الرئيسية / رسالة الأسبوع / الرسالة الرابعة عشرة للشيخ فريد الأنصاري رحمه الله: أركان الفطرية – الجزء الثاني

الرسالة الرابعة عشرة للشيخ فريد الأنصاري رحمه الله: أركان الفطرية – الجزء الثاني

وأما الركن الثالث، فهو:

– القرآنُ مدرسةً: وهو الصبغة العامة للفطرية، بما هي قائمة أساسا على تلقي رسالات القرآن، سواء عبر برامج الربانية أو عبر مجالس القرآن. وقد تبين ألا إمكان لإصلاح الفطرة الإنسانية إلا بالقرآن، لأنه إنما أُنْزِلَ أساسا لهذا القصد الرباني العظيم. فالقرآن – بما هو كلامُ خالقِ الإنسان، العليم بأسرار تكوينه – هو كتاب إصلاح الفطرة الإنسانية وصيانتها. ومن هنا كانت الفطرية مدرسة قرآنية بالدرجة الأولى.
وأما الركن الرابع، فهو:

– الربانيةُ برنامجاً: وهو أحد مسالكها التربوية الرئيسة، الهادفة إلى تخريج طبقة الدعاة المربين، وهم طائفة الربانيين الحاملين لرسالة القرآن، المشتغلين بدعوته في الناس أجمعين، بما يقتضيه مفهوم الربانية من مقام إيماني عظيم، وفقه دعوي متين. ولذلك جعلنا لها برنامجا قرآنيا خاصا، استقريناه من مجموع الآيات الدالة على أخلاق الربانيين، وخصوص منازلهم الإيمانية، وما تقتضيه من العلم والحكمة، معزَّزاً بالبيانات النبوية، الرامية إلى تخريج أئمة الهدى في الدين.

وأما الركن الخامس، فهو:

– العلمُ طريقةً: وهو راجع إلى كون العلوم الشرعية أساسا، ومناهجها الاستدلالية والاجتهادية، وقواعدها النقدية والتأصيلية، هي المسلك الأساس لبناء علم الناس بالله وبدينه، عقيدةً، وشريعةً، وتربيةً وسلوكاً. فلا مكان في الفطرية للخرافية، ولا للأهوائية الشخصانية. ومن هنا وجب أن تحمل رسالات الفطرية، لكل المسلمين، الحد الأدنى من العلم الشرعي، الذي لا يُعبد الله إلا به، عقيدةً وشريعةً. وذلك هو المسمى عند العلماء بـ”المعلوم من الدين بالضرورة”، أو “ما لا يَسَعُ المسلمَ جهلُه”. ثم تحرض – في الوقت نفسه – نبغاء الشباب على تحقيق واجب الوقت، من التفرغ لطلب العلم الشرعي، بشروطه التخصصية؛ وذلك لمد الأمة بأجيال العلماء الربانيين، على ما بيناه في كتابنا “مفهوم العَالِمِيَّةِ”. فذلك هدف استراتيجي، وجب أن يكون عمودا فقريا، في كل مشروع دعوي، انتصب لتجديد الدين بصدق وبجدية. وما التوفيق إلا بالله.

وأما الركن السادس، فهو:

– الحكمةُ صبغةً:وهو صمام الأمان لسير العمل الدعوي. وقد كان غياب الحكمة سببا رئيسا في هلاك كثير من الدعوات واندثارها، أو انحرافها. والحكمة في العمل الدعوي هي: “اتخاذ الإجراء المناسب، في الوقت المناسب، بالقَدْرِ المناسب”. فهي إذن راجعة – في النهاية – إلى كلمة واحدة جامعة هي: حُسْنُ التَّقْدِيرِ والتدبير.

ويُتَحَقَّقُ منها بأمرين، أحدهما كسبي والآخر وهبي. فأما الكسبي فهو: الفقه في الدين بمعناه المنهجي، وخاصة منه ما يسمى عند الأصوليين بفقه “تحقيق المناط” عَامِّهِ وخاصِّه([1])، ويدخل فيه فقه الأولويات وفقه الموازنات، وما يندرج فيهما من قواعد التدرج والتلطف والتترس.

وأما الوهبي فهو: راجع إلى التخلق بمقامات التقوى والورع، إذ هي سبب وضع المؤمن في منـزلة التعرض لنفحات الله، التي تفتح البصائر وتنير السرائر. وهو معنى الفرقان في قوله تعالى: (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(الأنفال: 29). وكذا قوله تعالى: (وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(البقرة: 282). وفي هذا السياق أسند الله تعالى فعل إتيان الحكمة لنفسه تعالى؛ لنفي مطلقِ كسبيتها عن الإنسان، وهو قوله تعالى: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ)(البقرة: 269).
وقد كان شيخ المقاصد أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله – بما فتح الله له من العلم والحكمة – من أمهر العلماء الربانيين فقهاً لهذه الحقائق وتعبيرا عنها، بشقيها الكسبي والوهبي. وقد وردت عنه في ذلك إشراقات عجيبة، في نصوص شتى من كتابه الرائد الموافقات. ولنا أن نختار منها هذا النص الفريد، قال – رحمه الله – في وصف العالم الرباني الحكيم أنه: (لاَ يَذْكُرَ للمبتدئ من العلم ما هو حظ المنتهي! بل يربي بصغار العلم قبل كباره. وقد فرض العلماء مسائل، مما لا يجوز الفتيا بها، وإن كانت صحيحة فى نظر الفقه! (…) وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت فى ميزانها؛ فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله! فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة؛ فاعرضها فى ذهنك على العقول، فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها، إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم. وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ؛ فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية!)([2]).

وهذه منـزلة من العلم الرباني، وجب على الداخل في مدرسة الفطرية أن يحرص على التحقق بأسبابها، والتخلق بشروطها؛ عسى أن يكون من أهلها، ولو على مستوى المنهج في المجال الدعوي، إن لم يكن من أهل الاختصاص الشرعي والاجتهاد الفقهي. ومدرسة القرآن بما هي مَشْرَبٌ رباني صاف، كفيلة بتحقيق ذلك للصادقين من طلابها، بما يجعل الحكمة – بإذن الله – صفة جوهرية في التصرفات الدعوية لأبنائها؛ ولذلك جعلنا الركن الأخير من أركانها: (الحكمة صبغةً). كذلك، والله الموفق للخير والمعين عليه.

تلك إذن هي أركان الفطرية الستة. ونحسب أن الدخول في برامجها القرآنية، من خلال مسالكها التربوية، كفيل بالتحقق التلقائي بها، ركنا ركنا. وإنما ذكرناها ههنا معزولة من باب ذكر المقاصد قبل الوسائل؛ حتى تكون تلك عونا على حسن تطبيق هذه. والله المستعان.

—-
[1] انظر تفصيل ذلك – إذا تشاء – في كتاب الموافقات للشاطبي: 4/97.

[2] الموافقات: 4/190-191

وأما الركن الثالث، فهو:

– القرآنُ مدرسةً: وهو الصبغة العامة للفطرية، بما هي قائمة أساسا على تلقي رسالات القرآن، سواء عبر برامج الربانية أو عبر مجالس القرآن. وقد تبين ألا إمكان لإصلاح الفطرة الإنسانية إلا بالقرآن، لأنه إنما أُنْزِلَ أساسا لهذا القصد الرباني العظيم. فالقرآن – بما هو كلامُ خالقِ الإنسان، العليم بأسرار تكوينه – هو كتاب إصلاح الفطرة الإنسانية وصيانتها. ومن هنا كانت الفطرية مدرسة قرآنية بالدرجة الأولى.

وأما الركن الرابع، فهو:

– الربانيةُ برنامجاً: وهو أحد مسالكها التربوية الرئيسة، الهادفة إلى تخريج طبقة الدعاة المربين، وهم طائفة الربانيين الحاملين لرسالة القرآن، المشتغلين بدعوته في الناس أجمعين، بما يقتضيه مفهوم الربانية من مقام إيماني عظيم، وفقه دعوي متين. ولذلك جعلنا لها برنامجا قرآنيا خاصا، استقريناه من مجموع الآيات الدالة على أخلاق الربانيين، وخصوص منازلهم الإيمانية، وما تقتضيه من العلم والحكمة، معزَّزاً بالبيانات النبوية، الرامية إلى تخريج أئمة الهدى في الدين.

وأما الركن الخامس، فهو:

– العلمُ طريقةً: وهو راجع إلى كون العلوم الشرعية أساسا، ومناهجها الاستدلالية والاجتهادية، وقواعدها النقدية والتأصيلية، هي المسلك الأساس لبناء علم الناس بالله وبدينه، عقيدةً، وشريعةً، وتربيةً وسلوكاً. فلا مكان في الفطرية للخرافية، ولا للأهوائية الشخصانية. ومن هنا وجب أن تحمل رسالات الفطرية، لكل المسلمين، الحد الأدنى من العلم الشرعي، الذي لا يُعبد الله إلا به، عقيدةً وشريعةً. وذلك هو المسمى عند العلماء بـ”المعلوم من الدين بالضرورة”، أو “ما لا يَسَعُ المسلمَ جهلُه”. ثم تحرض – في الوقت نفسه – نبغاء الشباب على تحقيق واجب الوقت، من التفرغ لطلب العلم الشرعي، بشروطه التخصصية؛ وذلك لمد الأمة بأجيال العلماء الربانيين، على ما بيناه في كتابنا “مفهوم العَالِمِيَّةِ”. فذلك هدف استراتيجي، وجب أن يكون عمودا فقريا، في كل مشروع دعوي، انتصب لتجديد الدين بصدق وبجدية. وما التوفيق إلا بالله.

وأما الركن السادس، فهو:

– الحكمةُ صبغةً:وهو صمام الأمان لسير العمل الدعوي. وقد كان غياب الحكمة سببا رئيسا في هلاك كثير من الدعوات واندثارها، أو انحرافها. والحكمة في العمل الدعوي هي: “اتخاذ الإجراء المناسب، في الوقت المناسب، بالقَدْرِ المناسب”. فهي إذن راجعة – في النهاية – إلى كلمة واحدة جامعة هي: حُسْنُ التَّقْدِيرِ والتدبير.

ويُتَحَقَّقُ منها بأمرين، أحدهما كسبي والآخر وهبي. فأما الكسبي فهو: الفقه في الدين بمعناه المنهجي، وخاصة منه ما يسمى عند الأصوليين بفقه “تحقيق المناط” عَامِّهِ وخاصِّه([1])، ويدخل فيه فقه الأولويات وفقه الموازنات، وما يندرج فيهما من قواعد التدرج والتلطف والتترس.

وأما الوهبي فهو: راجع إلى التخلق بمقامات التقوى والورع، إذ هي سبب وضع المؤمن في منـزلة التعرض لنفحات الله، التي تفتح البصائر وتنير السرائر. وهو معنى الفرقان في قوله تعالى: (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(الأنفال: 29). وكذا قوله تعالى: (وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(البقرة: 282). وفي هذا السياق أسند الله تعالى فعل إتيان الحكمة لنفسه تعالى؛ لنفي مطلقِ كسبيتها عن الإنسان، وهو قوله تعالى: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ)(البقرة: 269).
وقد كان شيخ المقاصد أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله – بما فتح الله له من العلم والحكمة – من أمهر العلماء الربانيين فقهاً لهذه الحقائق وتعبيرا عنها، بشقيها الكسبي والوهبي. وقد وردت عنه في ذلك إشراقات عجيبة، في نصوص شتى من كتابه الرائد الموافقات. ولنا أن نختار منها هذا النص الفريد، قال – رحمه الله – في وصف العالم الرباني الحكيم أنه: (لاَ يَذْكُرَ للمبتدئ من العلم ما هو حظ المنتهي! بل يربي بصغار العلم قبل كباره. وقد فرض العلماء مسائل، مما لا يجوز الفتيا بها، وإن كانت صحيحة فى نظر الفقه! (…) وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت فى ميزانها؛ فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله! فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة؛ فاعرضها فى ذهنك على العقول، فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها، إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم. وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ؛ فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية!)([2]).

وهذه منـزلة من العلم الرباني، وجب على الداخل في مدرسة الفطرية أن يحرص على التحقق بأسبابها، والتخلق بشروطها؛ عسى أن يكون من أهلها، ولو على مستوى المنهج في المجال الدعوي، إن لم يكن من أهل الاختصاص الشرعي والاجتهاد الفقهي. ومدرسة القرآن بما هي مَشْرَبٌ رباني صاف، كفيلة بتحقيق ذلك للصادقين من طلابها، بما يجعل الحكمة – بإذن الله – صفة جوهرية في التصرفات الدعوية لأبنائها؛ ولذلك جعلنا الركن الأخير من أركانها: (الحكمة صبغةً). كذلك، والله الموفق للخير والمعين عليه.

تلك إذن هي أركان الفطرية الستة. ونحسب أن الدخول في برامجها القرآنية، من خلال مسالكها التربوية، كفيل بالتحقق التلقائي بها، ركنا ركنا. وإنما ذكرناها ههنا معزولة من باب ذكر المقاصد قبل الوسائل؛ حتى تكون تلك عونا على حسن تطبيق هذه. والله المستعان.

—-
[1] انظر تفصيل ذلك – إذا تشاء – في كتاب الموافقات للشاطبي: 4/97.

[2] الموافقات: 4/190-191

شاهد أيضاً

التدبر غاية إنزال القرآن

لا سبيل إلى معرفة الحقيقة إلا عبر هذا القرآن أولا، ولا يكون ما دونه من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *