الرئيسية / رسالة الأسبوع / أركان الفطرية – الجزء الأول للشيخ الدكتور فرد الأنصاري رحمه الله

أركان الفطرية – الجزء الأول للشيخ الدكتور فرد الأنصاري رحمه الله

فأما الركن الأول، وهو:

– الإخلاصُ مجاهدةً: فهو فَصُّ الفطرية، ومُحُهَّا الذي تنطوي عليه، بما هي محاولة لإعادة بناء النفس على ما بُنيت عليه أول ما خُلقت، وقد كان أول بنائها على الفطرة, وقد سبق أن أصل الفطرة الإنسانية إنما هو إخلاص التوحيد لله رب العالمين. فكان مدارُ الفطرية – دعوةً وتربيةً – إنما هو على إفراد الله جلَّ جلالُه بالعبودية، وحده دون سواه، ونبذ سائر ضروب الشرك والشركاء، ظاهرا وباطنا. فسائر الأعمال والعبادات في الإسلام إنما هي خادمة لهذا الركن الركين، وفروع لهذا الأصل العظيم. هو غايتها، وهو مقياس صحتها وفسادها. ولذلك وجب أن يُجعل الإخلاصُ – كما جعله الله في كتابه، وبَيَّنَهُ الرسولُ في منهاجه – مدارَ الدين والدعوة جميعا، وإلا صار العمل الإسلامي كله إلى انحراف وضلال!

إلا أن إخلاص التوحيد ليس مجرد معلومات تُلَقَّن، ولا منظومات تُستظهر، بل هو حقيقةٌ إيمانيةٌ عظمى، وخُلُقٌ قرآني عميق، لا يُنال إلا بمجاهدة ومكابدة! ولذلك قيدنا ركنيته ببيان طريقة التحقق به؛ بقولنا: “الإخلاصُ مجاهدةً”. إذ مقتضاه راجع إلى معنى السير إلى الله على طريق الفناء في طاعته؛ لتحقيق خالص العبدية له وحده جل علاه، حتى لا يبقى منك شيء لسواه! فتجعل كل رغائبك وكل أهوائك وكل ذراتك، الظاهرة والباطنة، فانية في قصده هو جل جلاله، حتى يتحقق لك دوام الشهود لعبديتك الكاملة له، فلا تكون في شيء من عبادتك وعاداتك إلا بالله وله! (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايْ وَمَمَاتِيَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)(الأنعام: 162-163).

هذا هو المقصد الأساس من المدرسة القرآنية، والغاية الكبرى لبرنامج الربانية، والجامع المانع لمفهوم الفطرية. فمن أراد الإخلاص حقيقةً، وجب أن يتحقق بطريقة التخلق بمقامه، ومعراج الرقي إلى منـزله، وإلا كان ممن يتمنى على الله الأماني! وليس لذلك دون مكابدة القرآن ومجاهدة النفس به من سبيل! وإنما الموفق من وفقه الله.

وأما الركن الثاني، فهو:

– الآخِرةُ غَايةً: وهو ميزان الداعية المؤمن لتقويم صفاء دينه، وبوصلته لضبط مسار دعوته. وما ارتبط شيء في كتاب الله وسنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كما ارتبط ركن الإيمان بالله بركن الإيمان باليوم الآخر! على نحو ما في قوله تعالى: (ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)(البقرة: 232). وهو في الكتاب والسنة أكثر من أن يحصى! إذ الإيمان بالآخرة هو حادي العبد إلى تحقيق منـزلة الإخلاص في إيمانه بالله جل علاه. ولذلك كان هذا البيان النبوي العجيب في رسم طريق الآخرة للمؤمنين، قال عليه الصلاة والسلام: (مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ في قَلْبِهِ، وجمعَ له شملَه، و أتته الدنيا وهي رَاغِمَةٌ! ومَنْ كَانَتِ الدُّنيا هَمَّهُ جعلَ اللهُ فَقْرَهُ بين عينيه! وفَرَّقَ عليهِ شَمْلَهُ! ولم يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إلاَّ مَا قُدِّرَ لَهُ!)([1])

فالحضور الأخروي الدائم في وجدان المؤمن يجعله آمنا من فتن الشهوات، ومن بريق الإغراءات، التي تفسد الدعوات وتدمر الحركات! وعدمُ العض على هذا المعنى العظيم في الإسلام بالنواجذ مُلْقٍ بالمرء – أنى كان موقعه الدعوي في العلم والعمل – إلى متاهات الضلال! ذلك أن قضية الحياة الآخرة هي جوهر العقيدة الإسلامية، ومآل العالم الوجودي كله! (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ!)(العنكبوت:64).

وإنما المؤمن الصادق بهذا الدين – بله الداعية إليه – رَجُلٌ أخروي بالقصد الأول! (أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ؟ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ!)(التوبة: 38).

وتتميز الفطرية بأنها تجعل لكل حقيقة من حقائق الدين ما جعله الله لها من الحجم والقَدْرِ، في الصورة الكلية للإسلام ديناً ودعوةً. لأن ذلك من خصائص الفطرة، ومن صفاتها الذاتية، بما هي الهيأة الأولى للدين، قبل أن يصيبها التغيير والتحريف. ومن هنا كان الركن الثاني من أركان الدعوة الفطرية: “الآخِرةُ غايةً”، وقَيَّدْنَا بالغاية؛ حتى لا يبقى هذا المعنى حبيس التصورات النظرية في الجدل الكلامي، بل ليصبح هدفا محددا واضحا، لكل عمل إسلامي يُرْجَى به نيلُ رضى الله، والفوز بالنعيم المقيم في جنات الخلد، والنجاة من عذاب الجحيم. ألاَ جعلني الله وإياك يا صاح من الفائزين بنعمته، الداخلين في رحمته! (يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ!)(الشعراء:88-89).

وأما الركن الثالث، فهو:

– القرآنُ مدرسةً: وهو الصبغة العامة للفطرية، بما هي قائمة أساسا على تلقي رسالات القرآن، سواء عبر برامج الربانية أو عبر مجالس القرآن. وقد تبين ألا إمكان لإصلاح الفطرة الإنسانية إلا بالقرآن، لأنه إنما أُنْزِلَ أساسا لهذا القصد الرباني العظيم. فالقرآن – بما هو كلامُ خالقِ الإنسان، العليم بأسرار تكوينه – هو كتاب إصلاح الفطرة الإنسانية وصيانتها. ومن هنا كانت الفطرية مدرسة قرآنية بالدرجة الأولى.

عن كتاب الفطرية للشيخ فريد الأنصاري رحمه الله

——–
[1] أخرجه الترمذي عن أنس مرفوعا. وصححه الألباني، حديث رقم : 6510 في صحيح الجامع.

 

 

 

أركان الفطرية – الجزء الأول

للشيخ الدكتور فرد الأنصاري -رحمه الله-

فأما الركن الأول، وهو:

– الإخلاصُ مجاهدةً: فهو فَصُّ الفطرية، ومُحُهَّا الذي تنطوي عليه، بما هي محاولة لإعادة بناء النفس على ما بُنيت عليه أول ما خُلقت، وقد كان أول بنائها على الفطرة, وقد سبق أن أصل الفطرة الإنسانية إنما هو إخلاص التوحيد لله رب العالمين. فكان مدارُ الفطرية – دعوةً وتربيةً – إنما هو على إفراد الله جلَّ جلالُه بالعبودية، وحده دون سواه، ونبذ سائر ضروب الشرك والشركاء، ظاهرا وباطنا. فسائر الأعمال والعبادات في الإسلام إنما هي خادمة لهذا الركن الركين، وفروع لهذا الأصل العظيم. هو غايتها، وهو مقياس صحتها وفسادها. ولذلك وجب أن يُجعل الإخلاصُ – كما جعله الله في كتابه، وبَيَّنَهُ الرسولُ في منهاجه – مدارَ الدين والدعوة جميعا، وإلا صار العمل الإسلامي كله إلى انحراف وضلال!

إلا أن إخلاص التوحيد ليس مجرد معلومات تُلَقَّن، ولا منظومات تُستظهر، بل هو حقيقةٌ إيمانيةٌ عظمى، وخُلُقٌ قرآني عميق، لا يُنال إلا بمجاهدة ومكابدة! ولذلك قيدنا ركنيته ببيان طريقة التحقق به؛ بقولنا: “الإخلاصُ مجاهدةً”. إذ مقتضاه راجع إلى معنى السير إلى الله على طريق الفناء في طاعته؛ لتحقيق خالص العبدية له وحده جل علاه، حتى لا يبقى منك شيء لسواه! فتجعل كل رغائبك وكل أهوائك وكل ذراتك، الظاهرة والباطنة، فانية في قصده هو جل جلاله، حتى يتحقق لك دوام الشهود لعبديتك الكاملة له، فلا تكون في شيء من عبادتك وعاداتك إلا بالله وله! (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايْ وَمَمَاتِيَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)(الأنعام: 162-163).

هذا هو المقصد الأساس من المدرسة القرآنية، والغاية الكبرى لبرنامج الربانية، والجامع المانع لمفهوم الفطرية. فمن أراد الإخلاص حقيقةً، وجب أن يتحقق بطريقة التخلق بمقامه، ومعراج الرقي إلى منـزله، وإلا كان ممن يتمنى على الله الأماني! وليس لذلك دون مكابدة القرآن ومجاهدة النفس به من سبيل! وإنما الموفق من وفقه الله.

وأما الركن الثاني، فهو:

– الآخِرةُ غَايةً: وهو ميزان الداعية المؤمن لتقويم صفاء دينه، وبوصلته لضبط مسار دعوته. وما ارتبط شيء في كتاب الله وسنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كما ارتبط ركن الإيمان بالله بركن الإيمان باليوم الآخر! على نحو ما في قوله تعالى: (ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)(البقرة: 232). وهو في الكتاب والسنة أكثر من أن يحصى! إذ الإيمان بالآخرة هو حادي العبد إلى تحقيق منـزلة الإخلاص في إيمانه بالله جل علاه. ولذلك كان هذا البيان النبوي العجيب في رسم طريق الآخرة للمؤمنين، قال عليه الصلاة والسلام: (مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ في قَلْبِهِ، وجمعَ له شملَه، و أتته الدنيا وهي رَاغِمَةٌ! ومَنْ كَانَتِ الدُّنيا هَمَّهُ جعلَ اللهُ فَقْرَهُ بين عينيه! وفَرَّقَ عليهِ شَمْلَهُ! ولم يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إلاَّ مَا قُدِّرَ لَهُ!)([1])

فالحضور الأخروي الدائم في وجدان المؤمن يجعله آمنا من فتن الشهوات، ومن بريق الإغراءات، التي تفسد الدعوات وتدمر الحركات! وعدمُ العض على هذا المعنى العظيم في الإسلام بالنواجذ مُلْقٍ بالمرء – أنى كان موقعه الدعوي في العلم والعمل – إلى متاهات الضلال! ذلك أن قضية الحياة الآخرة هي جوهر العقيدة الإسلامية، ومآل العالم الوجودي كله! (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ!)(العنكبوت:64).

وإنما المؤمن الصادق بهذا الدين – بله الداعية إليه – رَجُلٌ أخروي بالقصد الأول! (أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ؟ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ!)(التوبة: 38).

وتتميز الفطرية بأنها تجعل لكل حقيقة من حقائق الدين ما جعله الله لها من الحجم والقَدْرِ، في الصورة الكلية للإسلام ديناً ودعوةً. لأن ذلك من خصائص الفطرة، ومن صفاتها الذاتية، بما هي الهيأة الأولى للدين، قبل أن يصيبها التغيير والتحريف. ومن هنا كان الركن الثاني من أركان الدعوة الفطرية: “الآخِرةُ غايةً”، وقَيَّدْنَا بالغاية؛ حتى لا يبقى هذا المعنى حبيس التصورات النظرية في الجدل الكلامي، بل ليصبح هدفا محددا واضحا، لكل عمل إسلامي يُرْجَى به نيلُ رضى الله، والفوز بالنعيم المقيم في جنات الخلد، والنجاة من عذاب الجحيم. ألاَ جعلني الله وإياك يا صاح من الفائزين بنعمته، الداخلين في رحمته! (يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ!)(الشعراء:88-89).

وأما الركن الثالث، فهو:

– القرآنُ مدرسةً: وهو الصبغة العامة للفطرية، بما هي قائمة أساسا على تلقي رسالات القرآن، سواء عبر برامج الربانية أو عبر مجالس القرآن. وقد تبين ألا إمكان لإصلاح الفطرة الإنسانية إلا بالقرآن، لأنه إنما أُنْزِلَ أساسا لهذا القصد الرباني العظيم. فالقرآن – بما هو كلامُ خالقِ الإنسان، العليم بأسرار تكوينه – هو كتاب إصلاح الفطرة الإنسانية وصيانتها. ومن هنا كانت الفطرية مدرسة قرآنية بالدرجة الأولى.

عن كتاب الفطرية للشيخ فريد الأنصاري رحمه الله

——–
[1] أخرجه الترمذي عن أنس مرفوعا. وصححه الألباني، حديث رقم : 6510 في صحيح الجامع.

شاهد أيضاً

التدبر غاية إنزال القرآن

لا سبيل إلى معرفة الحقيقة إلا عبر هذا القرآن أولا، ولا يكون ما دونه من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *