الرئيسية / مجالس القرآن / مجالس القرآن: فريد الأنصاري / المجلس الثالث من سورة الفرقان

المجلس الثالث من سورة الفرقان

سورة الفرقان

في مقام التلقي لموازين الدعوة والداعية

1- كلمات الابتلاء:

وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنـزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (8) انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (9) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (10)

2- البيان العام:

هذا موطن امتحان الرجال! هذا مقام تَلَقِّي العزائم المحمدية! وإنها لَعَزَائِمُ تَنْهَدُّ من تحت قَوَارِعِهَا الجبالُ! وإنه لا نجاح لداعية خسر هذا التحدي، ولم يفلح في التخلق بمقامه العالي!
فهل تعلمتَ يا قبلي درس الصبر؟ أم أنها كلمة تجري على اللسان وكفى؟! الصبر على فتنة الاتهامات الباطلة والإشاعات المدمرة والأراجيف القاتلة! وإنها في هذا العصر لمن أشد الشر على المؤمنين! وإنها لتيه من متاهات الغربة بهذا الدين! وإن الصبر على الأذى النفسي لمحنة وأي محنة! وإن الدخول فيها لمن أشد مواطن الامتحان لمقامات الإيمان! وإن النجاح بأسلاكها لبشارة للمؤمنين بالفتح المبين!

ألا ما أقسى ظلمات الفتن إذا أقبلت على الإنسان بصورها المموهة الكاذبة! كم تبغته وتبهته! وكم تربكه وتزلزله! حتى إنه لربما صدَّقها وانجر خلف ضلالها فكان من الهالكين! وكيف النجاةُ وها الفتنةُ ما أَقْدَمَتْ إلا وَأَقْدَمَتْ بِشُبْهَةٍ، ولاَ أدْبَرَتْ إلاَّ وَأَدْبَرَتْ ببيان!؟ فلا يكون منها البيان إلا بعد فوات الأوان! وإن شُبَهَهَا عند الإقبال لَتَدَعُ الحليم حيران! ولذلك كانت فتنة!

فيا صاحبي في طريق الآخرة!

لِنَتَلَقَّ معاً درسَ الموازين! وإن لكلمات الله ههنا لَقولاً فَصْلاً! وإن لها لمقياساً عَدْلاً! ثم إن لها من منازل التبصير والتنوير ما لو تَحَقَّقَ به المؤمنُ لكان من أهل الله، لا يرى إلا بنور الله! فأنى للفتن آنئذ أن تزحزح قلبه أو تسحر بصيرته؟
ثم إن هذا القرآن قد كشف لأهله سنن الحرب الدائرة بين الحق والباطل إلى يوم القيامة! فلا شيء من ذلك إلا وفي كتاب الله ميزانه. وإن من أشد مواطن الضعف في أسلحة الخصوم هو جهلهم بطبيعة هذه الدعوة ورجالها! وإنما هو عِلْمٌ يُنال بالإيمان، وبالإيمان فقط! وهم إذْ عَدِمُوهُ جهلوه! فكانوا من الخاسرين في معركتهم ضد الحق. فاقرأ وتدبر! ولا يفوتنك هذا فإنه لك قوة!

قال سبحانه: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ؟)..الآيات. أي: وقال الكفار: ما بال هذا الذي يزعم أنه رسولٌ من عند الله يأكل الطعام مثل الناس؟ فيخضع بذلك لسائر الضرورات البشرية! سواء منها ما يتعلق بلواحق الأكل أو بسوابقه. ثم يمشي في الأسواق لطلب الرزق، فيخالط عامة الناس وأراذلهم؟ فهلاَّ أرسل الله معه مَلَكًا من السماء يشهد على صدقه، ويقوم بالنذارة إلى جانبه؟ أو يُلْقَى إليه كنـزٌ؛ فيكون من أصحاب المال والجاه، أو تكون له ضَيْعَةٌ عظيمة، ذات أشجار وثمار يأكل منها، فيستغني بذلك عن طلب الرزق والمشي في الأسواق؟ وإذْ ليس له من هذا كله شيءٌ؛ فقد قال هؤلاء الظالمون المكذبون: ما تتبعون أيها المؤمنون السُّذَّجُ إلا رجلا مسحورا، أي غلب السِّحْرُ على عقله؛ فلا هو يدري ما يقول!
ثم جاء الرد من عند الله قويا حاسما كالعادة!‏ ‏(اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً!)‏ تعجيباً من جهلهم وتهافت حجتهم! والخطاب موجه إلى نبيه – عليه الصلاة والسلام – على سبيل التسرية والتطمين، بمعنى: اُنْظُرْ يا محمد إلى تهافت ما جاؤوا به من كذب وبهتان! مما قذفوك به من قولهم: ساحر، مجنون، كذاب، شاعر…إلخ، فكلها أقوال باطلة ساقطة، لا ينطلي بهتانها على أحد ممن يعرفك، أو يعرف ما تتكلم به وما تتلوه من قرآن! ولذلك فهم لا يهتدون إلى حقيقة أمرك، ولا يستطيعون سبيلا‏ إلى دحض حجتك!

ثم عَقَّبَ بعد ذلك بتمجيد ذاته تعالى مرة أخرى، بما عَظُمَتْ بركاتُه وكَثُرَتْ خيراتُه. لكن ههنا في سياق المواجهة والتحدي! فقال لنبيه: تَبَارَكَ الذي إن شاء جعل لك – أيها الرسول – خيراً مما ضربوه لك مثلاً من مال الدنيا وجاهها، فجعل لك في هذه الأرض الدنيوية – قبل الآخرة – جنات وبساتين كثيرة تتخللها الأنهار، وجعل لك فيها قصوراً عالية فخمة! وكل ذلك سهل يسير على الله؛ إلا أن حكمته تعالى في النبوة وطبيعة الرسالة تقتضي أمراً آخر! وهو ما يأتي بيانه في المجلس اللاحق بحول الله.

3- الهدى المنهاجي:

وهو في هذه الآيات ينقسم إلى أربع رسالات هي كالتالي:

– الرسالة الأولى:

في أن سنة الله في الرسل والرسالات، وما جاء على منهاجها من الدعوات، أن تحاصرها الألسنة بالاتهامات الباطلة والإشاعات المغرضة، وأنواع السخرية اللاذعة، وسائر ضروب الحرب النفسية! كما تصنع كثير من وسائل الإعلام اليوم – من صحف وفضائيات – بالدعاة المخلصين. فلا بد من توطين النفس على تحمل الأذى النفسي في ذلك، وهو من أشد أنواع الابتلاء! فصبراً صبراً على جهل الجاهلين، وكيد الظالمين!

– الرسالة الثانية:

في تنبيه المؤمن إلى أن غالب طرق الحصار الإعلامي قديما وحديثا قائم – بالإضافة إلى أسلوب الاتهام والسباب – على أسلوب التعجيز! (لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنـزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا!) وهو ما يردده اليوم أعداء الدعوة الإسلامية، من مطالبة الدعاة ببرنامج تفصيلي في المال والأعمال، وكثير من الحلول الاجتماعية، التي لا نشك أن الإسلام هو العلاج الحقيقي لها، ولكن مع ذلك نقول إن للإسلام – بما هو دين رب العالمين – أولويات، وأصولا كليات! هي أساس العمل الدعوي، وما سواها فروع. فإذا قامت تلك، قامت هذه – بناءً عليها – بصورة تلقائية. فليكن المؤمن الداعية على بال من ذلك؛ حتى لا ينجرف إلى رد الفعل، فيجد نفسه يُصَرِّفُ الرسالة الدعوية على غير وجهها، أو بما يخالف ميزان أولوياتها! من برامج وخطط ووعود!

– الرسالة الثالثة:

في جهل الكفار عموما بطبيعة الدين والدعوة، إلا ظواهر شكلية، لا تنفعهم في شيء. ولذلك فإنهم لا يفلحون في محاصرة الحق أبداً. فما أخلص عبد لله في دعوته إلا كان منصوراً. وأما الانحراف بالدعوة والدين إلى صور العمل العادي غير التعبدي، فإنه يسهل على العدو محاصرته بكل الوسائل؛ إذ يفقد ذلك العمل طبيعته الإيمانية، وخاصيته الروحية، المستعصية على التحليل والتأويل ثم على الحصار والتدمير! فلا مقاييس للكفار في تفسير الظواهر إلا مقاييس المادة! ولا طاقة لهذه أن تفهم موازين دعوة القرآن! ومن هنا كان رجل القرآن منصوراً! فَأَلْقِ كلمات الله عليهم – يا عبد الله – وأَبْشِرْ بالفتح المبين! قال تعالى في مثل هذا السياق: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ! إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ!)(الحِجر : 94-95).

– الرسالة الرابعة:

في أن المؤمن لا ينبغي أن ينهزم أمام الحرب النفسية، وألا يرهبه شيء من هذه الاتهامات والإشاعات، مهما كثرت وتواترت! لسبب واحد، هو: أنها جميعها ستسقط مندحرة مهزومة؛ لأنما هي تحارب الله رب العالمين! فلا يبتئسن الداعية إلى الله بشيء من ذلك أبداً! وليوقن – إذا كان يُمَسِّكُ بالكتاب فعلاً، مخلصا لله صدقاً – بأن كلمات الله هي الغالبة المنتصرة في نهاية المطاف! فما أعلن أحدٌ الحربَ على الله إلا أهلكه الله!

4- مسلك التخلق:

شيء واحد أساس، يعصمكَ من الانجراف وراء المتاهات! ويمنحك الثباتَ أمام مغريات الدعايات، وهو حقيقة إيمانية كبرى: أن تبحث عما يريد الله منك، لا عما تريد أنت منه! فأنت العبد، وهو السيد الرب العظيم جَلَّ جلالُه، فلا ينعكس بين يديك الميزان! وبغير ذلك يتيه الدعاة فيقرؤون القرآن – تحت تأثير الاستفزاز الإعلامي والسياسي – كما يريدون هم لا كما يريد القرآن! كل ذلك وهم لا يشعرون! فيتم إخراج الدين للناس على موازين دنيوية فانية، لا على موازين الربوبية والحقائق الأخروية الباقية!

فيا صاح! اسجد لله في سيرك داعيا إليه، ولا تكن من الْمُفْتَئِتِينَ! هذا خُلُقُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بين يدي ربه، عبداً خاضعا لجلاله تعالى، لا يشتغل إلا بما أذن له فيه! فاحذر أن يقع ببالك أنك أنت الذي تدبر أمر الدين والدعوة! فرداً كنت أو جماعة! فإنما غاية شرفنا جميعا – أنا وأنت – أن نحظى برضى الله تعالى إذا ما رضي أن نكون جنودا من جنده! فأكرم به من شرف وأنعم! والله وحده مدبر أمر الدين والدنيا جميعا. لا يكون شيء من أمرهما إلا بإذنه! وفي الإبان الذي يريده هو جل علاه! فاخضع لمراد الله تكن من المفلحين إن شاء الله!

وإنما خُلُقُ المؤمن في هذا الشأن أن يجاهد نفسه لتحقيق عبوديته لله؛ باتباع مسالك القرآن الكريم أنى مضت به، لا يلتفت إلى ما سواها. فَيُقَدِّمُ ما قدمه القرآن، ويؤخر ما أخره القرآن، ويعظم ما عظمه القرآن، ويصغر ما صغره القرآن! متأسيا في ذلك كله بسيرة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي كان خُلقه القرآن! ومن خضع لله على هذا الميزان، هداه الله إلى الحق أنى كان!

حكمة:
عندما اشتعلت نيران الحرب العالمية الثانية وُجِدَ حكيمُ القرآن الأستاذ بديع الزمان النورسي – رحمه الله – غير مبال كثيرا بأحداثها، والناس آنئذ في هلع عظيم! فسئل في ذلك، فقال: إنني منشغل بما هو أعظم! فقيل: وهل هنالك شيء أعظم من الحرب العالمية؟ قال: نعم، يوم القيامة!
ــــــــــــــــــــــانتهى.

شاهد أيضاً

المجلس الثالث من مدارسة الفاتحة

     

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *