أحدهما على الآخر ، و كل واحد منهما يكون له موقف بعينه و هذه المعاني من الناحية العملية بصفة عامة في الحقيقة يعني تتكامل فيما بينها ، إذا أحببت أن تضع خطا جامعا لها يمكنك أن تفعل ذلك لأن هذا التردد يدور بين الطرفين .

النظرة الثالثة : في مكونات مفهوم الحوار في القرآن الكريم ، انظر إلى هذا النقطة من خمس جهات :
– من جهة مادة الحوار : إذا تأملنا في هذه الآيات التي وردت فيها المادة بصفة عامة خصوصا مادة – يحاور-
و–التحاور- ، و التحاور بصفة عامة التي لها صلة لصيقة و قوية بموضوعنا الذي نحن فيه ، أما الأخرى فعامة .
أقول في المادة : مادة هذه المحاورة و هذا الحوار ، نجدها في القرآن الكريم كلامية ، دائما هناك قول : الحوار نتيجة قول سواء وقفنا عند آية التحاور ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها و تشتكي إلى الله و الله يسمع تحاوركما) هذا التحاور كان قوليا ، و كان أساسا بين رسول الله صلى الله عليه و سلم و الصحابية الجليلة خولة بنت خويلد، كذلك ( قال له صاحبه و هو يحاوره ) بمعنى : القول موجود و ضمن القول كان هذا الكلام الذي قصه الله علينا لأن الجملة الحالية –
قال له و هو يحاوره –معناه أنه قال كلاما آخر ضمن الحوار، لكن من ضمن ما قال مما استحق أن يضعه الله عز و جل في البؤرة ، في بؤرة ما ينبغي الاعتبار به مما الحاجة إليه في إرشاد الناس و هذا هو ما قصه الله علينا في الكلام الأول ، ثم ما قصه الله علينا في الكلام الثاني و هو يجيب الأول ، لكن التعبير ب ( و هو يحاوره ) معناه كلاما كثيرا كان بينهما ، لكن من ضمن هذا الكلام اختار الله تعالى هذه الجمل و هذه الأقوال بالتحديد ، طيب فالمادة أساسا يعني هو من مكوناته الكلامية في الصنع ، من مكوناته أيضا التي لا يكون حوار بدونها لا يتصور وجود حوار يدون هذا هي الثنائية ، فعلا في ( قال له و هو يحاوره) ، الأولى، و الثانية ( يسمع تحاوركما ) لكن هذه الثنائية ا لا تفيد الحصر، بل يمكن أن يكون التعدد، و لا بأس أن أذكر هذا الحديث الذي ساقه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في كتاب عمدة التفسير الذي يعنيني منه 🙁 و لما بلغ رسول الله خمس و ثلاثين سنة اجتمعت قريش لبنيان الكعبة ، هذا الحديث طويل مما فيه : ( حتى إذا انتهى إلى الأساس أفضوا إلى حجارة خضر …….أخذ بعضها ببعض ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها كل قبيلة تجمع على حدة ثم بنوها حتى بلغوا البنيان موضع الركن، فاختصموا فيه كل قبيلة تريد أن تضعه دون الأخرى حتى تحاوروا بالجمع – و تخالفوا و أعدوا للقتال …
فإذن دائما الحوار بين أطراف ، طرف طرفان على الأقل في الرأي ، مما يستفاد دائما الحوار يكون بين مختلفين لا في الحديث و لا في القرآن ، أحاديث الحوار بصفة عامة ، فهذا الحديث الصحيح في الإمام البخاري : (كانت بين أبي بكر الصديق و عمر محاورة فأغضب أبو بكر عمر فانصرف عن عمر مغضبا فاتبعه عمر ….)
الحوار من جملة مكونات مفهومه الاختلاف و لكن مع هذا الاختلاف الاستقلالية في رأي الطرفين لكل طرف رأيه الخاص المختلف عن الآخر المستقل ، كذلك في الهدف إذا نظرنا إلى نوع المكون في الهدف هناك مسألة الإقناع بوجهة نظر ، دائما المحاور له هدف في حواره ، هو أنه ينطلق باستقلال من وجهة نظره يهدف إلى أن يقنع الآخر بوجهة نظره .
الأسلوب كما في الأسلوب أيضا التبعية لنوع الشخصية ، لأننا إذا حللنا حوار الذي قال : ( أنا أكثر منك مالا و أعز نفرا ، و الآخر قال : ( أكفرت بالذي خلقك من تراب ) إذا حللته تجده أسلوب الداعية الحكيم المؤمن .

النقطة الرابعة : في علاقة الحوار بمرادفاته في القرآن الكريم عندنا اللفظان المشهوران : الحجاج و الجدال .
الحجاج لم يرد في القرآن كله إلا خصومة بباطل من مبطل ، و قد نص على هذا ابن عاشور، لكن من تتبع الآيات يجد أنه لم يثبت في القرآن كله لنبي أو عبد صالح .
الذين يحاججون بصفة عامة في القرآن من حيث مصدره من يحاجج بصفة عامة هو المبطل و يحاجج في باطل.
لفظ الجدال ، الخصوصية التي تميزه ، الجدال استدلال بقصد الدفاع و الغلبة ، لذلك ربطه البعض بمعنى الجدل و الجدالة هي الأرض ، يعني ألقاه على الجدالة صرعه على الأرض الصلبة .
الحوار أعم من كل ذلك و ليس من شرط وجوده وجود ما تقدم، المعاني التي توجد في الجدال و الحجاج قد لا توجد في الحوار .

النقطة الخامسة و الأخيرة : في كون الحوار الفضاء الأفسح للتواصل ننظر إليه من ثلاث زوايا في تلك الآيات : بين مريد الآخرة و مريد الدنيا ، هل يكون الحوار، و بين المؤمنين أنفسهم ذكرانا و إناثا كما في سورة المجادلة ، و بين الرؤساء و المرؤوسين كما في حال سورة المجادلة أيضا كل ذلك .
و أخيرا خاتمة : في ضرورة التعاون العلمي و المالي على مشروع المعجم المفهومي للقرآن الكريم .
القرآن الكريم باختصار بحاجة ماسة إلى دراسة لألفاظه من جديد تستوعب جهود الأقدمين لا في كتب التفسير ، و لا في كتب المفردات و غريب القرآن ، و لا في غير ذلك من جهود المعجميين بصفة عامة الذين جزاهم الله خيرا ما انفصلوا عن لغة القرآن كما ينعق بعض الناعقين اليوم ليفصلوا الأمة عن لغة القرآن هذا ما كان و ما ينبغي أن يكون .
بعد ذلك الاستيعاب ينبغي تركيز النظر بمنهجية حقيقية مثل ما هو موجود في معهد الدراسات المصطلحية –منهجية خاصة لدراسة الألفاظ في القرآن الكريم نفسه – لاستخلاص الدلالة الخاصة بكل لفظ ، وفق الأنساق التي لها في بنية القرآن البنية المفهومية للقرآن الكريم و بالله التوفيق و و رحمة الله .

د. الشاهد البوشيخي

 

شاهد أيضاً

الهدى المنهاجي في القرآن الكريم

 مقدمـة: في شدة حاجة الأمة اليوم إلى الهدى المنهاجي أمتنا اليوم لها واقع ولها موقع، جعلها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *