المجلس الأول لسورة الفرقان

 
 
المجلس الأول
في مَقَامِ التَّلَقِّي لِرِسَالَةِ الفُرْقَانِ (الحلقة: 1)
والابتلاء فيه واقعٌ بالكلمات الأولى من السورة، فاقرأ آياتها كلمةً كلمةً! اقرأها ترتيلاً وترسيلاً، اقرأها بشهود القلب لبصائرها، الواحدة تلو الأخرى، ثم تدبر!
فيا نفسي الكسولة الجهولة.. تأدبي بمجلس الدرس! إن للقرآن العظيم لَقَدْراً، وإن لملائكة الرحمن عليكِ لحقّاً! واجعلي على القلب لسان صدقٍ وميزانَ عبادة؛ ألاَّ تَزِلَّ كلمةٌ طائشةٌ عن فَلَكِ القرآن؛ فتنصرفَ عنكِ مَلاَئِكَةُ الذِّكْرِ، ضاربةً بأجنحة النور نحو السماء، وتدعك غارقة في ظلمات القيل والقال!
1– كلمات الابتلاء:
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
(تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً(1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً(2) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً)(3).
2– البيان العام:
هذه سورة من أعجب السور في القرآن! إنها سورة التعريف بالقرآن، وبرسالة القرآن، القرآن بما له من الأوصاف التعريفية الجامعة المانعة: “الفرقان”! هذا الوصف الفصل، الذي يميز الوحي الإلهي عن سائر ضروب الخطاب، ويعطيه صبغته الفرقانية التي تقهر وتبهر! وتشق للبشرية الحائرة في ظلمات الضلال طريق النور الواضح المبين!
والفرقان اسم من الأسماء الأعلام على القرآن العظيم، كما هو واضح من مطلع هذه السورة: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً)، وكما في قوله تعالى من سورة آل عمران: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ)(آل عمران: 3-4).
وفي تسمية السورة بهذا الاسم الجامع دلالة وأي دلالة! ولذلك كانت متفردة – من بين سور الكتاب – في شمولها لرسالة القرآن! وفي تعريفها بطبيعة القرآن، وعرضها لقضية القرآن! بما يجعلها في طليعة السور التي لا بد للمؤمن الرباني أن يتلقى رسالاتها كلمةً كلمةً! وأن يدخل في ابتلاءاتها مَنْـزِلَةً مَنْـزِلَةً! ولذلك فقد كانت من الشطر المكي الأول من القرآن العظيم( )، ثم صارت من المحفوظ المتداول لدى كبار الصحابة – رضوان الله عليهم( )؛ وذلك حتى تعلم الجماعة المؤمنة الأولى طبيعة هذا الدين الذي آمنت به، وحتى يعلم الناس المخاطبون بالقرآن، طبيعة هذا الوحي الذي يدعوهم إلى الإيمان.
وعليه؛ فإن شئت أن تجعل لهذه السورة موضوعا رئيسا، وشخصية خاصة، تميزها عن سائر السور؛ فلك أن تقول: إنها سورة التعريف بالقرآن، بما هو رسالة ذات قضية فرقانية! تعمل آياتها أول ما تعمل داخل تلك النفس التي تلقتها ابتداءً، فإذا بكلماتها تتحول – عند التلقي – إلى مقاصل ومقارض للتهذيب والتشذيب، تُنَفِّذُ عملياتها الجراحية في عمق النفس الإنسانية تزكيةً وتربيةً؛ حتى تُخرج للناس – بعد ذلك – عبدا فرقانيا، يكون نموذجا حيا لرسالة القرآن!
ومن هنا كانت آياتها من أوقع كلمات القرآن على النفس! وكانت رسالاتها من أشد المسالك ابتلاءً للعباد! ومن ثم كانت زبدة مخيضها أن تَخَرَّجَ من محنتها: (عباد الرحمن) بما ذُكِرُوا به من مقامات ربانية، ومنازل رحمانية، لا يدركها إلا من شق مسالكها عقبةً عقبةً!
فيا نفسي المريضة! هذه يد الرحمة الفرقانية تمتد إليك بمشرطة الشفاء، فهل تصبرين؟ فاكشف عن صدرك يا صاح! ولنستسلم معا – أنا وأنت – على مشرحة الفرقان؛ لله رب العالمين؛ عسى أن نكون موضوعا لكلمات القرآن، وعلاجات القرآن!
فذلك باب الدخول إلى سورة الفرقان. ولنبدأ قضيتنا معها – في مجلسنا هذا – من البداية:
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
(تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً(1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً(2) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً)(3).
إن تلقي حقائق الإيمان من القرآن، لا يكون أبداً بمطالعة هذا البيان أو ذاك التفسير، وإنما يكون بمكابدتنا المباشرة للآيات. أما التفسير والبيان فإنما غايته أن يرسم معالم الطريق للسائرين، وأما السير ذاته فإنه لا ينوب فيه أحد عن أحد..! فيا قلبي العليل شمر عن ساقيك لخوض غبار الطريق وانطلق! 
 
 
إن نعمة القرآن بما هو نذارة رحمانية مباركة، إنما تنـزلت لتشق طريق النور للعالمين، مشكاةً ربانيةً تتدفق أنوارُها من قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنها لجديرة إذن بحمدٍ وشكرٍ يستغرقان حياةَ العبد المسبح ربَّه أبداً! لأن عظمة هذه النعمة أكبر من يحيط بها خيال الإنسان إحصاءً ولا عدا، وأكبر من أن تستنفد البشرية بركاتها وأنوارها! فأي لسان قدير على شكر ما لا ينحصر بلسان؟ إنه لا كمال لثناءٍ على الله – جل جلاله – إلا بما أثنى هو على نفسه، سبحانه وتعالى! ولذلك لم يكن كمالُ شكر نعمة القرآن إلا بالقرآن! فقال تعالى حامداً لنفسه الكريمة على ما نزله على رسوله من القرآن العظيم: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً!) هكذا “تَبَارَكَ” بهذا التعبير الدال على الرفعة والتكثر والزيادة والاستمرار للبركة، من تَفَاعُلِ فِعْلِهَا الرباني، وتَكَثُّرِ نورها الرحماني. فلن تزال بركات الله علينا تترى ما دام هذا القرآن يتلى، وذلك هو الفضل العظيم الذي لا ينقطع خيره أبداً! فتبارك الله بما نزل على عبده من بركات! فكان هذا الفرقان نذارة كونية ورسالة عالمية، يخرق نورُها حجبَ الزمان والمكان؛ ليشق طريق الهدى بقوة؛ كي تستبين سبيلُها للبشرية الضاربة في تيه الظلمات! فلك الحمد ربَّنا كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك!
وإنما يتعرف المؤمن على عظمة القرآن، عندما يتعرف على عظمة المتكلم بالقرآن: الله رب العالمين! إذْ قيمة الكلام إنما هي بقيمة من تكلم به. فإذا أبصرت هذا السر انكشفت لك كنوز القرآن! ولذلك قال سبحانه بعدُ مباشرة، على سبيل التعريف بمنـزل القرآن: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً). فكأنَّ المتلقي عندما سمع فاتحة السورة: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ).. الآية، ولم يُفصح عن اسم الجلالة: الله؛ تساءل: من هذا (الذي..) إذن؟ فجاء البيان بأوصاف الربوبية المطلقة، بما تتضمنه من معاني الفردانية في الملك، والتنـزه عن الولد والشريك، وشمولية الخلق والتقدير لكل شيء! فتبين إذن أن المنـزل للفرقان هو هذا الرب العظيم، الرب المالك وحده لكل شيء، الخالق وحده لكل شيء! فما من شيء في هذا الوجود، من مُلك السماوات والأرض، إلا وهو صادر عن شؤون ربوبيته، خاضع لعظمة سلطانه، تحت قهره وتدبيره، وحكمة تسخيره وتقديره‏.‏ ومن هنا صدر عنه – جَلَّ جلالُه – هذا القرآن، على موازين حكمته ورحمته. ذلك هو هذا (الذي) نزَّل الفرقان! فأبصرْ أيَّ فرقانية عظيمة تحمل كلماتُه للعالمين! وأيَّ عبد كريم هذا الذي بُعِثَ به نذيراً للناس أجمعين!
وإن تَعْجَبْ، فَعَجَبٌ كل العجب، أمر هؤلاء الذين يُعرضون عن هذه الحقيقة الكونية العظمى! ثم يتخذون من دون هذا الرب العظيم – بما عرفنا عنه من صفات جليلة – آلهة باطلة عاجزة! لا تملك من صفات الربوبية شيئا! (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً). هذه مفاتح معاني الربوبية الحقة: فعل الخلق، وهؤلاء لا يخلقون شيئا بل هم قد خُلِقوا خلقا! وكفى بذلك مفتاحا للتعرف على الله وأي مفتاح! ثم هم لا ينفعون ولا يضرون، ولا يُحيون ولا يميتون، ولا يبعثون أحدا من بعد موات! فأي آلهةِ زورٍ هذه!؟ وأي أربابِ باطلٍ وبهتان!؟ ثم أي ظلم هذا الذي يقترفه الإنسان الضال الجهول عندما يضرب بحق الخالقية عرض الحائط، ويتمرد على الخالق ويعبد المخلوق؟! كيف وها شؤون الربوبية كلها مرجعها إلى الله؟! فهو الرب الذي لا إله غيره ولا رب سواه! وهو الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده جل علاه، الأحد الصمد، الذي لا والد له ولا ولد، ولم يكن له كفؤاً أحد‏!
3– الهدى المنهاجي:
وهو يتفرع إلى خمس رسالات، هي كالتالي:
– الرسالة الأولى:
في أن أول الواجب على المؤمن بهذا القرآن هو شكر المنعِم بتنـزيله. وخير الشكر إنما هو تلقي رسالاته بالدخول في منازله والتخلق بِخُلُقِه، أي تَلَقِّيهِ بما هو مُنَـزَّلٌ تنـزيلاً لا بما هو مُنْـزَلٌ إنزالاً فحسب. لأن الفرقانية لا تحصل للمؤمن إلا كذلك.
وقد قال تعالى ههنا‏:‏ ‏‏”تَبَارَكَ ‏الذي نَزَّلَ الفرقانَ‏”‏ هكذا: “نَزَّلَ” بصيغة “فعَّلَ”، من التكرر والتكثر، بخلاف “أنزل” التي تدل على المرة الواحدة. وعلماءُ القرآن على أن “الإنزال” الذي هو من فعل “أنزل” كان للقرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا. وكان ذلك دفعة واحدة في ليلة القدر. بينما “التنـزيل” الذي هو من فعل “نَزَّلَ” كان من السماء الدنيا إلى الأرض منجما أي مفرقا، بقصد التربية والتكوين للإنسان على مهل؛ لبناء النفس المؤمنة والمجتمع الإسلامي، بما يغرس جذوره في تربة العمران البشري، مؤصلة في عمق الوجود إلى يوم القيامة. وهذه الصفة إنما هي خاصة بهذا القرآن. وهو قوله تعالى‏: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ)(النساء: 136)؛ ‏‏لأن الكتب المتقدمة كانت تنـزل جملة واحدة، والقرآن نزل منجماً مفرقاً مفصلاً، آيات بعد آيات، وأحكاماً بعد أحكام، وسوراً بعد سور. وهو قوله تعالى: (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنـزِيلاً)(الإسراء: 106).
فإذا رغبت في تلقي القرآن حقيقةً، لتتخلق بفرقانيته فما عليك إذن إلا الدخول في ميثاق التنـزيل، والشروع في تلقي برنامج القرآن آيةً آيةً؛ حتى يصير لك ذلك منهاج حياة، وتكون – بإذن الله – من الشاكرين لنعمة الفرقان، محققا لرسالة: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ) الآية.
– الرسالة الثانية:
في أن الصفة الوظيفية الجوهرية لهذا القرآن إنما هي كونه فرقانا، يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، والظلمات والنور. وهي صفة عامة شاملة حتى إنه صارت له اسما عَلَماً، تستقل بتسميه على ما استغرقه اسمه من معان! فهو: الفرقان. وفي ذلك رسالة مهمة جدا مقتضاها أن هذا القرآن هو البرنامج الذي وجب على المسلم أن يعتمده في تبين طريق السير إلى الله، وفي تلقي حقائق الإيمان الدالة على سبيل الرشاد. ففيه يجد المؤمن المتبصر معالم كل شيء، مما هو في حاجة إليه من أدوات الكشف عن الصراط المستقيم. إنه بوصلة الخروج من حال الحيرة إلى حال اليقين، ومن ظلمات الفتن إلى نور الحق المبين.
وفي ذلك رسالة أيضا في أن ابتغاء الهدى من غيره ضلال! وليس عبثا أن يكون ذلك من آخر وصايا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لهذه الأمة؟ وهو قوله البَيِّنُ المليح لأصحابه:* (أبشروا.. أبشروا..! أليس تشهدون ألا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا: بلى! قال: فإن هذا القرآن سَبَبٌ، [يعني: حبل] طرفُه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به! فإنكم لن تضلوا، ولن تهلكوا بعده أبداً!)(1).
 
– الرسالة الثالثة:
وهي أن هذا القرآن لن يكون له أثره في البشرية من النذارة والإنارة، إلا من خلال نماذج بشرية حية، تشتعل قلوبها هي أولا بحقائقه الإيمانية، حتى تستنير وتتوهج ثم تنير. وذلك قوله‏ تعالى:‏ ‏”‏على عبده‏“‏ فهذه صفة مدح وثناء، لأنه أضافه إلى عبوديته. فلما تحقق الرسول بالقرآن خُلقا صار هو – عليه الصلاة والسلام – بذلك للعالمين نذيراً.
ولا بديل للمؤمن الداعية إلى الخير عن هذا المنهاج الرباني القويم. تلك حقيقة قرآنية راسخة، بَيَّنَتْ معالِمَهَا التطبقيةَ سيرةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما كابده طيلة دعوته من آي الفرقان.
– الرسالة الرابعة:
في أن التعريف بوحدانية الله – في هذا السياق – بما هو منـزل الفرقان، وبيان عظمته بتنـزيهه عن الشريك، كل ذلك يستوجب تعظيمَ القرآن المنـزل من عنده، ثم تفريده بالمصدرية، بحيث لا يُتَلَقَّى من أي شيء سواه توجيهٌ من التوجيهات المتعلقة بالإرشاد التعبدي والدعوي للإنسان في الأرض. فالقرآن هو المصدر، والقرآن هو البرنامج، والقرآن هو الوسيلة، والقرآن هو المنهاج. فلا شيء ينافس القرآن في ذلك على الإطلاق! والسنة في ذلك له تبع، فهي دليل السالك عبر مسالكه إلى الله، لِمَا تمثله من كمال العبدية لله. وهما شرطان لا ينفكان: المسلك ونموذجه.
وهذا أمر في غاية الأهمية من الناحية المنهاجية. ومخالفة مقتضاه لا تكون سليمة العواقب على الدعوة والداعية، وعلى التربية والسلوك، في التصور وفي الممارسة. فتوحيد القبلة تجاه القرآن في السير إلى الله شرط صحة الطريق. قال سبحانه: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ. وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ!)(النمل: 91-93) فتدبر!
– الرسالة الخامسة:
في أن إخلاص الدين لله هو القضية الأم لهذا القرآن بما هو دعوةٌ للعالمين. ومن هنا كان الشرك هو أكبر ظلم مارسته البشرية الضالة! وذلك بما تنكرت لحق الخالقية، وبما تنكرت لتفرده تعالى بالتوجيه للإنسانية، فيما يصلح معاشها ومعادها! ومن هنا كانت الوظيفة الفرقانية الأولى لهذا الفرقان هي دعوة الناس للرجوع إلى هذا الحق الإلهي العظيم: توحيد الله بالعبادة والإخلاص له في كل شيء. وتلك رسالة في أن مدار دعوة الإسلام إنما هو التوحيد. التوحيد من حيث هو مجاهدة النفس على التحقق بمقام الإخلاص لله الواحد القهار، وإفراده تعالى بالعبادة رَغَباً ورَهَباً، والتحقق من ذلك على مستوى الوجدان، خَطْرَةً خَطْرَةً؛ حتى يصفو قصدُك لله، ولله وحده! وتلك هي القضية الأولى للقرآن عبر جميع الأجيال! فلا يضيعن منك ميزان الحق في ترتيب أولويات الدين والدعوة!
ثم تدبَّر هذا البيانَ النبوي العظيم! من خلال ما يرويه الصحابي الجليل معاذ بن جبل – رضي الله عنه – قال:
(بَيْنَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلاَّ أَخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ: “يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ!” قُلْتُ: “لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ!” ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ” “يَا مُعَاذُ!” قُلْتُ: “لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ!” ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: “يَا مُعَاذُ!” قُلْتُ: “لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ!” قَالَ: “هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ؟” قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ”. قَالَ: “حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا”. ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: “يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ!” قُلْتُ: “لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ!” فَقَالَ: “هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوهُ؟” قُلْتُ: “اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ”. قَالَ: “حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لاَ يُعَذِّبَهُمْ!”)( ). فتدبر!
4– مَسْلَكُ التخلق:
لا مسلك إلى تَلَقِّي كل تلك الرسالات والتخلق بحقائقها الإيمانية، ومقاماتها الربانية، إلا بأخذ القرآن بقوة! واتخاذه فرقانا في كل كبيرة وصغيرة، حتى لا تشتغل بشيء دون استشارته، ولا تقطع خطوة دون دلالته. فيصير لك منهاج حياة، ويكون لك هو رفيق الطريق. فهذا عصر لا مخرج من تيهه الرهيب إلا بالتمسيك بهذا الكتاب!
فيا نفسي الضعيفة المترددة! إن أول شروط الطريق عهدٌ وميثاق! عهد يقطع عنك كل تردد، ويعصمك من كل التفات. وعلامَ الالتفات وإلى مَهْ؟ فيا صاح وَحِّدِ القلبة! وَحِّدِ القبلة! فهذا كتاب الله وحده ضمان النجاة! قال جل ثناؤه: (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ؟ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ! وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ. أَفَلاَ تَعْقِلُونَ؟ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ!)(الأعراف: 169-170).
ثم إن أول الخطو إلى ذلك هو إدمان تلاوته، وتدبر عباراته، وتلقي إشاراته. ثم صقل القلب بِخُلُقِ التقوى على لهيب أنواره. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.)(الأنفال: 29).
فلا ينبغي أن تجد نفسك في سيرك إلى الله – تربيةً ودعوةً – إلا بين منازل تلاوته في خلواتك وصلواتك، وبين مدارج مدارسته في مساجدك ومجالسك. فهذه مدرسة القرآن يا صاح، مفتوحة الأبواب أمامك، على صراط مستقيم يقودك إلى الله، فادخلها بسلام! إنها ميسرة منورة. قال جَلَّ ثناؤه: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ؛ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ؟)(القمر: 17)..
ذلك، وإنما الموفق من وفقه الله.
ـــــــانتهى. 
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رواه ابن حبان في صحيحه، والبيهقي في شعبه، وابن أبي شيبة في مصنفه، والطبراني في الكبير، وعبد بن حميد فى المنتخب من المسند‌. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 713. 
 
 الحلقة: 1
 
الحلقة: 2

عن Alfetria

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.